أمام المنزل المشهور بتصميمه المعماري الفريد في القرية، وبأشكال الرسومات الهندسية البديعة في ديوانه المخصص للمقيل، كذلك فقد كان أول منزل يتسم بسمة المدنية والحداثة والفنون المعمارية التي أحدثت ضجة كبيرة في القرية والقرى المجاورة لها، إذا مررت من جانب النساء والفتيات اللواتي يجلبن الماء من البئر الواقع أسفل الجبل الشاهق، ستسمع حديثهنّ حول ذلك المنزل الذي يزينه الرخام الأبيض كأنه نجمة تتلألأ في الظلام القريه، قالت صفيه: يشبه بيوت الجنة، بالرغم أنني لم أرى بيوت الجنة ولكني أسمع الوصف، فطابعه المعماري يشبه السعادة، بل هو السعادة ذاتها، بيتنا مكّون من ديوانين، أحدهم لأبي وأمي، والآخر لي وإخوتي، ثم ديوان ثالث للبقرة والاغنام والدجاج. قاطعتها حليمة: غالب - تقصد مالك البيت - مغترب وقد افنى حياته كلها في الغربة، ماذا استفاد سوى هذا البيت الذي يتفاخر به بين أهالي القرية المساكين والفقراء الذين يسكنون الأكواخ والدواوين الهابطة، أظنك لا تشعرين بحال زوجته عندما يغيب عنها سنوات ثم يعود ليقعد معها أشهر بل أيام معدودة يا صفيه. تدخلت فتاة لم تبلغ الرابعه عشر من العمر وقالت: البيت لا يجلب السعادة يا صفيه، هناك من يسكنّ في القصور المتسعة لكنهنّ لا يشعرن بحرية العشش الحقيرة، وراحة الدواوين الصغيرة، إن ذلك المنزل الذي تعتقدين بأنه يشبه السعادة قد يكون حبس بالنسبة لوفاء - زوجة المغترب غالب - أنني أفضل أن أتزوج شاب يقدس هذه التربه ويعمل لأجلها ويصلي على ثراها الطاهر ونعيش سعداء، ثم لا نعلم ماهي المفاجأة التي ستقدمها لنا الأيام إذا عملنا بجهد وصدق وإخلاص لهذه الأرض، يجب أن نصارع الأمواج العاتية التي تريد أن تغرق هذه الأرض بالنسيان وتسلب تفكير الإنسان ليتحول إلى تفكير هروب ونزوح، لا، هذه الأرض تحتاجنا جميعاً، نساء ورجال، خاب من يقول بأن المغترب مرتاح، إنه يتألم بكل ثانيه على مغادرة وطنه، ويتمنى أن يعود ويعمل بأي حرفة فقط من أجل أن يعيش بين أهله وأطفاله براحة. شعرت الفتاة المراهقة بأنها قد اسهبت بالثرثرة ثم سمحت لخولة بالتحدث، توقفت خولة عن المشي بعد الحمير ونظرت ناحية النساء الأخريات وقالت: المغتربين ليس مرتاحين، لكنهم على الأقل يوفرون حياة هانئة لأولادهم، يتعبون من أجل أن يحمون أبنائهم من الواقع الذي واجهوه، هذه الأرض تطرد الإنسان على الدوام، لا يقعد فيها إلا من يبيع ضميره وتوجهه، أو من يمتلك حرفة تعينه على العيش في مجتمع اقطاعي يستخدم الإنسان ليصل إلى هدفه دون ذرة رحمة أو شفقة. تحدثت خولة بلهجة متزنة لأنها الوحيدة من الفتيات التي أكملت الدراسة في المدرسة البعيدة عن القرية، أما الأخريات فقد منعهنّ أولياء امورهنّ من التعليم بعد إن عادت سميه من المدينة بعد إن أكملت مراحلة التعليم الجامعي وقد خلعت حجابها ثم كانت تتحدث بأفكار جديدة، وفلسفة ظن أهل القرية بأنها "قحبة" وتعمل "بالدعارة" وكذلك فقد اختارت شريك حياتها بنفسها دون أن تتدخل العائلة، وبناء على هذا التصور خاف أهالي القرية من هذا الأسلوب الذي هو بنظرهم يخالف العادات والتقاليد والدين.
أمام ذلك المنزل بطابعه الجديد الذي سطع في قرية منازلها يشبهون لوحة تاريخية معلقة على جدران متاحف عالميه، كان الأطفال يلعبون لعبتهم المفضلة، يسمونها "الغميضة" وهي أن يغطي أحد الأطفال عن عينيه أو ينظر ناحية الجدار بينما الآخرين ينتشرون في أماكن تستطيع أن تخفيهم عن أنظار ذلك الذي يعد إلى العشرة موحياً بأن مرحلة البحث عنهم قد بدأت، ثم ينطلق ليبحث عنهم في الأماكن التي يظن بأنها تحيل بينه وبينهم، وإذا صادف ومسك أحدهم يسميه "فرخه" أما الذي يستطيع أن يفر إلى المكان الذي كان يُعد فيه أو يغمض عينيه ساعة الإنتشار يسمى "طائر". كان الوقت بعد الظهر، والأطفال أبناء المغترب يلعبون مع طفلاً آخر عليه ثياب رثة، ممزقة من خلف ظهره، وقد تم ترقيع ثيابه بقطع تخالف نوع القماش الذي عليه، وكذلك بنطلونه القصير إلى تحت مفصل الركبة، ممزق من مؤخرته، ويظهر من خلال تلك الفتحة شق من ردفه الأيمن، لكن ولأنه قد تعود على تلك الحالة، لم يشعر بالحياء أو الخجل، بل بعض الأيام يمشي في أزقة القرية دون بنطلون وعورته ظاهرة بالرغم من عمره الذي يقارب الرابعة عشر، ويتهمه البعض بالمعتوه، أو "الاهبل" وبعض الشباب يغارون منه كثيراً لأنه محبوب عند جميع النساء، ثم إنهم يفكرون لماذا كل هذا الحب، وقد تحدث أحد الأيام مع أحد الشباب الذي بدوره نقل حديثه السري إلى شاب آخر وفضخ أمره عندما أخبره بأن زوجة البناء صالح علي البالغ من العمر سبعين سنه، لكنه كان ما يزال يستطيع أن يبني الطوب الخفيف في المدينة، وزوجته سهام التي ارغمها والدها على الزواج من ذلك العجوز تنام معه بعد أن تستأذن له من والدته بحجة أنها تخاف أن تنام وحدها، ثم تضاجعه بعد أن تثير شهوته وتستغل مراهقته، وتحضنه بقوة إلى صدرها وتنام، ثم قال بأنه يشعر بالراحة والاسترخاء والهدوء عندما ينام معها، لكن ذلك الشاب فشىٰ سره وعاقبته والدته ومنعته من الذهاب الى بيت الحاج صالح.
بينما الاطفال يلعبون، أبناء المغترب وذلك اليتيم، إسمه قاسم، سمعوا صوت سيارة بجانب المنزل، ثم هرعوا إليها متلهفين لرؤية المعجزة المطلة على منزلهم وقريتهم، كانت أول سيارة تدخل القرية، وقد تكفل المغترب بشق الطريق الى القرية ثم إلى أمام منزله، هرول إليها الأطفال وصرخوا بفرح ثم غمرهم والدهم بحضن دافئ وابتسامته لم تفارق محياه، السيارة كانت من نوع حديث وعليها "حمولة" كبيرة، خرجت زوجة المغترب وفاء وحضنت زوجها وعلى وجهها علامات عتاب قاسية، صهرت جسدها بجسده، لوته بين ذراعيها كما أنه بادلها نفس المشاعر الحميمية المتدفقة، والحضن الذي يعبر عن مدى اللوعة وعمق الإنتظار والحرمان الذي احتل حياتها، بللت الجفاف الذي انتشر في أجزاء واسعة من روحها بماء الحب البارد الذي عاد فجأة ليروي عطشها الدفين.
بينما المغترب وزوجته وفاء في إلتئام، وكأنهم جرح يندمل، كانت ابنة المغترب بجانب أمها تحضن والدها وتبكي، تشارك أمها الدموع، أما أبنائه فقد بدأوا ينقلون الحمولة إلى الداخل، وبينما كل هذا الحنين ومشاعر الولادة الجديدة للحب، وضجيج الأولاد وفرحهم بالأمتعة الجديدة والملابس ذات الطراز الحديث والموديلات الدراجة على السوق، والساعات الفاخرة والأحذية الجلد التي تلمع داخل قراطيسها، كان ذلك اليتيم ينظر إلى أصحابه، تخلوا عنه، تركوه، ينتظر منهم مجرد لمحة ناحيته، أو نداء خاطئ ليذهب نحوهم ويشاركهم بنقل الحمولة، شرد في تفكيره، كان يعتقد بأن أصدقائه أوفياء، لن يتخلوا عنه مهما كانت الظروف، لكنهم لم ينظرون إليه، نسوا أمره، دخل المغترب وزوجته وابنته، وأما الأطفال مازالوا ينقلون التوابل والبهارات والحمولة المتبقية على متن السيارة.
تحرك الطفل اليتيم، أصدر أصوات لكي يلفت أنظار أصدقائه، لسعته حشرة صغيرة على مؤخرته، سببت له الألم، حك مؤخرته بقوة، استغلت الحشرة الجزء الممزق من بنطلونه ولسعته في لحظة كان يفكر، بل يتمنى لو يناديه أحدهم لكي يشاركهم ولو متعة النقل، ومن كل هذا الضجيج الروحي والنفسي لليتيم، كان يأمل أن يشاركهم النقل لكي يحصل على قطعة من الملابس، أو حذاء جديد، أو ساعة ولو مقلدة، لكنهم تعاملوا وكأنهم لا يعرفونه، ولم يلتقون به من قبل، أو يشاركهم لعبة ماء، أو يرعي لهم كبش العيد، تزحزح اليتيم وهو يحك مؤخرته وينهشها بشراهه، فقد كان يبدو بأن الحشرة غرست الإبرة الحادة إلى أعمق منطقة من جسده، توجه ناحية منزلهم وهو يلعن أصدقائه، ويتحدث معه نفسه، ويقطع وعود حتمية بأنه لن يعود إلى مرافقتهم، أو ألعب معهم، وفي تلك اللحظة، فكر بمصير والده الذي لو كان ذهب إلى الغربة لكان الآن في موقف أولئك الاوغاد، ثم تذكر بأن والده مات مقتولاً، فقد كان جندي، لا يعلم مع أي جهة، كل ما يعلمه هو أن والدته أخبرته بأن والده أستشهد، وأنه سيغفر لسبعين رجلاً من أهله، ونظراً لبراءته في التفكير قال وهو ينظر ناحية القرية الجرداء ذات الأشجار اليابسة ويحك منطقة اللسعة في مؤخرته: الأفضل أن يغفر لنا في الدنيا، يخفف عنا هذا الجوع والفقر والتشرد والمعاناة، لا أريده أن يشفع لي في الآخرة، كنت أريده أن يؤمن لي واخوتي هذه الحياة المليئة بالوجع، يساعدنا على رسم مسار حياتي، يأخذ بيدي ناحية المستقبل، الجهاد هو العمل وتوفير لقمة العيش للعائلة وإنقاذ الأسرة من التسؤل. بكي بصمت ومسح دموعه ثم عاد إلى البيت ليأخذ الأغنام وانطلق ناحية المرعى في الجبل مع زوجة الحاج صالح، فبعد أن منعته والدته من النوم معها في البيت وانتشار قصته، خططت له باللقاء في المرعى.
انتهت
إبراهيم الحمزي

Post A Comment: