من الحكم المتداولة عبر الأجيال أنه يجب على الإنسان أن يقدم العقل على العاطفة، والمنطق على الهوى؛ ولا زال الناس يعدون من أمارات رجاحة عقل المرء أنه يقدم ما يمليه العقل والمنطق على ما تمليه العاطفة والهوى.

والواقع يشهد لهذا الأمر؛ فإن العاطفة والهوى في العادة يحملان الإنسان على البحث عن السعادة واللذة المؤقتة، حتى وإن كان سيعقبها أضرار والآم طويلة، ويحملان الإنسان كذلك عن الابتعاد عما فيه مشقة وتعب حتى وإن كان سيتحقق منه مصالح كبيرة.

أما العقل والمنطق فإنهما يحملان الإنسان على تدبر عواقب الأمور والنظر في المآلات، فيبتعد عما فيه لذة وسعادة مؤقتة إذا كان سيتسبب في أضرار وآلام طويلة المدى، ويحملانه كذلك على الإقدام على ما فيه مشقة وتعب ما دام سيعقب ذلك راحة طويلة وتتحصل منه مصالح كبيرة.   

لكن مشكلة الإنسان الكبرى تكمن في استجابته لداعي العاطفة والهوى ونفوره من داعي العقل والمنطق؛ وذلك نظراً للضعف البشري أمام إغراء اللذة والسعادة اللحظية. ويترتب على ذلك كل ما نراه من مظاهر الإخفاق الدنيوي والأخروي.   

ويمكنك القول بكل ثقة وطمأنينة: إن شقاء الإنسان في الدنيا أو الآخرة قد جاء من إيثاره ما يسعده ويلتذ به على ما ينفعه ويفيده!

وشواهد ذلك لا تحصى، فمن أمثلة ذلك:

المخدرات والخمر وسائر المسكرات ومغيبات العقول تسعد الإنسان وقتياً وتعطيه اللذة لكنها لا تنفعه، بل تضره.

 التدخين والإسراف في تناول القهوة والشاي يضر الجسم صحياً ولا ينفعه لكنه يحقق سعادة ولذة نفسية للإنسان، يؤثرها أكثر الناس على صحتهم الجسدية.

الإكثار من تناول الحلويات والسكريات والدسم والأطعمة سريعة التحضير لا ينفع جسم الإنسان،  بل له ضرر بالغ عليه ويسبب السمنة وغيرها من الأمراض، ومع ذلك فتناولها له لذةٌ تسعد الإنسان؛ فلا يتوقف عنها إلا مع التهديد والخطورة على حياته.

متابعة المباريات والمسلسلات ومواقع التواصل تهدر الأوقات وتضيع الأعمار، لكن يتعلق بها أكثر الناس لما تسببه لهم من سعادةٍ وقتيةٍ ولذةٍ حاضرةٍ حتى وإن كانت على حساب ضررهم الديني أو الدنيوي.

وفي المقابل:

ممارسة الرياضة بانتظام ينفع الجسم ويفيده وأكثر الناس لا يحافظ عليها؛ لأنه ليس في ممارستها من اللذة ما يجده الإنسان من لذة الكسل ومتابعة التلفاز أو الانترنت.

الأكل الصحي واتباع الحمية مفيد ونافع جداً للجسم، لكن لا لذة فيه، بل فيه ألم وحرمان، لذا ينفر منه الإنسان إلا مع الاضطرار والضرورة.

المذاكرة والاجتهاد في الدراسة أو العمل= مفيدٌ ونافعٌ للإنسان في زيادة دخله المالي وتحسين وضعه الاقتصادي ومكانته الاجتماعية، لكنه خالٍ من اللذة بل شاق على النفس لما فيه من تعبٍ وألمٍ، ومن ثَم يؤثر الناس على الجد والاجتهاد الكسل َ والبطالةَ واللعبَ واللهوَ.

والدواء نافع ومفيد للشفاء من المرض ورجوع الصحة، لكنه لعدم لذته تنفر منه الطباع، ولولا تغليب العقل والخوف من استفحال المرض= لما تناوله الناس، وإنك لتشاهد في الانتكاسات المرضية ما يكون سببه تقصير المريض في تناول الدواء وإهماله في ذلك.

والأمر ذاته فيما يتعلق بالآخرة:

فالشهوات والمعاصي والذنوب لها لذةٌ حاضرة ٌتغري الإنسان لارتكابها والظفر بها، لكنها لا تنفع الإنسان في دنياه أو آخرته، بل على الضد من ذلك تضره وتهلكه، لكن لأن الإنسان من طبعه تقديم ما يلتذ به على ما ينتفع به= فهو يؤثر اللذات العاجلة الحاضرة للذنوب ولا يلتفت لما يعقبها من أضرار أخروية أو حتى دنيوية.

وبالمقابل، فالأعمال الصالحة والعبادات نافعة للمرء في دينه وآخرته بل ودنياه، لكن ليس فيها اللذة الشهوانية التي يفضلها الطبع البشري، بل فيها المشقة والألم.

فمثلاً، الصوم نافع لدين المرء وذخرٌ له في آخرته، لكن ليس فيه لذة الأكل والشرب، بل فيه ألم الجوع والعطش. وقيام الليل وصلاة الفجر نافعان كذلك في دين المسلم وآخرته، لكن ليس فيهما ما في النوم من لذة وسعادة، بل فيهما عناء السهر والاستيقاظ وقطع راحة النوم.

والحِلم والصفح نافعان وأجرهما كبيرٌ، لكن ليس فيهما لذة الانتصار للنفس وإمضاء الغضب والانتقام، لذا يتخلى عنهما أكثر الناس.

وبالجملة، فكل خيرٍ وفضيلة ونجاح للإنسان في دينه أو دنياه= راجع إلى إيثاره وتقديمه ما ينفعه على ما يلتذ به، وكل شرٍ ونقيصةٍ وفشلٍ للإنسان في دينه أو دنياه= راجع لإيثاره وتقديمه ما يلتذ به على ما ينفعه ويفيده.

وكلما زاد عقل الإنسان وبصيرته وتحكمه في نفسه= زاد تقديمه لما ينفعه على ما يلتذ به، ويتفاوت الناس في ذلك تفاوتاً عظيماً، بل الشخص الواحد تتفاوت أحواله في ذلك، فتارةً يؤثر النافعَ والمفيدَ وتارةً يؤثر المُستلَذَّ والمُسعدَ.

 والعاقل اللبيب من كان إيثاره لما فيه النفع أكثر من إيثاره لما فيه اللذة.







Share To: