أزعم أن من يدخل في مجال النقد يحاول أن يبحث عن جمال وقبح في النص الأدبي فيتناوله ليظهر الجيد من الرديء في حروفه حسب التعبير العربي القديم عند "محمد بن سلام الجمحي"
لكني دوماً حينما أدخل إلى النص تكون كل أمنياتي أن أستمتع بما كتب المؤلف ، والحقيقة ….أني حينما تناولت المجموعة القصصية للكاتبة / إيمان عنان فعلت هذا وقد حصلت من المجموعة على ما أريد من متعة قراءتها…………. لأنها تمتلك لغة رقيقة حيث يمتاز أسلوب الكاتبة بالرومانسية المنسابة بنعومة على سطورها بكل سلاسة وجدية في آنٍ واحد فهي تحمل على عاتقها رسالة من المرأة
لكل رجل أن: ((يكفي خذلانا )).
ثلاثة وثلاثون قصة بالمجموعة سأختار منها بعض الأمثلة ..وأترك الباقي للقارئ يتمتع بقراءتها.
نلاحظ الجانب الأنثوي المفرط بالعطاء المعنوي والمشاعر المدعمة بالتفاني بالحب .
فيتأكد ذلك حينما يسير الخط الدرامي الرومانسي المعطاء بمعظم المجموعة موازيا الأخذ على الخط الآخر حتى يصلا الي النهاية البائسة عند لافتة "الخذل "ليستمر قضيبا القطار في عدم التلاقي كأنه قدرٌ مرسومٌ للمرأة
مثال لهذا أجده في "كنت لك"
بالقصة تتخذ الكاتبة الأسلوب السينمائي فنعيش أحداث القصة كالفيلم ، فتتحول الكلمة الذهنية في النص السردي إلى صورة مرئية بالعين ، حين تسير الأحداث جنبا الى جنب مع الحلم الذي يقض مضجع البطلة كإشارة لشخص البطل..والخوف الداخلي المتمركز بالعقل الباطن لنتعاطف مع البطلة ، فنرى الذئب يطارد البطلة الهاربة منه بكل قوتها ………..حتى تتصاعد الأحداث بتغير مشاعر الرجل تجاهها .
وتصل للذروة عندما واجهت الذئب بمشهد مروع يصور ملامحه وقرب انقضاضه عليها لتصرخ وتنهض من كابوسها الرهيب على كابوس واقعي بخذلانه لها وهجره القاتل لكل أحلامها
وبقصة "لا تنتقد خجلي"تتضح رؤية الكاتبة في مكالمة هاتفية ربما كانت عنواناً أفضل للقصة ففي المكالمة مضمون القصة فكلا الطرفين يبحث عما يفتقده ولايستبعد ما يريده الآخر
وهو بوجهة نظري ليس حباً بل احتياجاً …والاحتياج هنا يعتمد على الأخذ أكثر من العطاء ، كما أنه يدين بمذهب الأنانية بعض الشيء ،فلم يستمع أيهما لإحتياج الآخر ؛لو كان حباً حقيقيا ً ..لاستمع القلب وتعمقت الروح وتفانى كلاهما لسد حاجة الآخر.
"حدثتني عن الحب ..حدثتك عن الأمان"
"حدثتني عن الجمال ….حدثتك عن الاحتواء"
"حدثتني عن النضوج…حدثتك عن الطفلة القابعة بداخلي"
احتياجه ……مادي حسي
احتياجها……. معنوي بحت
لن يتلاقيا أبداً …لكنه الإنجذاب
انبهارها كان أقوى من وعيها
رومانسيتها ترتدي ثوب الخجل وتواري دقات قلبها الشغوفة
هو المحنك ذو الخبرة ؛الباحث عن الحب بمعناه المادي ؛لن يستمع أبداً لنبضها .بل لصوت الجسد فقط .
لتنتهي القصة بالخذلان مرة أخرى فلن يلتقِيا أبداً حيث إن بينهما مسافات الإحتياج المختلف .
وأجد هذا المسار في "صفعة خذلان"الانتظار المدعم بالمشاعر …إلى أن يتم الخذلان
وأجد تشابهاً بين قصتي "كنت لك" و”لا تنتقد خجلي"في الرومانسية المفرطة من الجانب الأنثوي وتنضم إليهما "صفعة خذلان" لاظهار شُح العاطفة من الجانب الذكوري ليسير خطا الدراما بنفس الرؤية والخطى …إلى أن يتلاقيا بنفس بوابة النهاية المكتوبة بدموع كل أنثى تعرضت للخذلان .
وبقصة "باب المعبد "تصبغ القصة بلون الخيال فهناك بعض الأماكن تحيي الذكريات وينبعث من مصباح العقل الباطن ماردٌ يجبرنا على التذكر حتى لو احتسينا كؤوس النسيان كل ليلة.
وهناك بقصة "أنوثة مؤجلة"نموذج للمرأة الوفية بأسلوب مختلف كيف تعيش البطلة حياتها مؤجلة أنوثتها وتخفيها وراء ستار من القوة والفظاظة .. ربما لتنفر أي رجل منها ..وهي الهشة الضعيفة بداخلها ؛تظهر عكس ماتبدو لتعيش وذكرى لحبيبٍ مات فدفنت حياتها تحت شاهد قبره .
لاحظت اللجوء المتكرر للمرآة في معظم القصص والمرآة مواجهة مع النفس …وكأنه حديث مصارحة صامت .
ويتكرر الضمير الغائب …….وعدم ذكر الأسماء..يدل على انها شخوص بيننا ..بل هي أنا وأنت وهو وهي
وعدم التركيز على الوصف والملامح راق لي..فالأحداث بل المضمون هو الأقوى والأهم والذي حملته الكاتبة برسائلها الموجهة.
وهنا أحيي الكاتبة على تبنيها لقضية كل امرأة متفانية في بذل مشاعرها …..مُحبة حباً حقيقياً أوخُذلت وصُدمت برجل كانت قد وضعت في يديه أمنياتها فضيعها وضيع كل الأمنيات .
وعرضها نماذج من الحياة والواقع الذي نعيشه بسردٍ يتسم بالبساطة وقوة التعبير لنعيش معها كل قصة بكل مشاعرنا وتعاطفنا.
قدمت لنا الكاتبة"إيمان عنان" مشاعر وأحاسيس أنثوية متأججة جعلت القارئ متعاطفاً مع بطلة قصصها دوما في كل قصصها متألماً لألمها.

Post A Comment: