إنطلقت السيارة تلتهم الطريق كأنها وحش أسطوري يبتلع شريطا أسودا طويلا بلا نهاية. كانت جامحة مثل حصان, و كانت الوجهة جنوبا في يوم من أيام غشت الحارة, الشمس تسكب جام لهيبها على الأرض دون رحمة, لم يكترث للحرارة المفرطة, مادام المحرك يهدر بقوة..
هو وحده يعرف سحر الجنوب في عز القيظ, لذلك اختار أن يقلب الوجهة.. عينه على أشجار الغضى والطلح الممتدة في الأفق, وهي تعاند بإصرار, و تقاوم العطش والرياح الجافة.. إنها تتحدى الموت وشظف الحياة..
كان يستعجل لحظة وصوله إلى هناك, ليتخلص من عبئ الوطن, الوطن الهارب من نفسه, الهارب إلى شواطئ البحار بحثا عن لحظة رطوبة عابرة, لا تطفئ نارا و لا تروي عطش. لا ليس هذا وطني ولا هو موطني. هكذا فكر وهو يضغط بغضب على دواسة السرعة مستعجلا الوصول, ليفتح عينيه على الأفق الواسع وعلى السراب.. يريد أن يكون وحيدا ليكون ما يشاء, لكي لا يكون ما كان, يريد أن ينغمس في حقيقة الكون .
لم يعد يأبه بما حوله من ألوان زائفة, من أرواح فارغة من كل شيء عدا جموح المتعة و اللذة .. يريد أن يلفظ ما في جوفه, ويسأل نفسه من هو ؟ ومن أين أثى ؟ يريد أن يتحسس نفسه, جسده, أعضاءه.. وهو غارق في هذيانه, شعر أن السيارة تقود نفسها, تناور تتجاوز, تندفع بكل قوة وبكل ثقة, أحس بها مطواعة, رخوة كالفرس وهي تتمايل وترفع ساقيها الأماميتين ثم تنطلق كالسهم .. خيل إليه أنه يسمع صوت البارود, صاح العلام.. فصدحت البنادق, وامتلأت السماء نقعا و دخانا, وانفجرت حلوق النساء زغاريد .. عب رئتيه من ذلك الخليط وصاح ما أجملك ايها الوطن لو....
والآخرون, إلى أين يذهبون ؟
هو وحده يسير في ذلك الاتجاه…آه. إنه غشت شهر الحرارة والقيظ .. إنهم يذهبون باحثين عن الرطوبة على شواطئ البحار, يعرضون جثثهم على الرمال المبللة بماء البحر…
وهل البحر بحر ؟
لا ليس بحرا مادام لا يبحر, لم يتجاوز بعد مكانه, إنه يخشى.. منذ الأزل ما زال كما كان, لا يتحرك.. إنه ليس بحرا, من سماه كذلك ؟ لماذا ينكسر موجه ؟ حتى في أيام غضبه ينكسر موجه… لماذا ؟
لم يعد يحب البحر.. إنه ينكسر عند أول اصطدام, ينكسر حتى على الرمال, ويصبح موجه و غضبه زبدا أبيضا تنثره الرياح.
محرك السيارة يهدر بصوت غريب انتشله من تلك الغفلة, وجد السيارة تتسلق مرتفعا جبليا .. آه يجب تخفيض درجة السرعة بنقطة, هكذا لن يختنق المحرك.. وهو ما كان, فما أن فعل, حتى انطلقت السيارة بجموح الفرس صاعدة دون اكتراث, وحده يسير في اتجاه الجنوب, في اتجاه السراب والرمال والعطش, هو يهرب من شيء ما لا يعرفه, كأنه مطارد, لم تعد المقاهي مكانه, لا الشوارع و لا الحدائق .. الفضاءات كلها, لا شيء..
قطع مسافة, شعر بجفاف في أنفه فانتعش, إنه يقترب, نعم يقترب, بعد قليل سيجتاز آخر المنعرجات ويطل على الأفق الواسع, ويرى السراب الحقيقي, لقد مل من سماع السراب, في كل الأمكنة يسمع سرابا, سرابا سرابا.. سمعه في المدارس عندما كان صغيرا, سمعه في مدرجات الجامعة ما أجمل سراب الصحراء, ليس خداعا, هو يقول, أنا السراب, من يريد أن يلاحقني فليفعل, لكني سراب.
استعجل الوصول ليستمتع بالسراب و الرمال, ضغط دواسة السرعة وأطلق لخياله العنان, ربما هي آخر المنعرجات, وحده يسير, والسيارة تبتلع الشريط الأسود, خيل إليه أنها واقفة, والشريط يأتيها مطواعا.. فجأة رأى شاحنة ضخمة أمامه, ناور و تجاوز دون اكتراث.. مع آخر منعرج, وهو يدور يسارا, هبت موجة من رياح الشرقي الحارة لقد وصل, فكر في الشاي, كم هو لذيذ على نار أغصان الغضى.. انتعش, واتسع الأفق وزاد تركيزه….
رأى علامة تشوير : خفف, الدرك. خفف من السرعة, فتح الزجاج وملأ رئتيه بالهواء الجاف, رأى أمامه دركيا يقف وسط الطريق, بكل ما لديه من حزم, يشير بيده اليسرى, إنه أمر الوقوف على أقصى اليمين, كان الرجل طويل القامة, عريض الكثفين, يحمل نياشين وحذاؤه يلمع من شدة السواد, على صدره حمالة بيضاء ناصعة, قفزت إلى مخيلته صور رآها يوما على صفحات ثلاوة أحمد بوكماخ… طلب الدركي أوراق السيارة, سلمها له واحدة, واحدة, نظر إليه نظرة صارمة, وأمره أن يلتحق به في مخفر صغير قرب الحاجز…
لديك, مخالفة, لقد تجاوزت شاحنة بمنعرج خطير, فيه خط متصل, عليك أن تؤدي الغرامة و إلا سحبت منك رخصة السياقة.
أكد ما قاله الدركي, أقر وهو يستحضر ضميره أنه فعل ذلك, لا شيء يعلو عنده على صوت القانون…أخذ الدركي محضرا, ليحرر المخالفة, فبادره بالقول : إنتظر لدي ما أقوله لك, لا تتسرع في تحرير المخالفة.. نظر إليه الدركي وابتسم, قل ما لديك..
- سيدي سمعت يوما أن الوطن غفور رحيم ألا يمكن أن يغفر لي وطني خطيئة واحدة ؟
فكر الدركي مليا وقال : يمكن بشرط, واستطرد قائلا: مبلغ الغرامة 700 درهم, ويمكن أن يغفر لك الوطن وتؤدي, بيني وبينك, لا عين رأت و لا أذن سمعت 300 شعر بمغص, وبدوار كأنه يهوي في بئر بلا قاع, انتفض في وجه الدركي قائلا :
- لا يمكن …لا… حرر لي محضر المخالفة, و سأدفع,هذا أمر الوطن, يجب أن أنضبط للقانون.. لكن أنت, أنت يا صاحب النياشين والبدلة الأنيقة, من سيحرر لك محضرا بهذه المخالفة الخطيرة التي تجاوزت فيها الوطن والقانون والقيم من ؟ من ؟
سكت الدركي, فاستطرد هو : أنا من سيفعل, نعم أنا,و في يوم عيد المدرسة, سأنصب محكمة من الأطفال لمحاكمتك .. أنت منذ الآن متهم, أنت متلبس بأخطر الجرائم, نعم أنت وذاك, و الآخر, والآخرون, كلكلم, كلكم, كلكم, كلهم…
خرج من المخفر بسرعة, والدركي يلهث خلفه حاملا الأوراق, سيدي سيدي خذ أوراقك, سيدي إن الوطن غفور رحيم…. هدر المحرك, وانطلق بعيدا بعيدا, سمع صوت انهيار ضخم كأن سقف الكون يسقط, لاحق السراب بعيدا بعيدا, و هناك بين أشجار الغضى و الطلح تساءل وهو يرشف كأسا من الشاي :
- لماذا لا يبحر البحر؟ لماذا تنكسر أمواجه ؟ لماذا ؟

Post A Comment: