تداعي وتدهور بين
.. كان جيش كليبر غير راض عن مجمل إجراءات مينو الذي سارع وأعلن مصر مستعمرة فرنسية دون العودة لحكومة بلاده، وسبب اعتناقه الإسلام السخط عليه من هذا الجيش خاصة القادة الكبار وانقسم الجيش إلى فريقين قسم موالي لكليبر ويراه قائدا فذا وخسارة كبيرة لهم، ومينو ما كان له أن يقود هذا الجيش وقسم آخر موالي لمينو ويرى أنه يمارس أفعال توطد أقدامهم في الشرق، وازداد النفور من مينو لدى القادة الكبار بسبب تسميته لابنه «سليمان» وهو اسم قاتل كليبر، وبات التفكير مليا في عزل مينو وتعيين قائدا آخر يعد العدة للرحيل عن مصر في وجود انجلترا المتربصة بالبحر المتوسط وجيش الصدر الأعظم وإن أظهر استهانة به، وروسيا لها دورها ضد الصدر الأعظم في تركيا، في ظل تداعي الموقف في أوروبا بعامة والخوف على بلدهم الأم، وهذا المشهد استغرق الكثير من الجدل بين القادة الكبار الذين زاد الرتق بينهم وبين مينو الذي يعتبرهم خونة ولكنهم يبحثون عن مخرج حفاظا على صورة بلدهم بين الكثير من المتربصين خاصة بعد استيلاء الانجليز على مدينة رشيد في معركة كانوب وهنا يجد عساكر فرنسا أن عليهم مواجهة الجيش الانجليزي دفاعا عن الإسكندرية ومواجهة جيش الصدر الأعظم القادم من شرق الدلتا كل هذا في ظل انقسامهم على أنفسهم.
في ظل هذا التداعي يظهر لاسيكاس والمعلم يعقوب ويجددون دعوتهما لتكوين حزب نصراني يكون داعما للجيش الفرنسي ومن ثم فرنسا بعامة، كان يعقوب قد ألف شبكة استخبارات حقيقية وأخبر عساكر فرنسا أن الطليعة العثمانية المتمركزة في بلبيس مكونة من ستة آلاف رجل، ويتمركز الصدر الأعظم في الصالحية بألفين من الانكشارية.
كان الانقسام والخلافات قد بلغت مداها بين مينو وقادة الجيش الذي أمر بالقبض على ثلاثة منهم ورحلهم إلى فرنسا، أسرت انجلترا اثنين منهم ونجا الثالث، وأصبح الضباط والجنود لا يريدون مواصلة القتال، وردا على الهزائم التي مني بها عساكر فرنسا أمام انجلترا والعثمانيين فإن الكثير من عساكر فرنسا الذين عجزوا عن الذهاب إلى القاهرة أو الأسكندرية فروا على سفن انجلترا إلى بلادهم، بعضهم أسرهم الأسطول الانجليزي وبعضهم تمكن من الفرار إلى إيطاليا.
تفشى الطاعون في عساكر فرنسا مجددا بل في مصر كلها حتى قال الجبرتي إن ثلث سكان مصر قد ماتوا بالطاعون، وهنا بدأ مينو بإشاعة أخبار كاذبة (أسلوب مخابراتي معلوم) من أن جيش بلاده استولى على أيرلاندا وأن الأسطول الفرنسي استولى على أرخبيل (بحر إيجة) وأنه ينتظر المدد من بلاده ولم تنطلي هذه الأقاويل على عساكره ولا الجبرتي نفسه مما جعل أحد قادته يقول له:
«يمكننا الصمود حتى النهاية في الأسكندرية لأننا عقب ذلك سنتوجه إلى أوروبا مباشرة ولكن إذا ما اضطررنا إلى إلقاء السلاح بالقاهرة فكيف يمكن اجتياز الطريق من القاهرة إلى البحر ونحن محاطون بجيش من الفرسان الأتراك الذين لا ذمة لهم ولا شفقة عندهم، ومعرضون للهجوم من جانب العرب، ومطوقون من جميع سكان البلد الذين هم أعداء أيضا»
وهنا مزيد من انقسامات القادة على أنفسهم ولكن الأكثرية ترى وجوب الاستسلام، لذا أعلنوا الاستسلام وبدأت المفاوضات في اليوم التالي وبعد ديباجة التفاوض تم إلصاقها على الجدران حتى يعلم المصريون الراغبون في الرحيل معهم إلى فرنسا.
9 أغسطس 1801 يرحل عساكر فرنسا على متن سفن انجليزية، عدد الراحلين ثلاثة عشرة ألف وستمائة رجل من بينهم تسعة آلاف جندي عامل، أما الباقون فيتألفون من المرضى وموظفين مدنيين ومصريين، وبالطبع جثمان كليبر الذي أقيم له حفل تأبين مرة أخرى مع بكاء الجنود الذين يرونه بطلا قوميا، ومعهم لاسيكارس والمعلم يعقوب الذي كان يرغب في إنشاء دولة مسيحية بالنوبة.
أجرى القبطان الانجليزي جوزيف إدموندز حوارات عدة مع المعلم يعقوب وقام بدور الترجمة بينهما لا سيكارس حيث قال:
«أنه يرى أن أي حكومة مهما كانت إنما تعتبر أفضل لبلاده من حكومة الأتراك، وأنه قد انضم إلى الفرنسيين بدافع من الرغبة الوطنية في تخفيف معاناة مواطنيه وأنه مازال يتطلع إلى الاستعانة بالدول الأوروبية إلى عمل الخير لبلاده وهو يتصور أن رحلته إلى فرنسا سوف تؤدي إلى هذه النتيجة، وقد دفعه الفرنسيون إلى تصور أن بلدهم يتمتع بقوة مهيمنة في أوروبا وهو لا يكاد يعلم شيئا عن قوة انجلترا البحرية العظمى على أنه يدرك أن رغبته في أن يرى مصر متمتعة بالاستقلال، هي رغبة محكوم عليها بالفشل في غياب تأييد من جانب بريطانيا العظمى»
ثم قال لا سيكارس إن الجنرال المعلم يعقوب هو رئيس مفوضية حصلت على سلطات أو عينت من جانب أعيان مصر بهدف التفاوض مع أوروبا من أجل استقلال هذا البلد.
ويموت يعقوب بعد أيام قليلة وجرى اتهام العثمانيين بأنهم دسو له السم قبل إقلاع الباخرة، وتوجه لا سيكارس بخطاب انجلترا بأن تتعهد باستقلال مصر وأن ذلك فيه فائدة عظيمة لانجلترا حيث أنها بلدا زراعية لا تنتج أي مصنوعات وسوف تصبح سوقا لهم، ويظل التقرير الذي رفعه القبطان جوزيف إدموندز حبيس الأدراج حتى يفرج عنه جورج داون وينشره عام 1924.
لا يهدأ لا سيكارس حتى يعود بمشروع استقلال للبنان، ثم مشروع استقلال للوطن العربي كله على أساس قومي عروبي كحضانة بديلة عن الإسلام ومن ثم تفكيك الكتلة المسماة بالخلافة بل وشق قلب هذه الكتلة بكيان لقيط يقطع عنوة بلدا آمنا (فلسطين)، بينما تتجه بلادهم لفكر الكتلة فنرى بأم أعيننا أمريكا هي ولايات متحدة ودول أوروبا تتكتل لتصبح اتحادا أوروبيا بينما نحن الآن يجري فينا تقسيم المقسم.
شكيمة الدولة:
قامت الدولة العثمانية بإجراءات من نوع ما لبسط سيطرتها من جديد فأعدمت المماليك الذين تعاونوا مع الفرنسيين والنساء الذين كانوا يذهبون إلى الفرنسيين وعلى رأسهم ابنة الشيخ البكري الذي لم يدافع عنها وجرد هو من منصب نقيب الأشراف الذي أسند لعمر مكرم وتتم مصادرة ثروته ويعيش منزويا يحيا حياة متواضعة، أما اليهود والنصارى يعودون إلى وضعيتهم السابقة مع التذكير بأنهم تحت حماية السلطات العثمانية.
أرجع هنري لورانس فشل احتلالهم لمصر إلى النزعات التي نشأت بين القادة وخوف انجلترا على إمبراطوريتها الوليدة في الهند وإصرار الباب العالي الشرس على الحفاظ على وحدة أراضي الإسلام.
أصدر نابليون عفوا عاما عنهم وأسند إلى مينو وظائف إدارية في إيطاليا.
ادعاء باطل بفك شامبليون لرموز حجر رشيد:
ولنا هنا وقفة مع من أشاعوا هذا من بني جلدتنا اتساقا مع زيف الغرب بعامة الذي يسوسهم وعدم نزاهته في التعامل معنا كمسلمين، فقد عهدنا منهم نسب مخترعات كثيرة لعلماء مسلمين لعلماء منهم وهذا حديث ذو شجون.
كتاب «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام» لأبي بكر أحمد بن علي وحشية النبطي وهو من أسرة آرامية بالعراق، عني بالكيمياء والفلاحة والسحر والسموم والعلوم الخفية وهو عالم لسانيات، تناول اللغات المتداولة منذ نبي الله شيث (لما قتل قابيل هابيل رزق الله آدم بابنه شيث وهو نبي من الأنبياء)
وقد قدمه وترجمه العالم الألماني جوزيف هامر في انجلترا عام 1806 واعتمدت هذه الترجمة في المتحف البريطاني وفيها أن ابن وحشية رسمها سنة 241هجرية ونسخ عنها نسخة سنة 413 هجرية ونسخت الأخيرة عنها سنة 1166 هجرية وهذه النسخة في إيران.
ولنراقب التواريخ جيدا
نقل حجر رشيد إلى لندن 1802 كهدية لملك انجلترا جورج الثالث الذي أهداه إلى المتحف البريطاني ومازال به حتى الآن، وعلى هذا الحجر ثلاث لغات هي الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية، أما فك رموز حجر رشيد والذي تقدم به شامبليون للأكاديمية الفرنسية لأول مرة كان عام 1822 وبذلك يكون ابن وحشية قد سبق شامبليون بألف عام في فك رموز حجر رشيد.
الكتاب موجود على الشبكة العنكبوتية لمن يحب أن يستزيد، ولدي سؤال ملح للقائمين على التعليم والثقافة في بلادنا من المسئول عن تزييف الوعي الجمعي للملايين؟وأين حمرة الخجل.
وإجمالا لما سبق بما سمى بالحملة الفرنسية:
نابليون هو من بذر بذور القومية العربية والقومية المصرية والمارونية اللبنانية والفينيقية السورية لإيجاد حضانة بديلة عن الإسلام الذي يجمع كتلة ممتدة من الشرق والغرب.
نابليون وعساكره هم من أحيوا الوثنيات السابقة على الإسلام لإشاعة البلبلة في النفوس لنظل نسأل وكأننا في موضع اتهام إلى أيهما سننتمي للحضارات الوثنية بأنواعها أم إلى الإسلام بنقائه الفريد وهي أيضا بذرة خبيثة آتت ثمارها على نحو ما.
نابليون أول من بدأ بالحديث عن سرقة فلسطين لصالح الصهاينة.
نابليون وعلماؤه هم من دعوا إلى فصل الدين عن الدولة واعتبروا هذا من قبيل إنجازات حملتهم.
نابليون وعساكره هم من بذروا الطائفية في بلادنا باعترافهم حتى وإن وجدوا لدى غير المسلمين تربة خصبة لإنباتها فلا يعفيهم من سبق الإصرار والترصد.
وهذه جملة من الأشجار الخبيثة التي مازالت تؤتي أكلها المسمومة في بلادنا.
بقي أن أشير إلى أنني في هذه السلسلة تعمدت إلى عدم الاقتباس من كتب أخرى غير كتب هنري لورانس وهو مؤرخ فرنسي رافق نابليون في حملته ولم ألجأ ولا حتى للجبرتي المعاصر للحدث إلا في نطاق ضيق محدود جدا، وفي النهاية اعتذر عن الإطالة.


Post A Comment: