مذ رأى ذلك المنام المخيف وهو ينتظرها على قدم واحد من طول الوقوف، طبعا ليس يرتجي منها تأويلا، ولا يريده منها ولو استطاعت، الكوابيس هي رجوم الشياطين للإنسان في سماوات وموات نفسه المغلقة، فما ذنب الحيوان هنا؟

- أيعقل أن يكون حلمه بهذا المعني؟

راح يتشمم صحنه الذي لم يغسله بعد، ركله بقوة فعاد له صدى معدنه مزدوجا من داخل وخارج المبني، انتهت المعقول والمنطقي، ومعه انتهت حسابات السياسة التي كان بارعا فيها إذ يقيس بها الناس والازمنة والامكنة والتاريخ، تردد في الأول لكنه عاد ودون طلبه الغريب على الورقة التي سلموها إياه، ثم قلبها لسبب يجهله، ليولي مجددا وجهه شطر النافذة العالية ذات الإطار الخشبي القديم تكسر زجاجها القديم فاستحالت إلى فم هرم فقد بفعل الزمن كل طقم اسنانه.

كان يصارع أهواسه والاسئلة التي يطرحها لا تهديه الى حيث يريد، بل تهدم ما تبقى له من أطلال أمل، الأمل؟ هل هو للحاضر أم المستقبل؟ كم يغدو الأمل قاتلا حين يتغرب في الزمان، ويصير بلا مفعول !

فكر أن يصرخ أو أن يضرب برأسه بقوة على الحائط، لحظتها إما أن يتكسر الحائط أو دماغه، فيكون العالم بإزائه جديدا ويسيل الوقت كما كان قبل احتجازه، ويركب مجراه منتشيا باعتلائه صهوة الماء الجاري.

- لماذا نسيتني الحرة مذ حلقت آخر مرة على نافذتي؟

آلمه السؤال الوجيع وهو يقرع بصداه داخل نفسه المغلولة، بيد أنه استعاد شيئا مما كان يسميه باليقظة الآدمية، التي تمد يدها للإنسان أحيانا لتنشله من الضياع في وادي السهولة، الكل يحب السهولة ولكنها كما الماء إذ تروي الظمآن فقد تجرفه بالفيضان، فتساءل:

- وما أدراني أنها كانت حمامة، ربما كانت قُمري وقد ظلمته باسم الحرة، مذ زار زنزانتي ووقف على نافذتي ينقل معانتي إلى حيث لا أعلم؟

أمسك برأسه بين كفيه وارتكن إلى الزاوية القصوى من المربع البارد المظلم الذي احتجز فيه، بعد أن تناول قلمه الذي بدوره صار يخذله بعد أن تناقص الحبر من جعبته الشفافة، حتى أنه خشي أن يواصل تدوين ما يحب تدوينه فيخطر له بعد انقضاء الحبر ما يتوجب تدوينه، فأرجعه موضعه، ثم امسك بصحنه وصار يضرب بحاشية معدنه الصلب الذي يجهل نوعه على حافة الباب الحديدي، فبالكاد سقطت قطعة من الاسمنت المسلح، أمسك بها وصار ينقش على جدران الزنزانة الاسمنتي الرمادين بدل الكتابة على الورق الأبيض بالقلم.. 

تفاجأ حين انتهى إذ وجد نفسه قد رسم زوجا من الحمام، ساعتها فقط استذكر اليوم الأخير من زيارة "الحرة" أو "الحر" له، هكذا قرر أن يسميه إن كان قمري، نزع تاء التأنيث، فقط! ضحك لأول مرة مذ تم توقيفه من تاء التأنيث " حرف واحد فرق بين نوع واحد من المخلوقات"

- كيف لي أن أنسى أنها زارتني مع حبيبها أو زارني هو مع حبيبته مند عشرة أيام خلت؟

السؤال عن جنس الحمام والتفريق بينه اشتعل بعقله وهو قائم قبالة الجدار يتأمل شكل زوج لا يختلف أحدهما عن الثاني إلا في التسمية التي يطلقها الانسان "ما اتعس هذا الانسان" !

قالها وهو يمحو الاطار الذي خطه بحافة القطعة التي قدَّها من أسمنت الزنزانة، على زوجي الحمام كما تعلم مذ كان تلميذا صغيرا في دروس الرسم أن يبدأ في طرح كل ما يموج ويمور بخياله من أشياء داخل اطار مسبق، كل الأشياء، الأشياء كلها ! نعم.

استدار متكأ على الحائط مغطيا بظهره العرقان بصهد المكان، صورة زوجي الحمام خارج إطار رسم الصبا في حصص الرس بالمدارس الحكومية، وصوت أمه التي لم يحضر جنازتها يعود ليقطر ألما في دخيلته يوم رأته يعود من المدرسة العسكرية إلى البيت متأبطا قبعته في يمينه وحاملا لقفص يغرد بداخله عصفور الكناري:

- زمان كنا نربي الطيور فوق السطوح وليس تحت السقوف" !

ضرب بمؤخرة قبضته الحائط الذي يتكئ عليه، والسؤال الحارق يتفاعل بنفسيته المأزومة المكلومة:

- هل يطعمونه ويسقونه؟

فعاوده السؤال الغريب عن جنس الجيل الخامس عشر من الطيور التي علقها بأقفاصها هذه المرة داخل فيناء فيلته الفارهة التي استحوذ عليها مذ علقت بكتفه أعلى نجمة عسكرية:

- هل كان ذكرا أم أنثى؟

دون سابق انذار، أصدر قفل الباب بمفاتيحه الغليظة واطاره الحديدي السميك صوته، دخل الضابط ومعه حامل الغذاء، امسك بالورقة الموضوعة على الطاولة وسأله:

- ألا تتعقل وتكتب له اعتذارا وطلب الصفح؟

ثم قلبها فانفجر ضاحكا:

- ولماذا تطلب مفسر أحلام ما الذي ٍرأيته في منامك يستحق التفسير حتى نتجشم عناء الصحراء فنقطعها لنجلب لك من جامعة المدينة أو أحد جوامعها مفسرا مقتدرا؟

أحس بسلطان الصمت والنسيان يكتنفه وهو ماثل قبالة صاحب الشنب الأسود الكث الذي يغطي كجريد نخلة مهملة شفتيه الزرقاوين بفعل السيجار الكوبي الفاخر، يجهد ذاكرته ويجتهد عسى أن يستحضر صور المنام، لكنه وجد نفسه كمن اغرته لذة التبول لكن البول احتبس لسبب قاهر ومجهول في مثانته !

أراد أن يحول دون شره فحول الكلام:

- سمعت ظهيرة أمس الأول ضرب نار هنا بالجوار فما الداعي؟

ساعتها استدار الضابط إلى حامل الغذاء وأمره أن يضع على الطاولة الخشبية القديمة المهترئة الطبق وعليه زوج حمام تفوح منهما رائحة الشواء اللذيذ الذي لم يتذوقه مذ اختطفه زوار الليل من فيلاته الكبيرة الفارهة!

- نسوا أن يرسلوا لك الطعام من ثكنة المدينة البعيدة فاصطدنا لك الحمام الذي لا يأكله إلا الأكابر!

سقط جالسا على سريره الحديدي بعدما غادرا وغلقا من ورائهما الباب، ينظر إلى زوج الحمام ولم يسأل وقتها من هو الحرة أو الحرة، وما جدوى السؤال؟

شعر بالغثيان، تذكر حينها رؤياه فمسح بكفه على بطنه وساعتها فقط عرف معنى أن يكون الذكر وليس الانثى حاملا في المنام ومن غير مس ولا لمس!   

 

بشير عمري

قاص  جزائري







Share To: