سوق أو شارع العطارين بدمياط  عندما أتجول به أشعر أننى أرتد إلى أعماق الماضى والتاريخ الهارب من الذاكرة، أجوس ردهاته المنسية المتدثرة برماد الأرض، والذكريات الخفية...
يقولون أن البلاد السعيدة  هي التى بلا تاريخ بلا ذكريات .حتى لا تعوق ثقافتها وما تفرضه من منظومة أخلاق وتقاليد وأعراف و سلوك تضغط بما تملكه، من سطوة ونفوذ الماضى على الحاضر وعلى شعبها  أي الطرق تسلك . ليغامر سكانه  ويبدأون بخلق وإبداع  حياة جديدة  بلا  نظرية أو مثال سابق ليمارسوا هم بأنفسهم إبداع حضارتهم ،ليكونوا  هم النظرية والتطبيق فى آن واحد.

أما شارع العطارين القديم الجديد  الذى هو  أشد الأماكن ذاكرة وتاريخ وحضارة، ضاربة موغلة القدم  ، فيجمع بين الماضى والحاضر  والذى يحتوى على  إرث ثقافى يعبر في مظهره  البادي شبه الغامض القابض على أسرار من حضارات شتى ، مناقضة بداخله بعد أن صهرها و أمتص أجمل ما فيها وبقى هو شاهدا عليها ليخبر عنها من يمر هنا . والذى أتمنى عليه أن يبوح لي بأسرار من عبروا منه  قبلي ، أود أن يخبرني أهو حزين على من طوتهم الأرض على مر القرون ببطنها ولم يقطعه ذهابا وأيابا مثلى ؟.... أم هو سعيد بقدوم القادمين ؟أم هو غير عابئ بالجميع ، لا أراه عدة محلات متلاصقة أثناء تجولي بالسوق لا أرى البضائع  أغيب عن حركة البيع والشراء أتذكر من مشى هنا قبلى من يكبرني مر من هنا، أبى ثم جدى أشترى وباع والجيل الأكبر منه أتى أيضا  حتى نصل  للعصر  الفرعونى. أتفرس في وجوه العابرين لم أر  أجسادا بل نفوسا و مشاعر كثيفة  شتى بحجم وكثرة  من عبروا على مر القرون الخوالى. بعد أن تفرست  بعض الوجوه و تقمصت بعض النفوس شاهدت :صراعا داخليا وآمالا وأحلاما على وجوه البشر  تداعبها وخوف من مستقبل ملامحه لاتكاد تبين  ورغبة ورهبة وتطلع وأمل في غد أجمل ...أغيب أكثر أفقد الرؤية الحسية لتتحول الرؤية بالبصيرة لمشاهدة  أحداث من زمن سحيق خلت تتسلل لنفسى بكثافة وغنى وثراء مشاعر لانهائى ...أحاول الغوص أكثر للقبض على لحظة المشاعر الخام الأولى قبل أن تتوزع على ملايين البشر أريد أن أعيش الخوف كله ،الأمل جميعه، الحلم بكثرته ، هل أنا أعيش الآن مشاعر كثيفة غنية نيابة جميع من عبر من هنا ؟.




Share To: