- الإهداء : 
إلى رفيقي محمد صديقا من زمن "واد ڨريانة" جاده الله بالغيث إذا الغيث همى... لقد إنتظرتَ طويلا أيها الجملُ لكنها لم تبعث جوابا و لا كتابا و لا عِتابا...

- التصدير : 
في قلبي حب كثير، لا أعرف كيف أقوله، لمدينة سكنتني و لم أسكنها... لحلب الشهباء، فرّج الله كربتها و كشف غمّتها و ثبّت حُجّتها، و عمّر أزقتها و بلّط أروقتها،  و ضمّخ بروح الياسمين قُصّتها، و جلّى شوكتها، وضوّى شُرفتها و عطّر بحَبّ الهال قهوتها...و سدّد دَفّتَها و أعاد بهجتها و سؤددها و لا حرمني 
و إياكم حبها و مودّتها...
حلب التي جادت علينا بخيرة أسيادنا :  شكري القُوَتلي
 و أمين الحافظ...المتنبّي و ابن خالويه و البُحتري،
 و مصطفى العقاد و ميادة... " أنا بعشقك".
حلب التي أهدتنا "صباح فخري" آخر ملوك العرب في زمن الرّدة و العجب، لكننا أهديناها بدل القبلة سكّينا... آه يا حلب !

في البدء كانت الأسطورة، و لا بد من أسطورة في كل قصة حب نعيشها أو رحلة إبداع خارقة للآفاق نرويها... تقول الأسطورة - يا أحبابي - أنه وُلد فنانا، إذ لما كان رضيعا كان بعض أقربائه يستعذبون بكاءه فيقرصونه ليسمعوا صوته فقد كان لبكائه صوت طروب، نشأ في عائلة تديّن و تصوّف و حبّ إلهي، ختم القرآن في حلقات النّقشبندية... ثم كان لا بد من المرأة، فكانت "خوانم"  المجتمع الحلبي يستدعينه في مجالس الطرب في بيوتهن يشنّفن أسماعهن و قلوبهن بآهات هذا الصبيّ بعيدا عن سطوة الرجال، تنقل بين مدارس العلم 
و مدارس الموسيقى، حتى التقى فخري البارودي النائب و الشاعر، فوهبه لقبه فصار صباح فخري بعد أن كان "صباح أبو قوس"، ثم كان لا بد للبطل أن يتعطّل... ففي سن المراهقة اللعينة بحّ صوته و يبست أوتاره فنشج و بكى صائحا " إلهي... هذا ليس صوتي" و ترك الغناء و مضى إلى مهن أخرى، و ما هي إلا سنوات حتى عاد إلى صوته الغناء و البهاء، فتنقّل بين التدريس و الآذان و وظيفة الأوقاف و الجنديّة...ثم عاد إلى الإذاعات و الحفلات و صار شيئا فشيئا ملك القُدود 
و الأدوار و الموشحات، و حين التقى النهر الخالد محمد عبد الوهاب، قال له و عنه و فيه : "مثلي لا يضيف إلى مثلك شيئا و مثلي لا يعلّم مثلك" فبقيا فقط صديقين حميمين... إنهُما هرمان عرف كل منهما قدر الآخر فاكتفى و ارتوى بحب صاحبه.

شارك في مئات الحفلات لكن حفلة واحدة رفعته إلى الذُّرى من تاريخ البشرية منذ أن عزف أول راع نايه لحبيبته هناك وراء سجوف "أور" التي علّمت البشرية الكتابة قبل ثلاثة آلاف سنة من الميلاد...تسلطن في هذه الحفلة، حفلة كاراكاس... كاراكاس فينيزويلا... فينيزويلا بوليفار و تشافيز... فغنّى أكثر من عشر ساعات مسترسلة رغم أنه كان في السادسة و الستين، فدخل موسوعة ڨينيس بعد أن إستبدّ به الطرب و امتزج فيه الليل بالنهار و عانق الحُب الإلهي حين تجلّى له في أغاني الصوفية و الخمرة الإلهية.

مولاي... أغانيك كرنفال للحواس : فلنا منك صوت عذب نسمعه و عطر شذيّ نتنشّقه و رقص بديع نبصره و راح نكاد نشربه... بل نشربه، و طيف حبيب يمدُ يده فنمسكه،
يفرد جناح الطرب على مملكته مردّدا "إبعثلي جواب و طمّني"... فيستغيث شعب العاشقين "و لو إنو عتاب ما تحرمني"... يطوّع جملته كما يشاء... كيف لا ! و هو ملك الغناء... ثم يمدّ سبّابته مختارا قفلته... و جسده يترنّح من سكر الغناء و الهوى لا من سكر الطّلى.
يرفع ذراعيه و يطرقع وسطاه على إبهامه و يظلّ يدور و يدور مثل خذروف... يكاد يحلق مثل يمامة... و تقف الظباء إجلالا له... يكاد يغمى علينا و لا يغمى عليه... كيف...! و هو النّقشبندي الأخير، 
يا حادي العيس... يا خمرة الحب...يا شادي الألحان... يا بياع الورد..

أنا الآن أطللت على شرفات التّسعين، قضّيتها لاهيا عابثا بين الصّفا و المروة : صفاي الأنين و مروتي الحنين... و لا أرجو سوى رحمة ربّي و لا أطمع إلا في شفاعة حبيبي محمد(ص)، لا وطن لي سوى سجّادتي الحمراء و لا رفقة لي سوى مسبحتي الخضراء... إشتعل الرأس شيبا و وهن العظم منّي
 و ضاعت أغلب الأحلام و نسيت عصاي على سُدوف مدن الرب المنسية و تعبت من انتظار رسائل تأتي أو لا تأتي...
لكن ما أن أسمع صوتك يتهادى " إبعثلي جواب" حتى يورق قلبي و تسري دماء الشباب في شراييني و يملأ نسغ الحياة عظامي الفارغة، فأقفز من مكاني و أرفع ذراعي و أطرقع وسطاي على إبهامي و أظلّ أدور و أدور مثل نقشبنديّ أخير... إيه يا مولاي... لقد إنتظرت طويلا لكن متى ترسل إلينا جوابا
 أو كتابا أو عتابا، أو حتى وردة حمراء من عمي بيّاع الورد ؟؟


- الهوامش : 
* النّقشبندية : طريقة صوفية تنتسب إلى محمد بهاء الدين نقشبند (توفي سنة 791 هجرية).
* بوليفار : زعيم عسكري و سياسي فينيزويلي (توفي 1830 ميلادي).
* أور : مدينة سومرية جنوب العراق كانت عاصمة للدّولة السومرية.
* السجوف : كل سترين مقرونين بينهما فرجة و كل باب ستر بسترين بينهما مشقوق، فكل شق سجف.






Share To: