يا له من عمل جامح وطليعي وعبقري وكلاسيكي، ليس لأنه صدر قبل حوالي ستين سنة! فالكلاسيكيات لا تكتسب بتقادم الزمن بل لأنها كما يقول أحدهم تأتينا من المستقبل. هذا عمل ثوري يدفع إلى البكاء كما فعلت رباعية تشايكوفسكي بتولستوي أو إلى الخرس كما فعلت به الإلياذة. ظل هذا العمل المجنون طوال ٦٠٠ صفحة يردد على سمعي ما قاله طه حسين في أشعار إبراهيم ناجي دون أن يتقدم الدكتور محمد مندور للدفاع عني. (أشعار صالونات ما إن تخرج إلى الخلاء حتى يأخذها البرد من جوانبها). لكنني أنتمي رغماً عني إلى جنس لم يمانع مغادرة الجنة لأجل ثمرة واحدة ثم إنني لست في حياء المرحوم ناجي ولا رقته. ما إن أغلقت الكتاب حتى صرت أشد حزناً من هذه النمور الثلاثة مجتمعة، والعنوان ليس إلا لعبة لغوية إذ يصعب قليلاً نطق العنوان بلغته الأصلية كما يصعب إنشاد البيت الشهير: "وقبر حربٍ بمكان قفرٍ.. وليس قربُ قبر حربٍ قبرُ". لكن اللعبة لا تنتهي هنا، بل هذه صافرة البدء ليس إلا. الكاتب يلعب بالمفردات فيقدم حرف ويؤخر آخر فيتلاعب بالألفاظ ومعانيها وهكذا ستجد نفسك تنتقل بخفة في صفحة واحدة من زمن كاليجولا إلى فيلم هيتشكوك إلى مقطوعة بوليرو إلى حلمة خلاسية إلى حلم بعيد وهكذا بلا نهاية. ستجد رسومات وطلاسم وقصائد وكلمة واحدة تتكرر طوال صفحتين ومقالات عن تروتسكي. (ما قصة هذا الأوكراني؟ يطاردني منذ سنة، أجده في كل مكان، في الروايات والقصص وفي غرفة نومي. ماذا يريد أن يقول؟ هل علي أن أثور؟ أم أهرب إلى المكسيك؟ أم أعتمر خوذة ترد الفأس عني؟ أم تراه يرغب أن أغير حلاقتي التي لا أعرف غيرها فأجعل لي عثنوناً؟ أفضّل الفأس في هذه الحالة!) جزء كبير للأمانة من عبقرية العمل يكمن في اللغة رغم اجتهاد المترجم العظيم بسام البزّاز -ليتني أصل رأسه فأقبلها- وقد دون مئات الهوامش لكن الأعمال العظيمة تسمو فوق اللغة نفسها ولهذا ظلت تعيش. لدانييل خارمس قصة قصيرة عن رجل أصهب بلا عينين ولا يدين ولا حتى شعر! ولا فم ولا عمود فقري ولا أحشاء ثم يتوقف خارمس ليتساءل عمن نتحدث؟ تبدو هذه الرواية في جوهرها كذلك فهي رواية وهي قصص وهي مقالات ويوميات ومعادلات رياضية وقاموس ودليل هاتف وجريدة وكلمات متقاطعة وشتائم على الجدران وإذاعة موسيقى وكل ما لا يخطر على البال. لم أقرأ عملاً ينافسه في التجريب غير حجلة كورتاثار. كان ماركيز في إحدى رسائله ليوسا وقد كانا أخوين قبل اللكمة قد أبدى إعجابه الشديد بالعمل، بالقسم الأول تحديداً لكنه عاد ليسخط على القسم الثاني بل ويتهمه بالسذاجة رغم احترامه الشديد لكابريرا انفانته لكنه يعترف أنه كاتب ذكي ومشتت. ليس غريباً أن يستفز القارئ حتى ولو كان ماركيز نفسه. هنا بعض الاقتباسات:

"ولكن ما قيمة خط إضافي بالنسبة إلى نمر من النمور؟"
-
"كان بوستروفيدون لا ينفك يتصيد الكلمات في القواميس (وهي عنده رحلات السفاري السيمانتيكية) يتوارى عن الأنظار، يعتكف في غرفته مع أي قاموس، فيواكله ويرافقه إلى حمّامه، وينام إلى جنبه في سريره، ممتطياً لأيام عديدة ظهره، فقد كانت القواميس الكتب الوحيدة التي يقرأوها ويقول إنها أجمل من الأحلام وألذ من الصور الفاضحة وأفضل من السينما. لأن القاموس يصنع التشويق الذي تصنعه كلمة ضائعة في غابة من الكلمات ( ليست هي إبراً في كومة قش يسهل العثور عليها، بل هي إبرة في علبة دبابيس) أما التشويق فهو حين تجد نفسك تبحث يائساً عن كلمة فوق الكتاب وأسفله حتى تعثر عليها، وحين تعثر عليها وترى أنها تعني شيئاً آخر فذلك أفضل".
-
"من خصائص الذكرى أنها تصيبك بالدوار: بالإحساس بأنك على وشك الانطلاق في رحلة فجائية غير مأمونة ولا مضمونة، بأنك أمام خطتين لسقوط عنيف محتمل. (خطط واقعية لسقوط مادي وعمودي وخطة الذكرى لسقوط أفقي وهمي) يسمح بمعرفة أن الزمان، كما المكان، له أيضاً قانون جاذبيته. أريد أن أزاوج بين بروست ونيوتن."
-
" ولكن لم كل هذه الكراهية لهتلر؟ يجب القيام بحملة في الأمم المتحدة، أو في أي مكان آخر، لاتهام الزمن باقتراف إبادة جماعية".
-
" لم يعلم تروتسكي قط أن مونارد يعمل كاتباً وهمياً لمصلحة ستالين. وما كان مونارد يعلم أن تروتسكي يعمل نملة صغيرة لصالح الأدب. وما كان ستالين يعلم أن تروتسكي ومونارد يعملان عبدين أسودين (عذراً) للتاريخ. تلك هي مشكلة جميع المعلمين مع تلامذتهم ومقلديهم ومتابعيهم. وما كان على تروتسكي أن يُعلِّم هؤلاء الناس الكتابة. فالتعليم (ولا سيما في الأدب) غير مجزٍ وهنا نصل إلى لب المشكلة."
-
"وبعد هنيهة أخذت يدها الصغيرة فضاعت في يدي وبقيتُ أبحث عنها ساعة تقريباً".
-
"إنها قصة معالج نفسي يغتني ليس لأن زبائنه من أصحاب الملايين بل لأنه كان يضع رهاناً على كل ما يقصّونه عليه من أحلام، فإذا حكى أحدهم أنه حلم بسلحفاة صغيرة في بركة اتصل بوكيل مراهناته وقال: بانتشو راهن ب ٥$ على الرقم ٦. وإذا حكى آخر أنه رأى في منامه حصاناً اتصل وقال: بانتشو ١٠$ على الرقم ١. وهكذا يكسب المعالج النفسي الرهان دائماً لأن زبائنه يحلمون دائماً بالرقم الذي سيخرج، وسيربح ذات يوم الجائزة الكبرى ويتقاعد ويعيش عيشة سعيدة ويتسلى بحل الكلمات المتقاطعة في بيته الذي هو قصر على شكل أريكة مريحة!"
-
"قال لي إن كوبا لا تصلح إلا لعيش النباتات والحشرات والفطريات، لا تصلح إلا للحياة النباتية أو البائسة. والدليل هو تلك الحياة الحيوانية الفقيرة التي وجدها كولومبس حين نزوله فيها. لم تبق إلا الطيور والأسماك والسياح. وجميعهم قادر على الخروج من هنا متى يشاء."
-
‏"قال أحدهم إن سبب الشعبية التي تحظى بها كلمة ميتافيزيقيا هو أنها تنفع في كل شيء"
-
"ليفيا! أيتها الصبية لو أني تعرفت عليك من قبل لدهستك لأحظى بمتعة حملك إلى مركز الإسعاف. ضحكت ضحكة عميقة وردت رأسها المهتز نحو الوراء وكأنها تتغرغر بنكتتي. ثم قالت أنت كما أنت دائماً: لا تتغير. وليفيا هي من ذلك النوع من النساء اللائي يردن للواحد أن يغير طبعه كما تغير هي لون شعرها."
-
الرقم ٣ هو الرقم العظيم، إنه الرقم واحد تقريباً، لأنه العدد الأولي الأول. العدد 8 يمثل مفتاحاً آخر من مفاتيح اللغز الكبير، إنه مؤلف من صفرين وهو الرقم الأول الذي يحتوي على مكعب وهو في التومبولا الكوبية يعني ميت والعدد ٦٤ في اللعبة نفسها يعني ميت كبير، الميت العظيم ٨*٨=٦٤ كما أظنك تعلم. ال ٩ هو عدد آخر ذو سلوك غريب هو بالطبع مربع ٣ الذي هو أول عدد فردي حقيقي لأن الواحد هو الوحدة، الأساس، الأم.
-
- هل فكرت في الأمر جيداً؟
- الواقع أنني لم أفكر في الأمر لا جيداً ولا سيئاً. الأولاد ليسوا موضع تفكير ولا إحساس ولا إنتظار. الأطفال يظهرون وتجدهم. إنهم كالأخطاء المطبعيّة. 
-
الرذائل واقعية أكثر من الفضائل: أهاب أكثر مصداقية من بيلي باد. الخير يخشى الشر، بينما هذا يضحك على ذاك. قد تكون جهنم معبدة بالنوايا الحسنة أما بقية البناء (الطوبوغرافية والهندسة والديكور) فهو من فعل النوايا السيئة. وما من شيء مثل البناء. قراءة الجحيم لدانتي بوصفه كتيب هندسة. الشر هو ملاذ الخير الأخير. الشر هو امتداد الخير بطرق أخرى. (هو فواق بالمقلوب) آه لقد تعبت أن أكون أفلاطوناً لهذا السقراط.
-
"هناك أيضاً اختراع المدن السائرة، فبدلاً من أن تسافر إليها، تأتي هي إليك. يذهب المسافر إلى المحطة. يسأل متى تأتي (ماتانثاس)؟ فيجيب المفتش يجب أن تصل بين لحظةٍ وأخرى في حال أتمت المسافة. يعلو صوت آخر من الخلف متى تصل (كاماغوي)؟ كاماغوي تصل مع بعض التأخير. هناك إعلان يذاع في مكبرات الصوت. إلى المسافرين إلى (بينار دل ريو)! نعلمكم عن وصولها في هذه اللحظة إلى الرصيف رقم ٣. انتباه! على المسافرين إلى (بينار دل ريو) أن يستعدوا، أن يحملوا حقائبهم ويقفزوا من الرصيف إلى المدينة لأنها ستواصل طريقها".






Share To: