حيرة المثقف وغربته في المجتمعات العربية،تطرح في رواية"ظل الشوك" بطريقة لم يسبقه اليها أحد في تاريخ الأدب العربي،فالكاتب يستعين برصيده الثقافي والفكري،ومغامراته من اجل معرفة كل الاديولوجيات في جميع البلدان العربية،لماذا يشتكي المثقف العربي  دائما من السلطة؟ هل ان المشكل في المثقف ام في السلطة؟ولماذا يتشابه وضع المثقف في علاقته بالحكومات في جل الدول العربية،ان لم نقل كلها؟
هذا ما يطرحه الروائي التونسي الأمين السعيدي بعمق في نصه.فالبطل "بشير"هو مزارع بسيط،في أحد القرى التونسية،صادف أن عثر على كنز وهو في طريقه الى الجبل لجمع الحطب،ليجد نفسه فجأة في صراع عنيف بين سعادة الثراء وحيرة متمثلة في كيفية التصرف في هذا الكنز،خاصة وان الحكومة في تونس تعتبر كل مافي باطن الأرض هو ملك للدولة ولا يحق لأحد من الشعب التصرف فيه،وان انعدام الثقة بين المواطن والسلطة،مرده أن مايسمى بالمال العام،هي مجرد عبارة يطلقها السياسين لاقناع الشعب بأن الوطن لهم،والثروات ثرواتهم،وان تلك الخيرات التي تنتجها الأرض والتي تحملها في باطنها...تذهب الى الخزينة العامة وتعاد الى أفراد المجتمع بطرق عادلة ومساواة دقيقة...ولكن المثقف التونسي يدرك أن الدولة تمثلها عائلات نافذة،همها المال والملك،وان وضع المجتمع هو آخر المواضيع التي تفكر فيها...
تمكن رئيس الحكومة من الوصول الى كنز بشير بالتعاون مع يسرى واستثمر بثرواته في مجال التجارة...فضاع حلم المزارع الذي اراد صناعة ثقافة  بالثروة و ذلك بتدريس ابنته "زبيدة"بأكبر الجامعات واهمها في العالم حتى يتحقق مجد العائلة والوطن،لان زبيدة فيلسوفة،اديبة،مثقفة... تحب الانسان والأرض والحياة والعلم،وان نظرتها للسلطة هي نظرة مختلفة عن مثقفيي المدن والقرى،فلا ترى من هو احق بالحكم من المثقف وتدعوه الى ممارسة السياسة،وذلك برسم مشروع سياسي بديل من اجل الحكم،ولكن المثقف في تونس ينتقد الحاكم ولا يرى نفسه أحق منه بادارة شؤون الناس....! وهذا هو خطأ المثقف وكأن قدره المعارضة ولا شيء غير المعارضة؛اي مراقبة من يحكم،من اجل تقسيم الثروة بالعدل بين أفراد المجتمع.... وهذه  مشكلة المثقف التونسي والعربي عموما.
الادباء والفلاسفة... لا يحكمون ولا يفكرون في الوصول الى الحكم،وهم ينظرون في السياسة ولا يتقدمون عمليا لخوض غمار الانتخابات  واقناع المجتمع بمشاريعم التي يتحدثون عنها في الكتب...
وهي مشاريع عميقة هادفة...ولكنها سجينة التنظير...
تكبر زبيدة وتعد امها وابيها بأنها ستصل الى الحكم يوما ما،لانها حاملة لمشروع اقتصاديي اخلاقي محوره الانسان وسعادته،وتخطار قبل ذلك دراسة الفلسفة في ألمانيا من اجل التعمق في فهم النظريات ومن ذلك الاضافة إليها ومحاولة تطبيقها حتى يتحقق حلم العدل والمساواة والسعادة للجميع...
يحدث فيروس كورونا تحولات جذرية في الكون وتعتبر الدول المتحضرة من هذه الجائحة فتعيد الاهتمام الى العلوم المهملة التي تهتم بجوهر الانسان؛كعلم النفس الاجتماعي وعلم الانتروبلوجيا والفلسفة والأدب...ولكن الدول الاخرى لم تتأثر اجابيا بما حدث...
ماعدا بعض الأشخاص واهمهم يسرى التي اوصت رئيس البلدية باعادة كل ثروتها الى بشير  بعد موت رئيس الحكومة بعدوى الفريس والتحاقها به.
تعود الى بشير ثروته وتتحصل زبيدة على شهادة البكالوريا فتغادر أرض الوطن لطلب العلم وتختار الفلسفة لتؤسس لمشروع سياسي أنساني عملي محوره العدل والمساواة واحترام الانسان...
وفي أول لقاء لها بمدرسيها حدثتهم عن الدور السلبي للمثقف في المجتمعات العربية،اذا انه يكتفي بنقد السلطة ولا يسعي الى تقديم مشروع بديل للحكم حتى يخلص مجتمعه من الظلم وغياب العدل...
رواية "ظل الشوك" نص فلسفي يطرح المسكوت عنه او اللا مفكر فيه تماما بأسلوب طريف،يؤكد اختلاف الروائي التونسي الأمين السعيدي عن ادباء عصره.






Share To: