تعرضت في مقال سابق تحت عنوان (الذات والجسد في ظل إشكالية الاستجابة)، إلى مكانة الجسد من الذات، وتبين أن محور حركة الجسد عند الرجل يدور حول القوة، وعند المرأة حول الجمال، وظهر من خلال صور ثلاثة، أن كلا من القوة والجمال لا بد لهما من التغير والتبدل السلبي، الأمر الذي يخلق عجزاً في الاستجابة للرغبات التي يكون تموضعها هذين المحورين،وانتهيت إلى ان المعنى هو الحل لخلق حالة التوازن.

اتفقت كل الفلسفات الى ان الذات هي جسد ووجود آخر (فيها أو عليها أو معها أو بها)، ينتمي في حقيقة وجوده إلى أمر يختلف عن الجسد، وقد سمي هذا الوجود مرة بالروح ومرة بالنفس واخرى بالعقل والقلب، وزاد البعض إلا أن هناك ثلاثة وجودات معنوية او فلنقل غير مادية هي (الروح والقلب والعقل)، وقد تباينت الآراء حول ماهية هذا الوجود غير المادي، والكيفية التي يتعلق بها ويحل من خلالها في الجسد.

اختلفت المقاربات المقدمة لرسم طبيعة علاقة الروح بالجسد، والمعنى بالمادة، ومثل ذلك اعقد وادق جدل معرفي وفلسفي وعقائدي، ولا يزال غير محسوم، فقد ذهب الشيخ الرئيس ابن سينا ومعه جمع إلى أن التعلق نحو نزول للروح على البدن (نزلت إليك من المحل الأرفع)، وأن هذا النزول يتضمن اثنينية ومباينة بيهما، ومعه تتعدد مساراتهما وخواصهما، وطرق كمالهما ونهايتهما، فيما قدم الفيلسوف الكبير ملا صدرا في حكمته المتعالية استفاضة كبيرة لهذا التعلق، إذ تبنى وحدة الوجود، والحركة الجوهرية، وهي حركة دائمة ومستمرة، لا يقومها محرك خارجي كما هو الحال في الاعراض، بل تحتاج الى مدد وجودي، وهذا المدد الوجودي نحو تعلق بموهوب الوجود، ففي كل لحظة يمر هذا الجوهر بلحظة فناء تحتاج الى هبة وجود تعيدها الى الوجود، وجعل الروح نحواً من الصيرورة المتقدمة للمادة وليست مخلوقة منها، وبحسب ملا صدرا فإن  (الجوهر هو الأساس والبنية للكون، وجميع الجواهر تتحرّك بشكلٍ دائمٍ دون انقطاعٍ ولو للحظةٍ واحدةٍ، فحتّى أعراض الجوهر مثل اللون والحجم هي في حالة تغيّرٍ متواصلٍ جرّاء الحركة الدائمة المستبطنة في ذات الجوهر الذي عرضت عليه، ومن ثمّ يمكن القول أنّ الحركة الجوهريّة هي عين وجود الجوهر ولا تفتقر إلا إلى فاعلٍ إلهيٍّ خالقٍ للوجود، أي إنّ إيجاد الجوهر هو عين إيجاد الحركة الجوهرية، في حين أنّ حركة الأعراض تابعةٌ للحركة الجوهريّة)، وأن الروح بفهم بسيط هي ( ثمرةٌ للتحوّل الحاصل من حركة البدن الجوهرية، إلا أنّ هذا لا يعني كون الروح معلولةً للبدن وقائمةً به، أو أنّها صفةٌ ذات طابعٍ طفيليٍّ بالنسبة له، وإنّما البدن يمثّل أرضيّةً وقابليّةً لها، فهي تتنامى وتترعرع في أحضانه، وهذا الأمر بطبيعة الحال لا يعني أنّ البدن يلد الروح، فغاية ما يفعله هو توفير الظروف المناسبة لظهورها، فالروح بهذا البيان عبارةٌ عن صورةٍ تعدّ كمالاً بالنسبة إلى مادّة البدن وفعليّةً جديدةً تنالها هذه المادّة، كما أنّها تمثّل وجوداً خاصّاً بحاجةٍ إلى أرضيةٍ مادّيةٍ كي تظهر، لكنّها في الحين ذاته مستقلّةٌ عن المادّة والشروط المادّية في بقائها ودوامها، وأما النفس بالنسبة إلى النفس فأنّها غير مفتقرةٍ لحاملٍ مادّيٍّ في مقام بقائها ودوامها، حيث ذكر مثالاً رائعاً حول العلاقة بينها وبين البدن، وتقريره كما يلي: النفس كالطفل الذي هو بحاجةٍ إلى رحم أمّه في بادئ الأمر، لكنّه حينما يتكامل وجودياً يصبح في غنى عنه). 

قدم الفيلسوف الألماني فريدرك هيجل مقاربة تقارب ملا صدرا في بعض مساراتها لكنها تختلف في منطلقاتها تقوم على فكرة الديالكتيك، وقد اشتغل بعمق على فكرة الادراك ومسارات تطوره، حيث بين موقع الروح ضمن ثلاثة مراحل للادراك هي (الفكرة المنطقية او المفهوم- الطبيعة- الروح)، وبحسبه فالروح (تعتبر مدركةً ذاتياً، وهذا الإدراك الذاتي يجعلها حرّةً، ولكن بما أنّها تجهل كونها حرّةً، فهي مسترقّةٌ، ومن هذا المنطلق أكّد على كونها تسعى بحدّ ذاتها لنيل هذه الحرّية، وبيان ذلك كما يلي: إدراك الروح بكونها حرّةً هو الدليل الأنطولوجي على وجودها، لذا فهي تجسّد الغاية للعالم الروحي الذي يعتبر جوهرياً وأساسياً في حين أنّ العالم المادّي تابعٌ له، وعلى هذا الأساس يقال أنّ الغاية لهذا الكون بشكلٍ عامٍّ تتمثّل في إدراك الروح لكونها حرّةً ومعرفتها لحقيقة هذه الحرّية). 

بعيداً عن هذه اللغة الفلسفية الصرفة، فإن الانسان يحوي وجوداً معنوياً مساره يتكامل مع مسار الجسد في محوري القوة والجمال، ويشتغل على الاشباع والتوازن بطريقة مختلفة، تنطلق من خطوط مبدئية غير تلك التي تحدها الاستجابة الجسدية الخالصة التي لا يمكن تحقيقها والوصول للأرضاء والتوازن فيها إلا مع وجود القوة بمفهومها الفيزيائي والجمال بمفهومه الظاهري. 

في عالمنا التقليدي المنغمس بشكل عميق بالمادة، والمأنوس بالحس، تضبط معادلة الاشباع والتوازن في حالات النقص والتناقص للجمال والقوة من خلال الصور الثلاثة التي اشرنا لها سابقاً، عبر حالة كبت نفسي لإنكسار تختلف وطأته من شخص لآخر، ومحاولة تعويض شكلية عبر إضافات إغرائية (بحسب التصور)، أنها تقدم بديلاً مسكناً او محققاً لنحو من الرضاء، ويستخدم الرجل سبيل الاغداق المادي وتقديم تعويضات مختلفة لعلها تسد ما لا يستطيع تحقيقه عبر القوة التي تظهره كفاعل مباشر، وهكذا تلوذ المرأة خلف ادوات اخرى مثل حلاوة المنطق والمعاشرة والاعتناء والوفاء وحشد الذكريات الجميلة وتأمين وضع آمن وباعث على السرور، لتكون تلك الامور بمثابة تعويض لما يمكن ان تحققه عبر الجمال وبواسطته كفاعلة مباشرة أيضا، مع الألتفات الى ان الاغداق وما تم الاشارة إليه بخصوص ما تلوذ به المرأة في عملية التعويض يختلف عن صورة اخرى يتم تقديم هذه الامور لاهداف مختلفة تكون في عرض توفر القوة والجمال، أي ان مقصد التقديم هنا يختلف عن مقصدها هناك وإن تشابه في بعض صوره. 

قدمت المعرفة الحقة رؤيتها للذات من خلال بيان كرامتها ومقامها المتأتي من كرامة وعظمة واهب وجودها، وطبيعة الهدف المرسوم لها، وما يترتب على ذلك من تحديد لمساحات الجسد والمعنى فيها، والحالة التكاملية بينهما، بحيث تتصحح في ظلها النظرة الساذجة التي تصور الجسد والمعنى في صورة تنافي وصراع وتغالب، وأن إرضاء احدهما لابد أن يكون على حساب الآخر، وأن المتعة والبهجة تكمن في مسيارة الجسد، بينما يقود المعنى الى حياة صارمة وقاتمة، فقد بينت، أن كل إنسان مزود بقدرات لفعل الخير والإستقامة، وتعد الفطرة الأولى منبع كل الفضائل، والقدرة على الفعل وعدم ضرورة تتطلبها حرية الاختيار، والتي بدورها مقدمة ضرورية لتكليف الانسان وما يترتب على ذلك من الجزاء، فلا تكليف بدون إختيار، ولا أختيار من دون حرية، ومع الحرية يكون أحتمال الوقوع في الخطأ وارداً، لذلك اعد البديع الحكيم عملية التوبة والغفران بمثابة (إعادة ضبط مصنع) بحسب لغة اليوم، لتعيد للفطرة قدرتها على الاستمرار ببعث الفضائل. 

إن التباين والاختلاف الذي يظهر في تأثير الفطرة السليمة من شخص لآخر يمكن تقريبه من خلال مثال حسي، فلو كان لدينا جهازي تبريد، كل منهما يحمل نفس المواصفات، ووضعنا كل منهما في بيئة مختلفة وعناية مختلفة، فمع الجو المترب واهمال الاعتناء والصيانة والاستعمال الرديء، تنغلق المسامات تدريجياً، بحيث يصبح الجهاز غير قادر على انتاج الهواء البارد بل بالعكس ربما يكون مصدراً للحرارة والرطوبة، والعكس صحيح بالنسبة لجهاز في وضع مختلف، فالأمر في التعامل مع الفطرة كما هو حال هذا المثال بالضبط. 
كثير من الناس لا يلتفتون إلى اصفرار أوراقهم البيضاء، والتي هي الكنز الاعظم لديهم، فهم فرحون بمكاسب طارئة وتافهة مقابل فقدانهم لفطرتهم وقلوبهم النظيفة وروحهم المحبة، وهي أعظم من خسارة الأموال والأولاد والأهل، فكل خسارة يمكن تعويضها عبر حب الآخرين ومبادلتهم الحب، لكن المؤسف أن الكثير لا يبالي ولا يلتفت بأن الذين كانوا يحترمونه ويقدرونه من منطلق محبته، صاروا يحترمونه خشية منه، وتجنباً لشره، والفرق عظيم بين أن يستجيب لك الناس حباً وببن استجابتهم خوفاً منك، وهذه الخسارة لا يمكن تداركها، فإذا غادرت الناس في منطقة الحب، ورحت الى منطقة الخوف والسطوة، فلا يمكنك العودة إلى الحب حتى وإن فقدت أسباب التخويف، وحاولت العودة إلى الحب. 
يزعجني كثيراً عندما أرى البعض يفرح ببروز حالة من الدهاء المبكر لدى الطفل، والتي يمكن ان تتحرك به نحو الشيطنة، إذ يفقد عندها أعز مدخل في حياته وهو براءته وفطرته وصدقه، وتجعله يتثخن قلباً وروحاً بشكل أسرع وينخرط في لعبة صراع المصالح مبكراً. 

يوسع المعنى مديات (القوة والجمال) المعهودة في ظل محددات الجسد ومن خلال (الروح والقلب والعقل) إلى آفاق أبعد بكثير عن تلك الصورة المحاطة بالحس الداني، وتعطي صوراً متعددة بجمال وقوة مختلفة، تشتغل مرة على وضع متطلبات القوة والجمال الحسي في اطار الاستجابة التي تربط الاشباع والرضاء والتوازن فيها بعلائق اخرى، فتتحول من نهم محموم يتسابق الى المزيد بحركة شعاعية غير منتهية إلى نحو من التحقق الوجودي عبر طقوس انتماء، وتتحول الحركة إلى دائرة تكامل، وهذا يجعل لذة الاشباع في تمظهرات القوة والجمال تسير بمنحنى مختلف غير منحى الكم، بل سيكون الاشباع والتوازن متجهاً الى ادراك حالات من القرب والتحقق باشكال الجمال والقوة التي هي من سنة الروح والقلب والعقل، وهي اشكال تجعل الإصغاء الى ظلامة المظلوم ومناصرته ولو بالانكسار له صورة من صور الجمال، والثبات على الموقف الحق وتحمل الاعباء من اجله صورة من صور القوة، وهكذا تصبح اشكال الجمال والقوة متسعة لفضاء كبير تستطيع الذات إدراك الكثير منها حتى مع عطب ادوات القوة والجمال التقليدية. 

وبمناسبة الحديث عن المعنى لابد لنا أن نشير إلى الاديان بوصفها المعني الاكبر بالمعنى وتنميته وتربيته، والقائمة بالدرجة الأساس على مقولاته، وهنا نؤكد، أنها لا تنشيء قدرات ومصادر للخير في الانسان، بل تحافظ وتنمي وتحفز مكامن الخير فيه، وتعمق حسه الانساني، ومؤشر حقانيتها من عدمه هو مقدار ما تعمقه من إنسانية في الذات، والذي يعني بلغة طقسية مقدار ما تقربنا به من صفات الرب العليا، فالعبادات بمختلف مسمياتها عندما لا تنتج جرس إنذار وصوت زجر وغصة ألم تعتصر الإنسان عندما يخطيء بحق الآخرين ويسبب لهم الألم والاذى ولو من غير قصد، لا خير فيها، ومحلها مكب النفايات، بل المكب انظف منها، وكذلك إذا لم تنتج فرحاً في وجوه الاطفال وتفجعاً للظلم والألم والانكسار وحناناً ورعاية للضعف، فلا قيمة لها ولا تستحق توصيفها وجهدها مهما قيل عن تمامية شكلها الظاهري.

ان اختناقنا الفردي عبر عجز ادوات الاستجابة فينا لتحقيق كل ما نريد وبالشكل الذي نريد تحت تحكيم مسطرة الحس فقط، وضيقنا الجماعي من خلال حمى الاستهلاك البغيضة، وتحويلنا الى اشياء لا تتجاوز اعتباراتها حدود كتلتها المحسوسة، يتطلب منا اشتغال عميق على ادوات المعنى التي اشرنا إليها، وذلك بتقديم سردية جديدة للقوة والجمال، كما ان الدفاع المستميت عما تبقى من فطرتنا هو المعركة الاصعب، وليدرك الجميع أن خط الشيطان كانت ولا زالت معركته اخراج المعنى من دائرة الاشباع والتوازن، ليجد منفذه السهل والمتيسر لتحقيق مشروعه التخريبي.






Share To: