أعدَّتِ ابنتي الشاعرة العربيَّة السودانيَّة منى حسن ملفَّاً عن ((شعر العاميَّة وشعر الفصحى)) فكان هذا جوابي لذلك الملف :

مع أنّ معظم إيقاعات شعر العاميّة في المشرق العربي قد تمّ استنباطها من العروض الخليلي، فإنّ اقتراب هذا الشعر من ذائقة المتلقّي يرتبط بما كان له من أثرٍ في نفوسِ الناسِ المتلقين الذين أدركوا هدف الشعر في الحياة.
  فالمشارقة ينظمون شعر العاميّة ((الزجل، أو الشعبي، أو الملحون: سمّه ماشئت)) موقّعاً على أعاريض الخليل موسيقيّاً، فلا يجد المشرقي ما يمنعه من تقبّلِ الأداءِ العامّي طالما كان يهزّ الوجدان بتناوله لقضايا الإنسان : وجوداً وعاطفةً، كما في أغنية ((يا طير)) التي غنتها فيروز في فيلم ((سفر برلك)) لكونها جاءت على إيقاع الرجز :

ياطير يا طايرعلى اطراف الدني 
 مسـتفعلن  مسـتفعلن  مسـتفعلن

لو فيك تحكي للحبايب شو بِنـي 
مسـتفعلن  مسـتفعلن مسـتفعلن

روح اسألن عليّ وليفو مش معو  
  مسـتفعلن مسـتفعلن مسـتفعلن

مجروح بجروح الهوى شوب ينفعو 
مســتفعلن  مســتفعلن  مســتفعلن

وتعن على بالو ليالي الولدنــي     
مسـتفعلن مسـتفعلن مسـتفعلن

أو في أغنيتها الأخرى ((كيفك انتَ)) التي كتبها ولحّنها زياد الرحباني، فقد جاءت على إيقاع  المتدارك المضمر :

تزكرْ آخرْمرّة شفتكْ سنتا؟
فعْلُن فعْلُن فعْلُن فعْلُن فعْلُن

تزكرْ وقتا آخرْ كلمة ْ قلتا؟
فعْلُن فعْلُن فعْلُن فعْلُن فعْلُن

ومَعَدت شفتك   وهلأ شفتك
فعْلُن فعْلُن      فعْلُن فعْلُن 

كيفك إنتَ    ملاّ إنتَ
فعْلُن فعْلُن  فعْلُن فعْلُن 

أما أغنية ((أنتَ عمري)) التي كتب كلماتها أحمد شفيق ماهر ولحنها الموسيقار عبد الوهاب، فقد كانت على إيقاع الرمل:

رجّعوني عنيك لأيّامي اللي راحو
فـاعِلاتُن  فـاعِلاتُن  فـاعِلاتُن

علّموني اندم على الماضي وجراحو
فـاعِـلاتُن   فـاعِـلاتُن   فـاعِـلاتُن

إلّلي شفـتو أبلِ ما اتشـوفك عنيّـه
عمرِ ضايع يحـسـبوه ازاي علـيَّ
إنتَ عمري اللي ابتدا بنورك صباحو
فاعِـلاتُن   فاعِـلاتُن   فاعِـلاتُن

وعلى إيقاع الرمل الحر كتب مظفّر النوّاب قصيدة (( موحزن لكن حزين)) :

موحزن لكن حزين
فـاعلاتن فـاعلان

مثل ما تنكَطع تحت المطر شتلة ياسمين
فـاعلاتن فـاعلاتن  فـاعلاتن  فـاعلان

مثل صندوك العرس ينباع خردة عشك من تمضي السنين
فـاعـلاتن  فـاعلاتن  فـاعلاتن  فـاعلاتن  فـاعـلان

مثل بلبل كعد متأخر لكَه البستان كلّها بلايه تين
فـاعلاتن فـعلاتن فـاعلاتن فـاعلاتن  فـاعلان

موحزن لكن حزين

  غير أنّ ثقافة المتلقّي هي التي تتحكّم في موضوعةِ أيّ اللونين أقرب إلى نفسه، فالمثقّفون ( لاسيّما من كان جامعياً منهم) أميل إلى تقبّل الفصيح منه إلى العامّي، بينما يذهب أنصاف المثقّفين، والعامّة من الجمهور إلى تفضيل العامّي الدارج لسهولة فهمه بالقياس إلى الفصيح الذي يجد صعوبةً في استيعابه،أو تأويله، فيتّجه تلقائيّاً إلى استساغة ما لا يشكل على ذائقته الإدراكيّة من صعوبةٍ هو في غنى عنها.
  إنّ تفضيل أحد اللونين على الآخر مسألة نسبيّة، لكنّ المحافظين الراديكاليين يجدون في إشاعة شعر العاميّة إساءة علنيّة للغة العربيّة الفصحى، إن لم نقل تدميراً لها،لأنها على وفق رأيهم تشيعُ اللحن، وتبيحُ استعمال العُجمة على نحوٍ عام.
  وإذا كان هذا الرأي شائعاً عند المشارقة تحديداً، فإنه غير واردٍ عند المغاربة ، لأنّ معظم ما يكتب عندهم من شعر العاميّة لا يلتزم بإيقاعات الخليل الفراهيدي، فهم يكتبونه على غرار ما يكتبون من النصوص المفتوحة التي يُطلق عليها (( قصائد النثر))، فضلاً عن أنّ لهجاتهم تشكّل صعوبةً للمشارقة في التعبير قبل الإيقاع المنفلت، ومع ذلك فإنّهم يتقبّلون شعر العاميّة أكثر من تقبّلهم لشعر الفصاحة العربيّة بحكم تأثّرهم بالثقافة الفرنسيّة التي هيمنت عليهم ردحاً من زمنٍ لم يكن قصيراً، لذلك لم يكن لهم ما للمشارقة من أثر فاعل في حركة الحداثة الشعريّة في المجالين: الفصيح والعامّي.



Share To: