لم يستوعب وهو يخرج من مخفر الشرطة محملا بكامل المحتويات إلا المحفظة نفسها! طبعا لا يمكنه سؤال الشرطة كيف انفصلت الأشياء عن المحفظة؟ ومن ذا الذي استبدل خمسة نقود ورقية بثلاث بجيب من جلد رعاة البقر فارغ؟ الشرطة تسأل عما يفعل هو، ولا تُسأل هي عما تفعل، هكذا علمته المدرسة القديمة من البداية حتى صار محاسبا يتقن رص الارقام.

استغرب معه الأمر صديقه الذي انتظر قبالة باب المخفر عودته، وهو يراه يحمل مظروفا طويلا، مثل ذلك الذي ضم استدعاءه من قبل الشرطة:

- كيف عثروا على النقود والأوراق الثبوتية وفواتير غير مدفوعة من غير المحفظة الجلدية؟

- هذا ما لم أفهمه! لا وانظر إلى والى شهادة العمل والثلاثين سنة خدمة التي تحملها بحبرها الأسود، وصور أطفالي مذ كانوا صغارا إلى أن كبروا ولا شيء استأثر بسرقة أي منها!

- حبيبي سرقوا نقودك من غير محفظتها، هذا مدعاة للاستغراب حقا، أما عن فواتريك غير المدفوعة، شهادة عملك بسنواتها الثلاثين وصور زفافك بالأبيض والاسود وصور أبناك بمختلف أعمارهم، أوتراها حقا تهم السارق؟

- لكن لمَ لم يمزقها أو يتلفها؟ لمَ تركها سليمة هل هي من شفعت لي عنده وحركت فيه الشفقة والضمير كي يعيد لي الوريقات الخمس النقدية قيمة معاشي الشهري؟

سكت صديقه وهو يسمع منه تلك الأسئلة البريئة، وقرأ في وجهه الحيرة، الفرحة وفي الوقت نفسه، ملامح الشفقة، ولم يستبعد أن يكون السارق قد رق لحاله، فالسراق على أبواب البنوك ومراكز الدفع أقل فاسدا وأكثر رأفة ممن هم في الداخل، كان في عادة يصف هذا النوع من السراق بـ"الجياع المتوحشين"!

- ما احوجنا إلى مثل هؤلاء السراق من ذوي القلوب الرحيمة!

قال صديقه وهو يضحك مستغربا أكثر وأكثر الظاهرة التي لم يصادف لها مثيلا في حياته الطويلة!

لكنه عاد يسأل عن سر الاحتفاظ بالمحفظة من دون محتوياتها:

- عزيزي ربما أراد أن يحتفظ بذكرى توبته بعد أن رق لحالك ولوضعك المرسوم على فواتريك غير المدفوعة وصورك وملاح صغارك.

- تعرف؟ لو كشف لي عن نفسه لأهديته إياها حلالا زلالا!

- تقصد صورك وشهادة عملك وفواتيرك؟

- أرجوك كفى مزاحا؟ أقصد المحفظة، الرجل شهم ولا يستحق أن يتوب وعلى عاتقه قطعة جلد من بقر الكوبوي حرام، فقط يكشف لي عن نفسه وأهديها له.

- والآن هل ستمر على السوق لتشتري محفظة جديدة؟

هزه سؤال صديقه، صحيح لن يبقي على أشيائه داخل مظروف ورقي طويل عليه دمغة الشرطة، بيد أنه تذكر فواتيره غير المدفوعة، ودائنيه الذين تفهموا الأيام السبعة التي تأخر فيها عن دفع مستحقاتهم عليه، وبالكاد بقيت دنانير لتعبئة هاتفه المحمول الذي رن جرسه الموسيقي على السيمفونية الثامن لبيتهوفن، مع دخوله البيت فوجد نفسه بعد كلمات معدودات يخرج مسرعا مرة أخرى!

تاه بين الطاولات والوجوه المستديرة حولها العاشرة صباحا، حتى رأى يدا تشير إليه باتجاه الطاولة القابعة أقصى الرصيف:

- الحقيقة أنت رجل طيب وكريم..

- شكرا لك.. 

- لقد خرجت بعدك من مركز الشرطة وركبت معك نفس الحافلة وسمعت كلامك لصديقك وأنا أجلس خلفكما.

ثم استخرج الحافظة من جيب سترته وسلمه إياها، أمام ذهوله وعدم قدرته على أن ينبس ببنت شفة:

- ولا أنتظر منك أن تهديها لي لأني لست أنا من سرقها أو احتفظ بها!

- وماذا إذن؟

- مذ قدمت الينا ووضعت اشعارا بالضياع جاءنا أحدهم يسلمنا إياها قائلا بأنه عثر عليها في غابة السيقان بسوق الخضر والفواكه بجنب بائع البصل..

- وملَ لم يأخذها؟

- ربما ضميره!

- وما حكاية اختفاء المحفظة دونما كان بأحشائها!

- لقد أغوت الشرطي المكلف بالودائع بعدما عرف أنها من النوع الرفيع الغالي وقيمتها تفوق ما كان بداخلها من راتبك بثلاث مرات خارج حدود البلد!

- حقا من أين اقتنيتها؟

- أهدانيها امريكي اشتغلت معه كمحاسب قبل أن يعود إلى بلده!

ساعتها فهم معنى ما كان يقوله له ذلك الأمريكي عن تراجع سعر النفط، وهو جالس بردف واحد على مكتبه ودخان سيجار الكوبوي الفاخر كالبخور الذي ظلت جدته تجوب به أرجاء البيت لطرد أرواح الشريرة، يعلو حتى يكاد يلامس السقف:

- سعر النفط اضحى أقل من سعر برميله خاويا!







Share To: