تاهت عيناي عند رؤيته، كل شيء يهمه نالت منه الأيام ملامح وجهه، لباسه، نفسيته، الشيء الذي جعلني أتساءل مع نفسي.
هل إلى هذا الحد وبهذه السرعة تستطيع الأيام أن تجترف الإنسان؟
اصطدمت أعيننا هنينة، أحسست أنه تملكته رغبة في تجاهلي تفوق قواه.
ركزت نظري في أم عينيه وابتسمت.
فاختفت كل الالتبسات التي أرقت ذهنه وأحاسيس التي خالجت صدره من جراء رؤيتي.
فانفجر ضاحكا، مُتَخَلِّيًا عن ذلك الذبول الذي خيم على محياه، ملولبا عجلات الزمان إلى الخلف لأوقات مرحة كنا معا في أحضان الجامعة، فتعانقت أرواحنا متأكدة أن كل واحدة لا تزال تكن لأخرى إلا الحب قبل أن نحتضن بعضنا جسديا.
تقاطرت على ذهني حُزْمَة من الأسئلة بدون أجوبة، لكن حاولت تماسك نفسي عن حشره في زاوية المستجوب.
تنهد وأزاحني عن صدره وابتسامة تنتاب محياه،
و تلفظ قائلا: متخليا عن إشراق ملامحه كأنه يجيب عن ما يغتال ذهني من أسئلة.
لا شي على ما يرام يا صديقي، أشعر أني أحيا فقط دون أن أعيش، أفعل أشياء لا أريدها، أحاديث أشخاص لا أرتاح لهم، أكثم أحاسيس في حاجة للبوح بها.
كان يتحدث بصدق خيالي، ويفرغ ما تحتويه دواخله، يحكي عن كل الأشياء التي تؤرقه دون تحفظ، يحكي عن تلك تصورات المستقبلية التي لازلت عالقة في ذهنه ولم ترى نور بعد، وعن ذلك الورم العشقي الذي لا زال سجين أشجانه منذ أن بدأ يسيل في أعصابه .
كان يحكي عن كل الأشياء التي تؤرقه متجاوزا تلك الحدود الحمراء التي تؤطر حدود حديثه مع الآخر، كأن أحباله العشقية تتحرك تجاهي بنفس النسق الذي تتحرك به حيال نفسه.
لَبَّتْ أتابع قسمات وجهه تتحرك، مركزا مع شفتيه تنطق بالسواد الذي يأكله، ودواخِلي تفيض حبا لذلك الصدق الذي يفيض من ثنايا كلماته.
انتابني الحزن، واغتال سائر ملامحي وأذناي تتذوق كلماته مستشعرا ما يهالك كيانه.
رتبت كلماتي قبل أن أتفوه بأي كلمة، متجنبا الحديث مثل من يجهلون حيثيات وضعيته.
أمسكت بيده اليمنى بعنف فأحسست كأن كل ما يسري بدواخله يرتجف، فجاشت عيناه في وجهي كأنه يتأهب لسماع ما يدق ذهني من كلمات .
فأردفت قائلا :
ما مضى لا قوة لك في تغييره، وما تعيشه اليوم هو نتيجة لعمل جيد غير تام.
فاستنارت ملامحه فرحا، كأنه ينصت لرنين يبعث في جسمه روح الحياة من جديد، خلافا لذلك الصدى الذي يتخلل محيطه.
تلألأت عيوني من استجابته، فتمالكت نفسي بكل قواي وأتممت حديثي مبتسما:
لكن ما ستبدله اليوم لإتمام عملك الرائع ستجني ثماره غدا على مختلف زوايا الحياة.

Post A Comment: