قال لي: هل تراها حقا حملة ذات منفعة عامة؟

أزحت إطار الجريدة عن ناظري وبدا على الكرسي المقابل لطاولة المقهى وهو يشاركني دنانير جريدتي، يقرأ من غير إذن الصفحة الأولى، التي لا أحبها ولا أطالعها في العادة، حيث العناوين بالبنط العريض ومربعات الاشهار هي أغلى مما هو بأحشاء الجريدة، التي أخوص أنا كالمغفل، فيها أتسلى بصفحة الحوادث، قبل ملء جدول الكلمات المتقطعة حالما أنهي فنجان قهوتي.

لم أكن مستعدا للسقوط في حبال شراكه ومقاسمته الحديث، والرد عليه بأن الوشم على الأجساد حرية شخصية لا علاقة للحكومة بها، والوشم رسم فهو فن وليس داء معديا، إنما لذت بصدر الجريدة مرة أخرى متهجما ومتجها إليه بثلاث كلمات: 

 قد تكون كذلك !

كنت أغلي في صمت مثل طفل نزق، من تطفل هذا الأشقر البادية طول قامته من جلسته على الكرسي، ساقان ممتدان في الأفق وركبتان تكادان تطلان على صحن الطاولة، ذراعان طويلتان مختومتان بكفين رهيبتين حتى ليتلاشى طيف الفنجان بين أصابع اليسرى منها، خلته مغتربا في عطلة ربيع يقضيها بالربوع الأولى، أكيد هو يتهجى العربية واستغربت كيف اخترقت عيناه من خلف نظارته السوداء ظهر الجريدة وقرأت معي الموضع في الصفحة الوسطى، انتابني هوس غريب، رحت بين الفينة والأخرى أسترق النظر في نظارته، وأحاول أن أتعرف على طبيعتها والماركة الخاصة بها، سمعت كم مرة عن نية شركات عالمية لاختراع نظارات جوسسة جديدة، قيل أنها تخترق المحافظ والدفاتر فما بلك بصفحات الجرائد الرقيقة !  

لكن لماذا يريد أن يعرف رأيي في الموضوع؟ ازدادت خفقات قلبي، اشتعلت في الهواجس، هل هي النظارات التي تظهر الآخرين عاريا  بالاختراق الصامت! لحظتها ركزت على الموضِع الوشم، وضعت رجلا على رجل وغطيت الفخذ الأيسر بالجريدة بعد إذ طويتها خمس ومرات، ورحت أفكر في خطة للانسحاب، طبعا لن يكون ذلك قبل أن يغفو أو يغفل هذا الوغد ويحول جلوس آخرين على الطاولة الفارغة التي القائمة بيننا دون استمرار رؤية صخب السؤال الصامت في نظرنا المتابدل بين الفينة والأخرى، أو ويحول نظره بالاتجاه المعاكس لطاولتي بالمقهى ليرى المدينة كلها في العراء "ويا خوفي من أن تكون نظّارته خارقة للجدران أيضا" ! قلت في نفسي.

ادخل يدي في منطقة الظل من جسدي في الطرف الأمامي من سروالي، تحسست الموضع جيدا ، كانت أناملي تمسح على فخذي  المنغمر حينها بعرق اللحظة، أقرأ كما أصحاب خط بريل ما هو محفور من زمان على جلدي، فأحزن جدا !

قبل أن يغادر عاد ليقتحم علي صمتي وخلوتي ويؤجج القلق بنفسي "للبيوت حرمتها وعلينا أن نعبر بالكلمات الجميلة أو نمسك أيدينا"

صار ضغط دمي يرتفع ، البيوت، الجدران.. هي نظّارات كاسحة للمادة، ماذا يريد هذا الذي يشبه بطل أفلام بيع الكوكايين، نحن لسنا سوى أناس تكتفي بهدوء الصمت وتتغذى على اليقطين البري وعلقم الصحراء يسري فينا من لحم الجمال التي نأكل كل جمعة، لماذا يخترق ألبستنا وجرائدنا وجدراننا، ليس لنسائنا من شيء يحملنه على أجسادهن من عبق العصور غير عطور بصل الأرض  العطشانة وخبز الأفران الطينية المقببة.

فكرت في أن افتعل مشكلة مع هذا الداعر وأستفزه لمعركة، لا يهم إن انتهت بتحطيم أو أنفي، وهو المتوقع مني، المهم أن تتوج أيضا بتحطيم نظارته السوداء تلك وستر المدينة ونسائها من خلف جدرانها الحجرية السميكة القديمة، قلت له مذكرا:

ـ هذا أسمه حي المسلمين، أعرق أحياء البلدة التي بناها فرنسيون أيام الاحتلال..

لم أسمع منه ردا، طللت بهدوء من أسفل الجريدة فكان كرسيه شاغرا، وعلى طاولته قطعة نقدية بقيمة فنجاني قهوة، هل دفع ثمن قهوتي أيضا؟ أو ثمن قراءته للعناوين على صفحة جريدتي الأولى “الغالية” أم تراه قبض الفرق من النادل من دون أن أعلم؟ لكن كيف انصرم هذا من دون أن يحييني بتحية الوداع، التفت يمينا وشمالا، كأنه اندس في زحمة من زحام الناس كعادة البلدة كل صباح ! 

رحت أشيع بعاد المكان بنظرات دقيقة وأخالني مكانه حامل لنظارته، وأرى أردافه الكبيرة المرصعة بالاوشام بالفرنسية، فهم في أوروبا يرسمون على أجسادهم كل الأوهام التي تصيح في عوالم الافتراض، غلبني الضحك وأنا المهموم بالوشمة المطبوعة على فخذي، ربما كانت على أحدى ردفيه علامة لصاحبته أو لصاحبه أو كلبه،  فكيف سيكون حاله مع بداية حملة "الجلود النظيفة" التي أعلنتها وزارة الصحة، واستوردت من أجلها أحدث عتاد الليز؟ والمنشور خبرها بالجريدة. 

ربما أظهر جواز سفره الثاني، فأعفي، رددت في نفسي !

حملت الجريدة مغادرا المقهى، وعيوني لا يزالها تجوب زوايا الشارع، أتصيد هذا الغريب المارق صاحب النظرات الخارقة الحارقة، وأحاول في كل مرة أدنو فيها من جماعة، محتار فيما علي أن أغطي قبلي أم دبري بالجريدة التي أحكمت طيها وعززت من سُمك الطي عساها أن تقاوم بعض الشيء مفعول النظرات اللعينة، وسرعان ما اهتاج خاطري وفكرت في أن الوغد  يترصدني بقرب البيت فخلت حال زوجتي داخل إطار زجاج النظرات تلك، فأسرعت الخطو إلى البيت، لألقي بنفسي على جسدها وجسد الجنين ذي الشهر الأول في بطنها !

لكن سؤالا كان يقطعني، ماذا سأقول لها حين تعلم أنني معني بـ"حملة الجلود النظيفة" ومحو الوشام بالليز، لأنه ستكون هناك لجنة تفتيش دقيق من وزارة الداخلية والصحة، وربما بدأ الأعوان بنظاراتهم الجديدة المستوردة يضبطون حاملي الوشوم الداخلية، هل سأخبره بحالتي من أنه مجرد حب قديم انمحى من القلب وظل على الجلد؟ 

ستثور في وجهي الحمقاء ! أعرف مزاجها الصعب وطبعاها الحادة، وستتحجج بأن ذلك هو سبب إصراري الدائم في أن نحب بعضنا بلا نور، مذ تلحفنا سقف البيت الحجري القديم، وأنه ليست لذة الرومانسية العمياء كما دأبت على تبريره لها، ساعتها لا أدري كيف سأجيبها وسأكون ضحية ثورة تعيد تشكيل نظام الليل في بيتي، فجأة ارتعبت  وأنا أتخيل وشاما في موضع معزول من جسدها هي الأخرى، أي اسم غير اسمي سيحمل ، أي قلب سيذكر؟ 

دلفت إلى بيت وعرق الأسئلة يغرقني، حسمت أمري وأنا ارتاح قليلا على كنبة صالة الضيوف قبل أن أخلع حذائي حتى، فقررت أن نحب بعضنا هاته الليلة استثناء تحت النور، وبالمرة أشيع بناظري كل المناطق العارية من جسدها ونكشف الأوراق سويا ونقتل الماضي مرة واحدة !

طارت متعة الماء البارد وهو يداعب قدي الفارع العاري تحت المرشة، حين غزاني سواد النظارات، ربما كان على المباشر يتفحصني ضاحكا من خلف جدار الحمام، لكن فكرة أن زوجتي تتصفح الآن الجريدة التي نسيتها على الكنبة، جعلتني اقفز من تحت الماء، مغطيا براحتي موضع الوشم، فوجدتها غارقة في فعلا في أحشاء الجريدة، بصفحة الحوادث، بينما شد نظري العنوان الرئيس بالصفحة الأولى، حملة لتطهير جدران المدينة من الكتابة الحائطية البذيئة، قبل الانتخابات !








Share To: