على حافة الجرف كان يقف رجل مسن، على الاغلب عمره يتجاوز الستين، وهو يترنح تارة لليمين وتارة أخرى لليسار، ويظهر عليه أنه في حالة سكر متقدمة، كان يبدو انه لا يستمتع بالمنظر الطبيعي الذي ينبسط أمام عينيه بقدر ما هو تائه في عوالم أخرى ذاتية تسكن في أعماق روحه المسنة. إقترب منه الشاب العشريني، وحينما أصبح بجانبه حيث تفصل بينهما مسافة مترين على أكبر تقدير:

-أيها العم ما أنت فاعل هنا؟

في هدوء أجابه العجوز وهو لا يبالي بما يقول كأنه لا أهمية لذلك البتة:

-أريد مغادرة هذه الحياة، وسأحقق ذلك بارتماء بطولي ومن هذا الجرف العالي كما تلاحظ أيها الولد.

-ايها العم،...هل تظن أن الانتحار فعل بطولي؟

-بالتأكيد حينما تكون الآلام والمأساة طاغية على حياة، المرء يكون التخلص منها فعلا بطوليا ولو من خلال الإنتحار.

أخذ الشاب زفرة طويلة وأردف لها قائلاً:

-إذا كنت انت وفي هذا السن حيث تجاوزت الكثير من الصعاب تقبل على الإنتحار، ما الذي يبقى لنا نحن الشباب نفعله ونحن نرى كل من نجح في التجاوز لا يستطيع نفر الانتحار، إن الحكمة الذي تكرسها للشباب بهكذا فعل هي ان ينتحروا دون اعياء انفسهم مع الحياة والصمود في أمواجها القاسية، ولذا من أجلنا ومن أجل إنقاذنا من اليأس والإستسلام لا تفعلها، فنحن منك نستشف الصبر والقوة والصمود، فكيف لك أن تذمر كل ما قدمته للشباب والاطفال والميؤوسين والبؤساء الذي يعانون كل يوم من مصائب تدمع العين وتقتل احساسات في الفؤاد في لحظة دون تردد؟.

-أيها الولد، عبثا تحاول، وأنت بلسانك قلت ان هناك من يموت في قلبه الف إحساس وألف أمل، فعوض الموت مرة ومرات فليموتوا مرة واحدة فقط ويختصروا الطريق نحو السماء.

-أمهلني لحظة أيها الأب. شرد الشاب للحظة كأنه يبحث عن الكلمات المناسبة التي ستمكنه من الاستمرار في خوض ذلك الجدال إلى نهايته المجهولة: تصور معي الآن أنا أحلامك وطموحاتك، انا أبنائك وأمالك، أقف أمامك وأستجوبك بالقول: لما تخليت عني، لما استسلمت للموت وقتلتني بينما انا كنت أمل الحياة، لما جعلت أيام عمري قصيرة المدى بينما أنا كنت أنبض داخلك في كل لحظة أملا في أن اولد كلحظة انتصار وسعادة في حياتك...لماذا؟، حينها بما ستجيب، يا ترى. هل سترضى بالضعف والهوان والخضوع لظلم الحياة وقتل كل تلك الآمال الرائعة البريئة. إن هذا البؤس والإنهيار لا ينبعث من ذواتنا يا أبي، بل يرتبط بأشياء، أو أشخاص، خارج ذاتنا، ولذا ربما إذا تكلمت معي عن تلك الأشياء التي دفعتك الى ما أنت عليه قد أجد حلا لها.

-يا ولدي دعني أذهب في سلام، أنا أعرف أنك لا تحمل حلا لهمومي، لكن معك حق في فكرة واحدة، وهي أن الموت الذي نختاره أبدا لا نفعل ذلك بإرادة حب فيه، بل تحت قوة الإكراه التي تأتينا من الخارج.

-ها نحن يا أبتي، تحدثنا للحظة وأصبت الصواب، ولذا أنا واثق بأني سأجد كل الحلول وسأقدمها لك كحل لمشاكلك وستكون حكيمة حقيقية...ولا يشوبها شائب للتو، ولذا تحدث ودعنا لا نحكم عن اللحظات القادمة بما لا ندري.

 

في رأيك أيها القارئ: هل يستطيع الشاب إنقاذ العجوز إذا حكى له بؤسه؟ أم تتخيل شيء آخر غير هذا الأمر؟...وانت تحاول الإجابة على هذه الأسئلة تذكر أن أجمل عمل أدبي هو الذي يقودنا برفق إلى عالم الخيال، حيث يتلاشى الزمان والمكان. 







Share To: