كيف لي أن أتقبل دخول شيء غريب إلى جسدي؟ كيف أجلس على كرسي الأشخاص الذين وافقوا على تلقيح جسدهم بلقاح يشك معظم العالم بفائدته؟ كيف لي أن أتركهم يحقنون جسدي بمواد غريبة؟
نعم، أنا وغيري كثيرون، استجابوا لدعوات التلقيح ضد كورونا، فقط من أجل السماح لهم بالسفر ورؤية أقاربهم من جديد..
هل نجح الوتساب والتويتر والأنستغرام والتوكتوك وغيرهم من الوسائل "الشبه" إعلامية في استعمار عقول البشر؟ هل استطاعوا تلوين الإشاعات ومزجها ببعض الحقيقة، تاركين الناس تتخبط خبط عشواء؟ الناس تصدق كل ماتراه عيونهم وما تسمعه آذانهم.. هم لا يبحثون عن مصدر الخبر، يكفي أن يكون الخبر ملفوفا في قالب فيديو كي يصدقوه.. أصبحنا نعيش في عصر العبودية.. مكبلين بقيود الأخبار غير الصحيحة والأخبار الصحيحة التي تنقصها الحقائق والإثباتات.. ونصدق الشاشات الصغيرة، مادامت تنقل لنا أخبارا شبيهة بأخبار الإذاعة والتلفزة والراديو.. وننتقل من العالم الملموس إلى العالم المحسوس.. وها نحن ننتظر السفر إلى الكواكب الأخرى من أجل الترفيه.. فكوكب مارس بدأ بالتحضير لاستقبال الوافدين إليه.. وفي خضم كل هذا وذاك، مازال بعض البشر يعانون من الفقر والجوع والحرمان، لايأبهون لكل ما يحدث حولهم.. فمايعانون منه هو أشد بكثير من كورونا وأحفاد كورونا..
سألت ذات يوم طبيبتي الخاصة:
-"هل التلقيح مُضِرٌّ بجسدنا؟"
-"لا أعتقد.. أنا شخصيا أخذت التلقيح، وأصبت بعد ذلك بكورونا.. التلقيح ساعد جسدي على تحمل المرض.. ولم أُعانِ كثيرا.. أنصحك بالتلقيح سيدتي.."
-"أنا خائفة.. بل مرعوبة.."
-"لماذا الخوف من التلقيح الآن، رغم أنك لُقِّحْتِ عندما كنت طفلة؟"
-"ربما لأنني أقرأ الكثير."
-"ليس كل مايُنشر في المواقع الإلكترونية صحيحا."
-"صدقتِ.. على كل حال، اشتقت إلى رؤية أهلي، والتلقيح أصبح من ضروريات السفر."
-"يجب أن يلقح الكثيرون كي نسطيع العيش بسلام.. فهذا المرض سريع الانتشار."
-"جزيل الشكر لك دكتورة على سعة صدرك، طاب يومك."
-"ويومك سيدتي.."
بعد هذا الحوار الشيق مع طبيبتي، اتصلت بالمكتب المكلف بالتلقيح وحددت موعدين لأخذ اللقاحين (الجرعة الأولى والجرعة الثانية).. وكأنني أحدد موعدين لاستقبال حياة جديدة.. حياة أعيشها بجسد يحمل كبسولة دهنية تحتوي على أجزاء الحمض النووي الريبوزي المرسال أو ما يسمى بالرنا المرسال. هذا المكون الغريب الذي أنتجوه كي يشفر بروتين "سبايك" لفيروس كورونا "سارس كوف 2".
وبعد أخذ الجرعة الأولى، بدأت أتخيل بروتينات "سبايك" تتضاعف في جسدي كي تساعد جهاز المناعة على التعرف على الفيروس ومكافحته في حالة إصابتي بكورونا.. نعم، تخيلت فيلما كرتونيا شبيها بالمسلسلات التعليمية التي كنت أشاهدها في طفولتي.. فمازالت معلومات القصة الكرتونية "كان يا مكان الحياة" عالقة بذهني.. ذلك المسلسل الذي ينقل المعلومات الطبية الحقيقية بطريقة سهلة للمتلقي.. فيجعل الشخصيات الخيالية تحاكي كريات الدم الحمراء كالناس وكريات الدم البيضاء كرجال الشرطة..
ربما هذا الخيال الذي أملكه هو نعمة من العلي القدير، يمنحني القوة ويساعدني على فك شفرات ما يصعب فهمه... بل ويمنحني بطاقة الدخول إلى عالم الكتابة ورش بعض الحبر العربي على الأوراق البيضاء المتواجدة فوق مكتبي، والتي تنتظر بعض الزينة، لعلها تتجول في المواقع الإلكترونية ولعلها تزور القراء الذين يروق لهم ما تخطه يداي.
بعد التجوال في مخيلتي والاستمتاع بمغامرة تلقيح الفايزر الذي استفاد منه جسدي، لبست بذلتي الرياضية، وخرجت إلى أحضان الطبيعة أستمتع بجمال المكان الذي أعيش فيه، راجية من العلي القدير أن يلطف بنا ويمنحنا فرصة لقاء أحبابنا.. فبدون قدرة القادر على كل شيء، لايمكننا أن نحقق ما نرجو تحقيقه.. والتلقيح الذي أخذناه مرغمين، قد يساعدنا على العيش بسلام وقد يمنحنا تذكرة السفر إلى الحياة الأخرى.. "وما تشاءون إلاَّ أن يشاء الله، إن الله كان عليما حكيما". صدق الله العظيم. (سورة الإنسان – الآية 30).


Post A Comment: