قراءة في( قدر الحب ) مجموعة شعرية للشاعر حاتم عباس بصيله | بقلم الشاعر عماد الدعمي 


قراءة في( قدر الحب ) مجموعة شعرية للشاعر حاتم عباس بصيله | بقلم الشاعر عماد الدعمي
قراءة في( قدر الحب ) مجموعة شعرية للشاعر حاتم عباس بصيله | بقلم الشاعر عماد الدعمي 


القصيدة التي يصحُ أن نطلقَ عليها شعرا هي التي تؤثر على المتلقي وتهزُّ وجدانَه

حتى يتلقّاها كمادةٍ روحيةٍ تُحرك مشاعرَهُ، وبهذا يَنتجُ من أنّ الشاعر إذا لم يُحركْ مشاعرَ المتلقي ويثير الإحساسَ لديه ، فهو ناظمٌ ليس إلا.. والشاعرُ المحترف يعرف من أين يبدأ ومتى ينتهي، فهو كمهندسٍ معماري يريد أن يصل بنا إلى عملٍ فني مميزٍ ، أو كفنانٍ يرسم لنا لوحةً تثيرُ فينا الجمالَ والدهشة ..

ومذ عرفنا الشعرَ وللآن وجدنا بأنّ الشعرَ المحبوكَ والمرصوصَ بالفصاحة هو أشدُ تأثيرا على المتلقي، لأن الفصاحةَ هي الكلماتُ المأنوسةُ المفهمومةُ التي تدخل الأعماقَ من غير الرجوع إلى معاجم اللغة أو العودة للمنجدِ بحثًا عن معنى مفردة،

فقد ورد في قوله تعالى :(( وأخي هارون هو أفصحُ مني لسانا )) وأول ما يُحسب للشاعر حاتم عباس في مجموعته الشعرية (قدر الحب) هي الفصاحة والمفردات السلسة المأنوسة المؤثرة  من دون عناء يواجه المتلقي بعيدا عن الانزياح والتفلسف والضبابية والرمزية...

قال في قصيدة أنتِ ص (٢٩ْ) وهي من بحر الخفيف 

أنتِ من أيقظ الشعورَ بقلبي

وأنرتِ الظلامَ في كلِّ دربِ

وجعلتِ الحياةَ لقطةَ حُبٍ

كلُّ آنٍ تُعادُ لقطةُ حبِ

أنتِ سرُّ الحياةِ تمشي بروحٍ

انتِ في خاطري لطافةُ ربِ

كلماتٌ تدخل العمق ودلالاتٌ ومعانٍ واضحةٌ مع تكرار الضمير أنتِ تسعُ مراتٍ وهي دلالة على توكيد صدقِ الشعور وهذا يذكرنا بقصيدة 

الشاعر أبي القاسم الشابي 

عذبةٌ أنتِ كالطفولة كالأحلام فقد تكررت كلمة ( أنتِ) فيها ثمانيَ عشرة مرةً....

إنّ الخزينَ المعرفي والكمَ الكبيرَ الذي يتمتع به بصيلة وفيرٌ جدا وللغاية، وقد تحقق ذلك الخزين من قراءة مستفيضة وبغزارة، ومن خلال ذلك الخزين أفرز لنا شعرا محبوكا ومؤثرا وهو تحصيلُ حاصلٍ لكلِّ شاعرٍ متمكنٍ من أدواته، وهنا تتوضحُ أسسُ المفاضلةِ بين شاعرٍ وآخر من خلال المنظومة الثقافية الكبيرة التي يملكها الشاعرُ والتي تبعث الإثارةَ عند الشاعر وتمنحه الثقة في أن يتجولَ برحاب الكلمة كيفما يشاء  .

قال في قصيدة ( هي والصور) ص ٢٦ وهي من مجزوء الوافر

أقلبُ بهجةَ الصورِ

وألعنُ قسوةَ القدرِ

أراكِ هناكَ عن بعدٍ

وأحلمُ فيك يا عمري

أرى النجماتِ عالقةً

بثوبكِ مثلما الزهرِ

وأنتِ هناك باسمةٌ

بضوءِ الشوق كالقمرِ

إذا وقفتَ بتمعنٍ ستجد طغيان الصورة الشعرية واضحا على شعره مع التشبيهات البليغة والاستعارات، فهو يرى النجماتِ عالقةً على ثوبِها كالزهر ثم يراها باسمةً مع الضوء .. ولكنْ أيّ ضوءٍ .. هو ضوءُ الشوق ويُشبهُ ذلك بضوء القمر ..

النجمات ... الزهر ... القمر .. مفردات من الحياة والطبيعة وظفها بطريقة متقنة.. وكأنه الحالمُ في عالم آخر بعيدا عن تعكير المزاج .. فهذه المفردات دلالاتٌ على السمو والارتقاء والروح الغائصة في بحور الجمال.

قال : في قصيدة (دلّني يارب) وهي على بحر الرمل، معبرا عمّا يرى الشاعر من فوضى عارمة ومن قبحٍ يسود ويعم البلادَ فما كان منه إلا مناجاة رب العباد .. وهو لا يملك إلا الشعر ليشكو به فيقول:

دلّني ياربُ نحو البسطاءِ

لزمانٍ هادئٍ يمشي ورائي

لبقايا الطيبِ للفجرِ الذي

يرسلُ الضوءَ حنينا من ضياءِ

ردّني طفلا صغيرا هائما 

بين أشجارٍ وماءٍ ومساءِ

تضحك الناسُ على فطرتِها

وتداريني فلا أشكو عنائي 

خبزةُ التنورِ في دورتِها

تؤنس الروحَ فتلتذ دمائي 

هنا ستجد روحَ التمني للعودة إلى الزمان الجميل والناس البسطاء والفطرة السليمة والأشجار والماء والمساء وخبزة التنور ..

وكلُّ ما صورهُ بالكاد ينقرض في الزمن الحاضر وهذا ما أثار قريحة الشاعر .

فالنظرة السوداوية للحاضر وحتى المستقبل توحي بالخذلان لذا نرى الشاعر يتذكر الماضي ليس لأنه الماضي فحسب بل لأن الجمال كان ميزته ولأن الجمال صار عصيًا في الزمن الحاضر وحتى زمن المستقبل فلا يوحي إلا بالضباب... 

في مجموعة( قدر الحب) اشتغل الشاعر على قصيدة مركزة وليست قصيدة شاملة فهو يهتم بالفحوى ويوظف اللغة توظيفا مركزا ليصل إلى المعنى بأبسط الطرق .. وقد عرفتُ الأديبَ حاتم فنانا مبدعا يجاهد كي يُخرجَ لنا لوحةً جميلة وهكذا هي القصيدة عنده لا تعترف بالقيود مطلقا ..

تكمن قدرةُ الشاعر المعاصر على إنتاج حداثة شعرية تستجيب لضرورات مجتمعية مهمة لأن الشعر هو الأكثر حضورا في وجدان المتلقي العربي ، وقد نجح بأن يكون شاعرا معاصرا. 

تمتع بالتعبير الشعري وارتدى سلطة التذوق

الممتدة تاريخيا والفاعلة في حقل المتلقي. 

قال : في قصيدة ( حتى صباح الخير ) وهي من بحر الكامل .

حتى صباح الخير سيدتي

كانت بلون الخمر والعسلِ

من أين أبدأ فيكِ اغنيتي

وهواك امطارٌ من القبلِ

ولقد مضى عمري بلا هدفٍ

ولقد مضى عمري بلا أملِ

حتى أتيتِ فصرتِ لي وطنا

في عالم الأوهام والدجلِ

لو تمعنت في الأبيات لوجدتَ السردَ الشعري الواضح على القصيدة فكأنه يقص حكايةً جميلة ، يعبر فيها عن مكنوناتِه ويزيحُ ما بداخله بلغةٍ شعرية ليصل إلى هدفِهُ ويتخذَ من الحبيبة وطنا يسكنه في عالم سادَ فيه الوهمُ والدجلُ والخداعُ ..

ومن هذا التصوير تظهرٌ لنا روحٌ نقيةٌ تبحث عن الجمال في زمن يطغى عليه القبح .

الشاعر بصيلة من المؤمنين بأنّ صوتَ اللغة لا بدَّ أن يُمارسَ شهوتَه في التمردِ بحثا عن حرية التعبير بعيدا عن أي ضغوطات فالهدف من الوصول إلى جمالية اللغة يتحقق عبر طريقٍ مغايرٍ يضمر الخصبَ والامتلاء والحركة الحية النابعة من الجوهر والمعنى الذي ينجز بأدوات ترفض سلطة التقوقع..

لأن نصَ التراكيب نصٌ عاجز لا يتمكن من التعبير وبلا أشعةٍ ،ولا يتمكن من الإضاءة والاشراق وبالتالي هو عاجزٌ عن قذف المتلقي بالسهام التحريضية لأنه مغلقٌ وميت .

ومن هنا يرى بُصيله أن المغامرة لا بد أن تنهضَ لتجترحَ فضاءَها وتفرضَ جمالَها .

ولا بدَّ من الإشارة إلى المنظومات الفعلية في هذه المجموعة إذ كان لها الدورُ الكبير في اتساع الفضاء الشعري ولها دلالاتٌ مهمة كثّفت من الصور الشعرية التي ازاحت ما كان يُثقل كاهلَ المخيلةِ الشعرية لدى الشاعر .

وبغض النظر عن التخطيط أو التفكير الذي عاشه الشاعرُ أثناء كتابة القصيدة لأن لحظاتَ الإلهامِ عند الشاعر تسبق التخطيط والتفكير في انتاج قصيدة مركزة .. ولكن حينما يفرغ الشاعر من كتابة القصيدة ويعود إليها بعد حين .. يتساءل ونفسه كيف كتبتُ هذه القصيدة ؟

وذلك يوحي بأن اللحظةَ الشعرية عند بصيلة متوقدةٌ دائما ، وقد تنفجر بأي مكان وزمان لتُنتجَ لنا قصيدةً لا تقبل التأجيل مطلقا ...

لأنّ القصائدَ المؤجلةَ يذهب بريقُها وربما لا يعود مرة أخرى ...

ومن خلال تواصلي مع كثير من شعراء العصر لاحظتُ هُوية شاعرين في الحراك الشعري ...

الهُوية الأولى هناك شعراء فقدوا الإبداع بسبب انتمائهم وتبعيتهم لجهاتٍ فرضت عليهم الصمتَ وبالتالي قتلت فيهم روحَ الشعر الحقيقي الذي يخرج من دون قيود ومحاباة..

والهوية الثانية لشعراء أوقدوا دروبَهم بشعلة الحرية الفكرية، فلا يمنعهم أيُّ أنتماءٍ لجهاتٍ معينة، وآمنو بأن الشعر فنٌ لا يقبل المعارضة لأي غرض ما ، وغالبا ماترى ذلك في شعراء الوطن الرافضين سياسات الظلم والجور والتسلط بشتى أنواعه ومسمياتهِ ...

وحاتم عباس بصيلة من الشعراء الأحرار الذين آمنوا بمعنى الكلمة كما هي من دون عوائق وعراقيل، مهما كانت النتائج ايمانا منهُ بأن رسالةَ الشعر أسمى من أن تباعَ بأي ثمنّ من الأثمان وأن الإبداعَ لا يعترف بالحدود والمسميات ...

بصيلة شاعرٌ مسكَ زمامَ الشعرٍ وخاضَ في مياههِ وغامرَ ورتّب الرؤى على نحو جديد ومُبتَكر ،وبهذا أثبتَ حضورَه في المشهد الشعري بجدارة..

قدر الحب من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدر عام ٢٠٢١ ووقع في مائة صفحة.






Share To: