رحلة الطائف… حين توالت الأحزان واشتدّ الابتلاء، فكان العبور من السماء | بقلم أ. د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة
![]() |
| العبور من السماء | بقلم أ. د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة |
لم تكن رحلة الطائف خروجًا عابرًا في مسار الدعوة، ولا محاولةً تقليدية لطلب النصرة، بل جاءت في مرحلةٍ توالت فيها الأحزان، واشتدّ فيها الابتلاء على رسول الله ﷺ. فقد فقد خديجة رضي الله عنها، سكنه وموضع طمأنينته، وفقد أبا طالب، ظهره الاجتماعي وحمايته الظاهرة، فاجتمع عليه ثِقَلُ البلاء مع عِظَمِ الرسالة، ووحدة الطريق مع قسوة الواقع. ولم يكن وحده في هذا المسير الشاق، بل كان معه زيد بن حارثة رضي الله عنه، رفيق الدرب، يشهد المحنة، ويؤازر بالصمت والوفاء.
خرج ﷺ إلى الطائف يحمل رجاء الدعوة، لا يطلب جاهًا ولا سلطانًا، بل يلتمس قلبًا يسمع، وأرضًا تحتمل الحق. دخل على سادة ثقيف فدعاهم إلى الله بكلامٍ يحيي القلوب، فلم يلقَ ردًّا كريمًا ولا نقاشًا منصفًا، بل استُقبل بسخرية جارحة واستهانة مؤلمة، كأن الصدق صار موضع ازدراء، والرحمة موضع ضعف.
ثم لم يقتصر الأمر على الرفض، بل تجاوزه إلى الإيذاء، فحرّضوا السفهاء والغلمان، فاصطفّوا له في الطرقات يرشقونه بالحجارة، حتى أُدميت قدماه الشريفتان، واختلط الدم بالتراب. وكان زيد رضي الله عنه يحاول أن يقي رسول الله ﷺ بنفسه، يتلقى الأذى دونه، ويقف بينه وبين الحجارة، في مشهدٍ صامت من الوفاء والثبات.
دخل رسول الله ﷺ بستانًا، فجلس تحت ظل شجرة، لا ليستريح الجسد فحسب، بل بعد أن بلغت المحنة غايتها، وهناك رفع قلبه إلى السماء وقال دعاء المبتلين الصادقين:
" اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك " النبوية لابن هشام 1/ 420
دعاء عبدٍ لم يبقَ له إلا ربّه، بعد أن استُنفدت الأسباب كلها ، ثم جاء التدخل الإلهي، فأرسل الله جبريل ومعه ملك الجبال، يعرضان عليه أن يُطبِق على أهل الطائف الأخشبين إن شاء. كان عرضًا يوافق منطق القوة، غير أن رسول الرحمة ﷺ اختار الأمل، وقال كلمته الخالدة: " بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا " متفق عليه .
وهكذا كانت الطائف محطةً فارقة في مسار الدعوة؛ استُنفدت فيها الأسباب الظاهرة، وتجلّت فيها حقيقة التوكل الكامل على الله تعالى. فجاء الإسراء والمعراج تكريمًا ربانيًا وتثبيتًا إلهيًا، لا فرارًا من واقع الدعوة، بل تأييدًا من الله لعبده ورسوله، وتجديدًا للعهد واليقين، وإظهارًا لمكانته عند ربه. عاد رسول الله ﷺ إلى دعوته كما أمره الله، ثابت الجَنان، قويّ العزيمة، موقنًا بمعية الله ونصره، ليبقى درس الطائف والإسراء شاهدًا على أن العناية الإلهية تحفّ رسالات الحق، وأن التمكين يبدأ من الثبات، وأن ما عند الله أعظم من كل أذى يلقاه الصادقون في سبيله.


Post A Comment: