يروى أن المفكر وعالم الاجتماع العراقي على الوردي قوله "لو خير المسلم اليوم بين مشروعي الدولة الدينية والدولة العلمانية لأنتخب مشروع الدولة الدينية وارتحل ليعيش في الدولة العلمانية" في سخرية سوداء تعكس درجة العتم الذي يكتنف حاضر هذا الانسان في التاريخ، حيث يتيه بين ايحاءات متناقضة وتجاذبات وتدافعات لا يدري منطلقها ولا منتهاها.
فما الذي يمكنه أن يدفع هذا المسلم أو يجبره على انتخاب المشروع الديني؟ ولماذا يجعله يهرب منه إلى نقيضه العلماني؟
ليس الأمر يقف عند متعة البلاغة التصويرية وشبق سخريتها إزاء قاتمة لوحة الدكتور على الوردي، بل أنه لا يتعدى ذلك إلا حيث السؤال الفلسفي العميق المتعلق بانهيار منطق الكينونة واضطراب أساس الوجود عبر الاختلال العلاقي للدال والمدلول بشكل أكثر تعقيد مما هو محتبس في معاني وجوهر اللغة.
فالمسلم عكس ما يحاول الكثيرون ممن استسهلوا أسئلة أزمته الوجودية والحضارية اليوم، واسترسلوا يدلون بدلائهم القصيرة فيها، بين قائل بمسلكية القطيع التي يخضع إليها أي أنه ولد في مراتع الخرافة والدجل واليقينيات البهائمية لذا فهو مرتبط وفق مزعومة (هوية المكان) بزمن المراتع والمراعي تلك كما يرتبط الحيوان، وبين قائل بمحاولته الانفكاك من أسر التخلف والفاقة وقلة الحيلة الحضارية التي تحاصره في الزمان والمكان، بأنه متحلل ومُضلَّل ـ عكس ذلك كله ـ فهو يعاني مسار في بحثه عن الذات من وجع الظلال القاتمة القاتلة بحجبها لنور شمس الحقيقة وذلك من خلال خضوعه اليقيني للعقل أكثر منه العقلاني لليقين.
يعي المسلم بإيمانه الفطري الخالي من التجربة الحضارية مع الأسف بسبب الغياب أو الغيبوبة عن التاريخ وصناعته لما يزيد عن خمسة قرون، أن الدال (الدين) من منطلق مصدريته وانبثاقه هو حامل للحقيقة التي يكفر بها نهائيا وكليا العقل الوضعي ذي البنية المادية المغلقة الصماء، ويدوس كل نموذج ادعاها أو حمل شعارها، هذا العقل الذي يسيطر اليوم على التاريخ ليس بالحقيقة بل بالفاعلية والفرق هنا واضح بين فعالية الفكرة وحقيقتها في الانبساط الحضاري، وفي غياب عقلانية إسلامية ناشئة عن أسئلة العصر، ظل المسلم في سوق الأفكار والاختيار السياسي يقنيني متشبث بتلابيب الدال.
أما عمليا، فهو كما كل الناس يظل موليا وجهه وبصره شطر الحضارة الغربية، ناظرا إلى أشراطها الناضرة ومنجزاتها المادية المنسجمة أو المتأتية من وحي الفكرة التأسيسية للنموذج الحضاري الغربي القائم على القطيعة مع حقيقة الغيب في وقت يظل هو متشبث بغيب الحقيقة الذي يخترق واقعه التاريخي، أي أنه يعيش مفارقة حضور الدال (الدين) وغياب المدلول (المشروع) !
لذلك فهو يعبر عن وجوده (اليقيني) بالهوية بالعنوان يقطع رمزيا مع المماثلة في النموذح الحضاري مع الآخر ويعبر أن الانتماء الزمني المادي معه بالانبهار أو اللجوء إلى كيانه السياسي والمكاني حيث الديمقراطية وميسور الحال المادي كما عبر عنه المفكر العراقي الشهير الراحل علي الوردي.
هي إذن حقا مقولة ساخرة لكنها مليئة معطيات الأزمة الوجودية التي يحياها بشكل دراماتيكي الانسان المسلم، أين يخترق الغيب بنية حاضره عبر مفارقة الدال والمدلول، ما يقتضي تناولها أو بالأحرى التعاطى معها وفق منطق السخرية السوداء ذات المعنى المتجاوز للسقوف كاريكاتور المشهد وبلاغة اللغة.
بشير عمري
كاتب جزائري


Post A Comment: