ثمة أسئلة كبرى طرحها العقل الإسلامي في مراحل قيامه الأولى، مذ شرع يمسك بتلابيب الحضارة ويتنزل من التنزيل إلى قضايا الانسان التاريخية محاولا تفسيرها وفاق مستطاعه إبانها، وشكل بُجماع تلكم الأسئلة اتجاها كلاميا حاصا، لم يمَكَّن مع الأسف من مبارحة مربع القضايا الغيبية الأول والانخراط في صناعة التاريخ لأسباب عدة تداعت فيه طبيعة البيئة، بالصراعات السياسية والمذهبية، فتوقف الإنتاج أمام عتبة الغيب ولا يزال الارتجاع الجيلي لعقل الأمة إليه يكتفي بمحصول تلك العتبات ولا يكاد يجتازه، رغم أن الزمن واصل سيله وفاض بأشياء التاريخ التي لم ينظر إليها ولا فيها العقل الإسلامي الأول.
وها هي اليوم القدرية مثلا تقفز في سؤال الحضارة الغربية على عتبات الغيب والميتافيزيقا، لتنخرط في قضايا صناعة التاريخ، عبر المفكر الكبير إدغار موران الذي نُقل عنه قوله " يمكن لغير المتوقّع أن يحدث، خيرا كان أم شرّا. وأنا، أراهن على المحتمل. فليس التاريخ أبدا قدرا محسوما" وكأنما القول هذا هو بمثابة الإجابة عما يعيشه الوعي البشري من تداعيات الأزمة الصحية حيث تحيلها مجتمعات إلى القدرية، وأخرى إلى الارادة البشرية، وعلم يفرض قوسه المفتوح في نص الحكاية وتجاذباتها يكتفي فيه بجدل فريقيه القائل منه بالمؤامرة، والأخر المكتفي بسلطان الطبيعة.
هكذا يغدو العقل البشري اليوم بإزاء مناطق مفهومية مرجعية عدة لفهم التاريخ وطبيعته، وهل يحكمه الحتم القدري أم الحسم البشري، معيدا بذلك أصداء الجدل التراثي الذي سبق وقتل منهجيا وموضوعيا بحصره في الغيبيات، وعزل عن دائرة التفكير من مقبل نخب التحديث العربي وحصرها في أرشيف التراث.
لكن القفزة التي حققها اشكال "القدرية" الكلامي أو الفلسفي حتى، حين عاود إدغار موران طرحها كنقيض للاحتمالية هي في انخراطها في أسئلة التاريخ، في قصة الشهود الحضاري ولم تعد مكتفية بحدود التأويل الغيبي، وهو ما يؤكد حاجة العقل الكبرى لما ظل يُعنت بالقضايا الصغرى التي تشكل اليوم أشياء الحقل الجدلي الفلسفي المعاصر في تفرعاته التأويلية لقضايا الانسان والتاريخ بوصفهما عنوان الحضارة.
فالفيلسوف الفرنسي يستند في قاطع حكمه على التاريخ بكونه محكوما ومحسوما بالاحتمالية، مهما وضعنا في الهامش من علامات ومعاني تشير إلى إمكانية حصول وحضور القدر ـ يستند ـ على خلفيته المادية ومرجعيته الالحادية التي تقبع داخل دهليز السببية الصلبة الموحية للفكر الغربي هديها التاريخي,
فهو بذلك يرفض أي فرصة يمكن تركها للنسق الميتافزيقي كي يحضر في باحة سؤال التاريخ ويعطي التفسير للظواهر الطارئة وفق أدواته المفهومية الأولى مثل القدرية التي وجدت اليوم، بقوة القلق الوجودي الذي تسبب فيه الوباء الطاحن الذي يكتنف المعمورة، ملجأ ليس فقط صوفيا بل تفسيريا لدى عديد الشعوب والجماعات بغض النظر عن مديات بعدها عن التطور والتقدم المادي أقربها منه.
وبالتالي فإنه بمجرد إثارة مفكر كبير وفليلسوف من قيمة وحجم إدغار موران لمسألة الحتم القدري والحسم البشري، كسؤال في مشروع البناء الحضاري وصناعة التاريخ، هو استنهاض للمكتوم من أشياء المنطلقات الإنسانية في مسعاها لفهم الوجود وتفسير سيرورته وصيرورته، وتأكيد على أن ما طرحته الحداثة من بدائل منهجية وموضوعية لم يحقق ذلك التجاوز الذي وعدت به المعقوليات القديمة سواء تلك التي حضرت دوما في حدائق المعرفة الانسانية بالقدر وحده أو بالإرادة وحدها وبالقدر والإرادة معا، لكن ليس لتفسير قضايا متصلة بصناعة التاريخ بل بالمصير في التاريخ وفق محتوى ميتافزيقي صرف.
بشير عمري
كاتب جزائري


Post A Comment: