أخبرت عن نفسها فقالت: ولدت في أسرة فقيرة..تعيش على الفتات الذي يأتي من الصدقات..أبي كان عليلا.. لم يزر طبيبا..بسبب الفاقة.. جسده الهزيل لم يساعده على توفير لقمة تقيه مرّ السؤال..فمد يده لكي يسكت ألم الجوع لعائلة وفيرة العدد..كنت أنا أكبر أخوتي..نجوت من الموت التي تتخطف أطفال الفقراء.. قبل مجيئي خسرت عائلتي مواليد كثر..لا أدري هل أفرح لأنني بقيت على قيد الحياة أم أحزن..؟ لم أدخل المدرسة مثل أترابي..كما لم يدخلها أشقائي اللاحقون..فتحت عيني على بؤس شديد..بالكاد نتحصل على ما يسد الرمق..أما اللباس فكان خرقا بالية..لا تقينا من برد أو حر..منزلنا عبارة عن غرفتين خربتين..في أطراف القرية..بالقرب من المزبلة..النظافة كانت ترفا لا نستطيعه..فالماء عزيز نأتي به على ظهورنا في أوعية صغيرة من حنفية عمومية في وسط البلدة..لنشرب نحن و بعض رؤوس الماعز التي نملكها..كنت في سنوات طفولتي أخرجها للمرعى القريب وأعود بها قبل اذان المغرب..وكثيرا ما حسدتها لانها تبيت شبعانة تجتر ما في بطونها بينما اقضي الليل على الطوى..غير أن المسغبة ستصير أمرا هيّنا في قادم السنوات..أمام شجع الذئاب البشرية..!
مرّت الأيام سريعا..أصبحت ألحظ تغيرات في جسدي..لم أعرها اهتمامي..تكوّر صدري مثل بنات الجيران اللواتي ألتقيهن عادة عند الحنفية..صرت أسمع الكلام المعسول من بعض الشباب المرابطين هناك..لم أنتبه له بتاتا..ظننتهم يتحدثون على فتاة أخرى..كنت أكبر بسرعة وأزداد جمالا دون أن أدري..ذلك الجمال الذي تتمناه كل أنثى تحول نقمة و وبالا في مجتمع لا يرحم..!
لم أكن أفقه أي شيء من أمور الدنيا..حين بدأت مأساتي الكبرى..دخلت نفقا مظلما موحشا..مشيت في طريق بلا نهاية..لم يرحمني أحد..كنت الحلقة الأضعف في كل الحكاية..ولذلك افترسوني ونهشوا لحمي..وكل ذنبي أنني عشت في مجتمع ذكوري..يضع كل المسؤولية على الأنثى..أما الرجل فهو بريء ولو كان هو المعتدي..ملاك طاهر حتى لو تمثل في هيئة شيطان..الحق دائما معه..مهما ظلم وتجبر..فهو الشريف النظيف العفيف الذي لا يلحقه العار..وحدها المرأة التي بوسعها أن تلطخ الشرف الرفيع..أن تمرغ سمعة أهلها في أوحال الرذيلة..!
كان لي ابن عم متزوج يكبرني بسنوات دائم التردد على منزلنا في كل الاوقات..استغل سذاجتي وقطف زهرتي..الحقني في احدى المرات بصفوف النساء..لم أفقه الامر..في البداية..كنت أظن أن ما وقع بيننا مجرد لعبة صبيانية..شيء أراه كل يوم يحدث بين شويهاتنا..حسبته يداعبني ويلاطفني..لم أعلم أنني وقعت في المحظور الذي لا تغفره القبيلة..لاحظت انقطاع الطمث..لم أعر الامر اهتماما..انتفخ بطني بعد أشهر..وكانت الفضيحة..إنني حامل..
تعرضت للضرب من أمي..صرخت في وجهي وولولت..ضربت صدرها وشقت ازارها..هددتني بالقتل..شعرت بالخوف الشديد..هربت من المنزل..لم أكن أعرف الى أين أذهب..الى من ألتجأ..من يجيرني وانا الفقيرة البائسة التي قامت بفعل فاضح..من يسترني ويخفف مأساتي..؟ لم اجد أحدا..!!
قادني أحدهم الى مركز الامن بعد أن وجدني نائمة في احدى الخرائب..قصصت عليهم حكايتي..من ألفها الى يائها..!!
فُتح البحث..تم عرضي على طبيب النساء..كان الحمل في الشهر السادس..حتى الاجهاض لم يعد ممكنا..سأصير أمّا بعد أيام..اعترف قريبي بما فعل..لكن ظهرت مشكلة أخرى..قانونية هذه المرة..لم يكن لي سجل في دفاتر الحالة المدنية..بحثوا كثيرا..دون جدوى..تبين بعدها أنه ليس لي مضمون ولادة..حتى يتم تحديد عمري..كنت اعرف أنني قاصر..لكن بلا دليل..اضطروا حينها لاستخراج شهادة طبية تثبت عمري الحقيقي..فأهلي لا يعرفون السنوات..والدولة لا تعرفني..الا من خلال الاوراق الرسمية..وأنا كنت اسما بلا هوية في تاريخ عائلتي..والآن أصبحت أمّا غير قانونية مثل وجودي في هذه الحياة الملعونة..صرت امرأة في الربيع الخامس عشر..من سخرية الأقدار أن يتم تسجيل ولادتي في اليوم الذي يسبق مجيء طفلي الذي في أحشائي بثلاثة أشهر..!
انتهت القضية سريعا..زُج بابن عمي في السجن..في انتظار اصدار الحكم عليه..رجعت انا الى منزلنا..وهناك ذقت الويلات..مارس أهلي على جسدي كل أنواع العذاب..ضرب واهانات..جوع وعراء..سب وشتم..فاجأني المخاض أخيرا بعد أيام..تركوني لوحدي في كوخ قريب اعاني أوجاع الولادة..خرج الجنين ميتا..كان قطعة لحم صغيرة بلا نبض..كأنه رفض مصيره القاتم الذي ينتظره..تنفس الجميع الصعداء..فقد أراحهم القدر من عبء كبير..أما أنا فقد بكيت كثيرا على فلذة كبدي..الذي مات قبل أن يولد..ذرفت دموعا كثيرة عليه..كالثكلى التي خطفوا منها وليدها..!
عدت بعدها الى حياتي السابقة..أصبحت اتحاشى العلاقات واللقاءات..انطويت على نفسي..فكرت في الانتحار..رغبت في اللحاق بصغيري الذي فقدته..غير أنني جبنت..تركت مصيري للأقدار تقلبها كيفما شاءت..
ثم جاء الفرج او هكذا خيل الي..طلبني شيخ طاعن في السن ماتت زوجته حديثا من مدينة مجاورة للزواج..قبل أهلي به وزفوني اليه بسرعة..كانوا يريدون أن يتخلصوا مني كأي حيوان أجرب كريه..لقد حمّلوني مسؤولية هذا العار الذي لحقهم..فالمرأة دوما في نظرهم هي سبب البلاء..أما ذلك الذئب البشري فلا جناح عليه لأنه رجل..!
انتقلت الى بيتي الجديد..كان زوجي يعاملني بلطف في بادىء الامر..ثم تغيرت تصرفاته فجاة..فما وقع لي في الماضي ألقى بظلاله..كنت في موضع الاتهام دائما..فانا البغي التي أضاعت شرفها وهو من انقذني من تلك الهوة السحيقة..صبرت على اهاناته المستمرة..حتى رزقني الله بولد..كان قرة عيني..هدية من السماء..تؤنس وحدتي..وتجعل لحياتي معنى بعد كل هذا الشقاء..لكن زوجي تمادى في تصرفاته..حبسني وأذاقني العذاب ألوانا..فحملت صغيري وعدت أدراجي الى أهلي..طلبت الطلاق وحصلت على مرادي..نذرت نفسي لرعاية الولد وتربيته..فلقد اكتفيت من الدنيا التي لم أر منها شيئا سوى ليلها الدامس..!!

Post A Comment: