يرتبط اسم الشيطان بالشر في كل بلاغات اللغة الإنسانية، كل اللغات، بما في ذلك تلك التي تنزاح عن المعنى الميتافزيقي الديني، وسلمان رشدي الكاتب الهندي المرتد المعبر باللغة الإنجليزية لما طعن في الرسول (ص) والقرآن الكريم، وصف النص بأنه آيات شيطانية كناية عن الشر والخديعة، وهو الملحد المفترض أنه متجاوز لرموز الميتافيزيقا الدينية، من هنا تخلد الشيطان في قصة الانسان سواء أأمن أو ألحد أو كان ممن وصفوا ووضعوا أنفسهم في حياد الاعتقاد باللا أدريين، فالمجمع عليه هنا هو عامل الخلد الشيطاني المعبر عن خلود الشر سواء تجسم أو تشخصن أو تبلغ (من البلاغة) في وعي البشرية.

وإذا كانت النصوص الدينية في فجر الوعي الإنساني هي من رسم أطر المعرفة الوجودية، واضعة القاموس الكلامي الأول، ما أضفى طابع الخلد على غالبية محتوى الكلام الإنساني استعمله مع تطور معقوليته المعرفية وعقلانيته الفلسفية في غير ما تضمنته تلك النصوص الأولى متجاوزا إطار حرفيتها مكتفيا في كثير من اللغات توظيفها المجازي، فإنها مع ذلك ظلت باسطة بحضورها في سؤال الحقيقة وما يحمله من قضايا الخير والشر، النشأة الوجودية وقيامتها النهائية وغيرها من المفاهيم الجدلية لأن المجاز لا يمنع من الارتجاع إلى أصل المعنى وسؤال حقيقته.

والقرآن الكريم أشار إلى ذلك في سياق انتقاده للمواقف البشرية الحادية عن منطق التاريخ باستعمال قاموس الغيب (لأن اتخذت الها غيري..) تحذير لموسى من الانشقاق على سلطة فرعون الإمبراطورية، فالسلطة المطلقة كانت تحمل الصفة الإلهية وليس بالضرورة المضمون وإلا ما احتاج فرعون لدحض حجة فرعون إلى دعوة السحرة لتولي المهمة، فالإله مكتفيا بذاته بقدراته الذاتية!

 وفي جدال إبراهيم للنمرود استعمل إبراهيم (ص) عالم الغيب لتأكيد سلطان الرباني المطلق على الكون بالقول (إن الله يحيي ويميت) فلم يجد النمرود حرجا في أن يتلاعب بلاغيا بحديث إبراهيم فقال (أنا أحيي وأميت) بالإفراج عن سجين وضرب عنق آخر، فما كان من إبراهيم إلا أن عاد به إلى عالم الشهادة فقال له (إن الله يأتي بالشمس من المشرف فات بها من المغرب) فتوقفت البلاغة وذابت قوة المجاز وانهارت اساسات الحجاج.

والاصنام (التماثيل) التي نراها منصوبة في معارك الرموز بسوح كبرى مدن العرب والغرب والشرق تخلد زعماء سبقت اللغة الطين ومعادن النحاس والذهب والحديد في تخليدهم بفضائل الخير من أنها أحيت أمما واماتت أخرى، استأصلت الشر وأصلت الخير، هدمت امبراطورية الشيطان وبسطت مملكة الله في الأرض، في وقت قال عنهم معارضوهم أنهم أشر من الشر نفسه وهذا ما يعني بالضرورة أن الشيطان وحده من تخلد بالحقيقة كونه داعية للشر ولم يتلبس بدواعي ومزاعم الخير حتى لو قيل فيه أنه "يعظ" أحيانا.

فوجود الشيطان سواء كحقيقية ميتافزيقية غير معقولة في الفكر الحداثي أو حقيقة غيبية معتقدة لتيارات الفكر الديني، كان ضروريا للغة الإنسانية في معركة الحقيقة التي تمتد من أسئلة الوجود إلى أسئلة السوق، بلا شيطان في اللغة وايحاءاتها يتلاشى مفعول الشر في التعبيرات الانسانية إذن هي الحقيقة من يظلها مشتعلة بسؤالها الثقيل الوجيع سواء تجاوز الانسان لغة الإشارة الغيبية وماجَزَها (من المجاز) كي يعبر على فراغات اللغة ويُعبر عما استعصى على العقل الوضعي وصفه أو فهمه حتى.

إن أشياء الميتافيزيقا والواقع، أو الغيب والشهادة كما هو في الخطاب الفكري الديني يظلان حاضران في اللغة الإنسانية ليس فقط لكونهما وسائل تعبير عما استعصى تعبيره أمام تجليات أسئلة كبرى تفوق قدرات العقل البشري، بل لكونهما يتصلان بسؤال الحقيقة المستمرة والمتأزلة في قصة الانسان ووعيه الجودي وهي ابتداء وانتهاء قصة لغة ولغة قصة.







Share To: