سُميت بهذا الاسم من القدر وهو الشرف كما تقول : فلان ذو قدر عظيم ، أي ذو شرف ، فسُميت بهذا لشرفها وشرف الطاعات التي تكون فيها ، ولعِظَم قدرها و مكانتها عند الله ولكثرة مغفرة الذنوب وستر العيوب فيها فهي ليلة المغفرة .

وقيل لأن للعبادة فيها قدراً عظيماً لقول النبي ﷺ  :

من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه .
 متفق عليه 

أو أن الذي يُحييها بالطاعة والعبادة يصبح ذا قدر أي صاحب شرف ومكانة عند الله .

 وقيل : القدر هو التضييق ، قال تعالى : 

وأما إذا ما ابتلاه فقدَرَ عليه رزقه .

 أي ضيّق عليه رزقه ، ومعنى التضييق فيها هو إخفاؤها عن العلم  بتحديدها ، أو لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم في تلك الليلة .

 وقيل : لأن الله يقدر فيها ما يكون في تلك السنة ، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام ، يقول تعالى :

 فيها يُفرَق كلُّ أمر حكيم .

أي تقدّر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام ، فيُكتَب فيها الأحياء والأموات والناجون والهالكون والسعداء والأشقياء والعزيز والذليل والجدب والمطر .. 

وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة .

وقيل : المعنى أن المقادير تبين في هذه الليلة للملائكة .

 وقيل سميت ليلة القدر لأنها نزل فيها كتاب ذو قدر على نبي ذي قدر لأمة ذات قدر ، وقيل لأن الله يقدر فيها الخير والبركة .

وقتها  :

عن عُبَادَةَ بن الصامت قال خَرَجَ النَّبِىُّ  ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى ( أي تخاصم وتجادل ) رَجُلانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ :

خَرَجْتُ لأخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ ، فَرُفِعَتْ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِى التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ .

 رواه البخاري . 

وقوله : ( فرفعت ) يعنى رُفع العلْم بها عنه بسبب تلاحى ( أي تخاصم ) الرجلين .

قال النووي رحمه الله : 

وأكثر العلماء على أنها ليلة مُبهمة من العشر الأواخر من رمضان ، وأرْجاها أوتارها أي الأرجح والمرجو ليالي الوتر .

وأرجاها ليلة سبع وعشرين وثلاث وعشرين وإحدى وعشرين ، وقيل إنها ليلة معينة لا تنتقل .

 ونقل ابن رجب في لطائف المعارف عن أبي المظفر ابن هبيرة قال : 

و إن وقع في ليلة من أوتار العشر ليلة جمعة فهي أرجى من غيرها ثم قال : 
واعلم أن جميع هذه العلامات لا توجب القطع بليلة القدر .

وقال المحققون إنها تنتقل في العشر الأواخر من ليلة لأخرى فتكون في سنة في ليلة سبع وعشرين ، وفي سنة ليلة ثلاث وعشرين ، وسنة إحدى وعشرين ، وهذا أظهر ، وفيه جمع بين الأحاديث المختلفة فيها ، ثم نقل عن القاضي عياض أن هذا قول مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم .

وقال ابن حجر :

 قوله فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة يحتمل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من العشر الأخير فتكون ليلة تسع وعشرين ويحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر فتكون ليلة إحدى أو اثنتين بحسب تمام الشهر ونقصانه .
 فتح الباري ٤- ٢٦٩ 

وعلى ذلك يمكن أن تكون في الليالي الزوجية بحساباتنا وهو كلام نبه إليه ابن تيمية أيضا 

علامات ليلة القدر :

ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن لليلة القدر علامات مقارنة لها وعلامات لاحقة :

العلامات المقارنة :

١-قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة ، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في بعيداً عن الأضواء .

٢-الطمأنينة أي طمأنينة القلب ، وانشراح الصدر من المؤمن ، فإنه يجد راحة وطمأنينة وانشراح صدر في تلك الليلة أكثر مما يجده في بقية الليالي .

٣-أن الرياح تكون فيها ساكنة أي لا تأتي فيها عواصف أو قواصف ، بل يكون الجو مناسبا .

٤- أنه قد يُرِي الله الإنسان ليلة القدر في المنام ، كما حصل ذلك لبعض الصحابة رضي الله عنهم .

٥-أن الإنسان يجد في القيام لذة أكثر مما في غيرها من الليالي .

أما العلامات اللاحقة :

فهي أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع ، صافية ليست كعادتها في بقية الأيام ، ويدل لذلك حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال :

 أخبرنا رسول الله ﷺ : 
 أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها .   رواه مسلم 

وقال ابن رجب في لطائف المعارف :

وفي ليلة القدر تنتشر الملائكة في الأرض فيبطل سلطان الشياطين كما قال الله تعالى : 

تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر  سلام هي حتى مطلع الفجر .

 و في المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال : 
والملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى .

وفي صحيح ابن حبان عن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال : 

في ليلة القدر لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها .

و في المسند من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال :

 في ليلة القدر لا يحلّ لكوكب أن يرمى به حتى يصبح وإن أمارتها أن الشمس تخرج صبيحتها مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ .

وقال مجاهد في قوله تعالى : 

سلام هي حتى مطلع الفجر .

قال : سلام أن يحدث فيها داء أو يستطيع شيطان العمل فيها .

 وعنه قال : ليلة القدر ليلة سالمة لا يحدث فيها داء ولا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سُوءا ولا يحدث فيها أذى .

وعن الضحاك عن ابن عباس قال : 

في تلك الليلة تُصفّد مردة الجن وتفتح فيها أبواب السماء كلها ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب فلذلك قال : 

 سلام هي حتى مطلع الفجر .

 و يروى عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال :

 لا يستطيع الشيطان أن يصيب فيها أحدا بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد و لا ينفذ فيها سحر ساحر و كل هذا يدل على كفّ الشياطين فيها عن انتشارهم في الأرض و منعهم من استراق السمع فيها من السماء ، 
أما عدم نباح الكلاب فيها فليس صحيحا .

وما يروى عن أنس مرفوعا أنه :

لا تسري نجومها و لا تنبح كلابها .

فإسناده ضعيف

فضائل ليلة القدر :

١-أنها ليلة أنزل الله فيها القرآن قال تعالى :

 إنا أنزلناه في ليلة القدر .

٢- أنها ليلة مباركة قال تعالى :

إنا أنزلناه في ليلة مباركة .

٣- يكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق خلال العام قال تعالى :

 فيها يفرق كل أمر حكيم .

٤-فضل العبادة فيها عن غيرها من الليالي قال تعالى :

 ليلة القدر خير من ألف شهر .

٥- تنزل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة قال تعالى :

تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر .

٦- ليلة خالية من الشر والأذى وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر ، وتكثر فيها السلامة من العذاب ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها قال تعالى :

 سلام هي حتى مطلع الفجر .

٧- فيها غفران للذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل .

 قال ﷺ :

 من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه . متفق عليه

٨- إجابة الدعاء قال ابن رجب :

وذكر أبو موسى بأسانيد له أن رجلا مقعداً دعا الله ليلة سبع وعشرين فأطلقه أي أطلق رجليه وشفاه وعن امرأة مقعدة كذلك 

العبادة في ليلة القدر :

من كتاب لطائف المعارف لابن رجب قال :

أما العمل في ليلة القدر فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال :

  من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .
وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة وقد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضا قال سفيان الثوري الدعاء في تلك الليلة أحب إلي من الصلاة قال :

 وإذا كان يقرأ و هو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافق .

 ومراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء و إن قرأ و دعا كان حسنا وقد كان النبي ﷺ يتهجد في ليالي رمضان ويقرأ قراءة مرتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل و لا بآية فيها عذاب إلا تعوّذ فيجمع بين الصلاة و القراءة و الدعاء و التفكر وهذا أفضل الأعمال و أكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم .

 وقد قال الشعبي في ليلة القدر :

 ليلها كنهارها .

 وقال الشافعي في القديم :

 أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها .
وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر ليله ونهاره .

وقالت عائشة رضي الله عنها للنبي ﷺ : 

أرأيت إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول فيها قال : قولي : 

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني

وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحا و لا حالاً و لا مقالاً فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر .

 قال يحيى بن معاذ :

 ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو 

إن كنت لا أصلح للقرب 
                              فشأنك عفو عن الذنب 

الحائض والنفساء وأصحاب الأعذار في ليلة القدر :

قال جويبر : قلت للضحاك : 

أرأيت النفساء والحائض و المسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب ؟

قال : نعم كل من تقبل الله عمله سيُعطيه نصيبه من ليلة القدر .

لطائف المعارف لابن رجب .

وسئل الدكتور عبد الله الفقيه :

ماذا تفعل من لم تستطع تحرّي ليلة القدر لعذر شرعي وهل يفوتها الأجر فإذا كانت الإجابة بنعم هل يحل لها استخدام حبوب تأخير الدورة؟

فقال :

إن شهود ليلة القدر ليس مقتصرا على الصلاة التي لا تستطيع الحائض القيام بها، وللحائض أن تتحرى ليلة القدر بقدر استطاعتها فتقرأ ما تستطيع من القرآن عن ظهر قلب أي غيباً بدون مس للمصحف على القول الراجح .

وتسبح وتدعو وتستغفر وتتصدق وتعمل أعمال الخير التي لا تفتقر إلى الطهارة من دم الحيض ، ولو استعملت حبوبا لتأجيل الحيض مع الأمن من حدوث ضرر حتى تشهد ليلة القدر وتتحراها، وهي على طهارة كاملة، فلا بأس بذلك، وهى مأجورة ـ إن شاء الله ـ في كل الأحوال، وإن كنا نفضل لها الرضى بما قدر الله عليها من الحيض، وامتثال أمر الله لها بترك الصلاة أيامه.

 والله أعلم.






Share To: