استوقفَتني، بيدين تُشبهان أوراق الياسمين، أشارت لي تستفسرُ، قالت بصوت لم أسمع لنبرته مثيلًا من قبل:
-مِن فضلِكَ.. أينَ مدرسة القرية؟
بطريقة تليقُ بها، وصفتُ لها الطريق، أومأتْ برأسها شكرًا، فَخُيِّلَ إليَّ أن الشمس توميء في كبد السماء، تركتني واقفًا كجذع شجرة، وانطلقت في الطريق التي وصفتُ، وكزهرةِ عبَّادٍ، أدرتُ وجهي حيث غابت، ولم أدرِ كم من الوقت بقيتُ هكذا.
صخبُ الشارع من حولي انتزعني من غيابي، انتشلتُ نفسي من جمودي وتابعتُ سيري في فوضى الشارع، أين ذهبَ ذلك الصخب لحظةَ وقَفَت أمامي؟ لا أدري، يالطبيعتي! هكذا أنا دائمًا، أنسى ما حولي حينما أكون في أكثر لحظاتي سعادةً.
هربتُ من صخبِ الشارع إلى صخب البيت، ما إن دخلتُ حتى قال أبي:
-سنذهبُ ليلًا في زيارة.. اخترتُ لكَ عروسًا.
دونَ أن أُلقي بالًا، دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب خلفي، العادات هُنا قيود، إذا حاولتَ كسرها فأنت تقطع الخيط الذي يربطك بعائلتك، وأبي، يُناضل دائمًا في صفوف العادات، أمي لا تجرؤ أبدًا على مناقشته في أي قرار، أدري أنني سوف أذهبُ معه، ولسوف يحدث مثلما حدثَ في زيارات سابقة، سأرفضُ، وسيُقاطعني أبي فترة طويلة، كما حدث كثيرًا من قبل، فقط لأنني أحرجته.
كمن لم يشعر بسعادةٍ قط، جلستُ على الأريكة غير عابئ بشيء، أنفض عن رأسي كل هواجسي، دقائق أخرى من الجمود حتى قمت من جلستي، دُرتُ عدَّة مراتٍ كطائرة تبحث عن مَدرجٍ تهبط إليه، انتهى بي الأمر فوق الكرسي الخشبي، أمام المرسم، أمسكتُ قلمي الرصاص وأنا لا أدري أي شيء سأرسم، أنا الآن غير قادر على التخيُّل، يالطبيعتي! أنا لا أستطيع التفكير في شيء حينما أكون في أكثر لحظاتي سعادة أيضًا.
حتى هبط الليل على القرية، كنت لا أزال أجلس أمام المرسم أمرِّرُ قلمي فوق اللوحة، لم يكن في مخيِّلتي شيء سوى تلك الإيماءة التي حُفِرَت بذاكرتي، وحينما انتبهتُ، وجدتُ ملامحها فوق اللوحة أمامي، توميءُ.
انتزعتني طَرقَةٌ على الباب من ذهولي، جاءني بعدها صوت أبي يحثّني على الخروج، دون أن يقول كلمة أخرى عرفت إلى أين سنذهب، فذهبتُ معه وأنا ألعنُ العادات.
في القرية المجاورة انتهى بنا السيرُ، وقفنا أمام بيت بسيط، رنَّ أبي جرس الباب فجاءنا صوت صاحب البيت مُرحِّبًا، دخلنا فاصطحبنا إلى غرفة الجلوس، تبادل مع أبي أحاديث لم أهتم لها، تقوقعتُ في صمتٍ حتى أشار أبي ناحيتي، قال للرجل:
-ابني.. حدَّثتُك عنه منذ أيام.
هزَّ الرجل رأسه مُبتسمًا وقال:
-شرفٌ لنا.
فأردف أبي:
-نقرأ الفاتحة.
صَمَتَا يتمتمان بالفاتحة، وتصنَّعتُ قراءتها أمامهما، ما إن انتهيا حتى صافحني الرجل وشدَّ على يدي، عاد إلى
جلسته فجلستُ صامتًا، قلتُ في نفسي:
-لو تأتي مرة أخرى كي تنتشلني من هنا كما انتشلتني في الصباح من صخب الشارع.
فُتِحَ البابُ، فقام أبي مُرحِّبًا، نظرتُ إلى موضع قدمي وأنا أسمع اصطكاك كؤوس ببعضها البعض، لمّا وَقَفَتْ أمامي لتناولني كأس العصير، مددتُ يدي إلى الصينية فتناولته، رفعتُ وجهي كي أقول: شكرًا فانتزعتني من كل شيء حولي، كما انتزعتني في الصباح، انفلتت منها ابتسامةٌ، فابتسمتُ، أومأتُ برأسي، فردَّت بنفس الإيماءة التي تركَتها في ذاكرتي صباحًا، فتركتُها فوق لوحة المرسم في غرفتي دون أن أنتبه.
لمّا خَرَجَت من الغُرفة وأغلَقَتِ الباب خلفها، اعتذرتُ للعادات، وقرأتُ الفاتحة، سِرًّا.


Post A Comment: