الأديبة السورية / د. فادية كنهوش تكتب مقالًا تحت عنوان "الصمت والتورية... طريقة سكنى هذا العالم؟" 


الأديبة السورية / د. فادية كنهوش تكتب مقالًا تحت عنوان "الصمت والتورية...طريقة سكنى هذا العالم؟"


في كل مرة ينظر الفرد الى العالم بشكل مختلف قليلاً  محاولا ان يعيشه من خلال قناعاته، يتعرض للخطر ، إما في حياته أو في مهنته. لذلك قد يلجأ للصمت أو للتورية في أفضل الأحوال وليس ذلك من قبيل نقص الشجاعة والقدرة على مواجهة الواقع بل يكون للحفاظ عل  مشاعر الآخر الغير قادر بعد على الابتعاد عن نمطية تفكير ورثها وعاشها بعاطفته أو أنه غير مؤهل لمحاكمة عقلانية لما اعتاد على ممارسته وتقبّله بحكم الوراثة والعادة وخوفا من فقدان موقعه في الجماعة والقبيلة..وهكذا يصبح التخفي أسلوبًا لسكن هذا العالم  ...وبالتالي تكون علاقتنا قد تضررت مع العالم.. ونكون أضعنا فرصة التنوير التي فتحها لنا هذا العالم الافتراضي...

فكل ما نعيشه على وسائل الإعلام من استقبال للمعلومات وطرحها في الفضاء الافتراضي ليس إلا مرآة للواقع الذي نحياه من حيث التعايش الاجتماعي؛ وذلك بغض النظر عن الاهتمام ب "من" هو المتلقي و"ما هي قدرته على " استقبال و"هضم " هذه المادة "المعرفية " من جهة، ومن جهة أخرى "صلاحية " هذه المادة للزمن المعاش و "الجدوى " منه.  إذ إن كل العوامل المذكورة وغيرها هي عوامل نسبية الأهمية ، تختلف بضرورتها من مجتمع لآخر ومن شريحة لأخرى من رواد التواصل. ويختلف سلوك الأفراد الناشرين والمتلقين من شخص لآخر بتفاوت يصل حد الحرب المعلنة أو على العكس حد الانزواء والاستغناء عن التواصل. وهذا حاصل في كل الثقافات ولكن، للأسف ، في منطقتنا تتضخم الصورة المنعكسة لسبب بسيط وهو أننا في مجتمعات غارقة في  بحور من العواطف تخفي في طياتها عقائد وموروثات وتقاليد سرعان ما تطفو الى السطح عند هبوب أدنى رياح تحمل ما يناقضها أو ما يقلل من أهميتها في ثوابت الجماعات والأفراد. ولأن مجتمعاتنا  لا تستقي ثوابتها من العلم والتجربة العلمية بل من الموروث باختلاف منشئه دينيا كان أو اجتماعيا تراثيا أو حتى من العادة السائدة...وهنا تكمن صعوبة أن تكون المادة المنشورة مقبولة دون جدل غالبا ما يكون عقيما. وطبعا هنا لا يعني أن كل ما ينشر يجب أن يكون مقبولا وفقط لا بل مقبولا للتمرير بمصفاة العقل والعلم  والأخلاق وليس غيرها بالنسبة للقارىء  أما مسؤولية الكاتب فهي أكبر من حيث ما ذكرناه أولا عن الجدوى من النشر وعن تقديره لشريحة المتلقين على فضائه وعلى سلاسة ووضوح ما يكتبه دون "تحدي" وإهانة ما يعتقد به القارىء مهما كان مغلوطا وغير علمي. أقول هذا لأن مجتمعاتنا الحالية بمعظم شرائحها تفتقر الى الحد الأدنى ليس من "الثقافة" بل الى مقومات الحياة  الكريمة "الإنسانية " و"الحضارية " مما يجعلها غير قادرة على تثقيف وتنوير ذاتها فهي غالبا متقوقعة في مساحة السعي وراء اللقمة لا تملك ترف الخروج من هذه المساحة المدفونة فيها.

 فالحاجة إنما هي أولا إعادة هاتين الصفتين لهذه الشريحة والنضال ولو بالكتابة لمساعدتهم على النهوض إنسانيا ولو أردنا تقديم ما هو ثقافي لهم فليكن بطريقة مدروسة كأن تستعرض وجوه الحياة في أنحاء المعمورة فمجرد إدخال التنوع الثقافي في مشاهدات هذه الشرائح سيخدمها في مسألة تقبل التعددية (هكذا فعل الغرب لإدخال ثقافة الدم والعنف لغسل الأدمغة للأسف). ومن ثم النظر الى المستقبل الذي هو مستقبل أجيال صغيرة معظمها ولد ونما في الحرب والفقر والتشرد و"أهله" لا زالوا يناقشون التاريخ وما أنجب ذلك من نقاط ضعف جعلت كل القوى العالمية المهيمنة تستغلها لإغراقنا أكثر وأكثر في صراعات لا تثمر سوى الفرقة والتشتت.

 لمن يقرأ تعليقات البعض على منشورات تعتبر جادة في طرحها واسلوبها، سيرى كم من الشتائم أو المعالجة المبنية على ذهنية طائفية أو على موروث متعارف عليه دون إثباته علميا ومقاطعة الناس لبعضها البعض لمجرد اختلاف الآراء. هذا السلوك "الغير معتمد على الجدل العلمي"  في التحاور الذي قد يصل الى الشتيمة والقطيعة يجعل الإنسان المرهف الحساسية يسلك طريق العزلة الفكرية والمجاملة الغير مثمرة. فما الحلّ؟ وهل صحيح أن " الاعتراف بالآخر ومحاورته ليس إلا بهدف استعباده فكريا؟ " و" هل المطلوب دائما أن أجد صدى لفكري في فكر الآخرين" طبعا لا هذا ولا ذاك...كما وإنني أعتقد أن الصمت والتغاضي والعزلة تزيد استفحال السوء..أذكر هذه الصورة التي تصور القرود الثلاثة "لا أسمع، لا أرى، لا أتواصل" التي كانت ترمز ل"راحة " سلبية وقد كانت سائدة كنصيحة لوقت طويل أثبتت فشلها لا بل أثبتت أن" الساكت عن الحق شيطان أخرس".. و"حيث يكثر الجبناء يعمّ الفساد".

كل ما يجري في بلداننا الجريحة سببه الجهل أو أفضل القول "العاطفة الجاهلة الحمقاء"..وكل ذي ثقافة وعلم مسؤول عن التخفيف هذا البؤس بالكلمة الواعية ، الفاضلة، المرتكزة على العلم وحقائقه..ولنحترم أديان الجميع، الدين لله وهي علاقة فردية بين الخالق والمخلوق لا يجب أن تنعكس على علاقات المجتمعية إلا بنشر الخير والتعاطف. ومن جهة مقابلة ، لنقرأ ونغربل ونحترم اختلاف الناس وأفكارهم إن لم نقبل بها.

ف.ك




Share To: