النوافذ
كانتْ نوافذُ تلك القُرى ورقاً
ليِّنا، وصبابتُها ورقاً
ليِّناً، والشفاه
تفتَّحتِ الرِّيحُ خلفَ صناديقِها،
شجراً
من غُبارِ المياه
كان رمل الحدائق يشحُبْ،
والصيف يُشعل أشجارَهُ المطمئنّة، أدركْتُ
أنَّ الرحيلَ سيكبُرُ في فُسْحةٍ
خلفَ ذاكرتي،
ونخيلَ النوافذِ يصعَدُ،
يصعَدُ
يصعَد
يلمسُ المطرَ المتباعدَ..
(في سعَفِ الماءِ
صفصافةٌ تشتهيني
تتفتَّحُ كالحَجَرِ اليابسِ، المرتخي
في جبيني)
ليسَ لي في يديهِ هوىً،
إنَّ لي
خبزةً ناحلةْ
تخبّئُ أوجاعَها،
في المياه، المشقَّقةِ الذّابلةْ
مطرٌ للهوى، مطرٌ
للرّحيل المحاصَرِ بين الحقائبِ ،
لكنَّ حِمْرِينَ يبتلُّ بالرّيح ،
يعرض للرّاحلين كآبته المستطيلة
يباعد بيني وبين الطيور التي غسلتْ
خوفها بالكهولةْ
نوافذها ورقٌ...
......وصبابتها ورقٌ
…….
غبار ورمل وشجر وريح ومطر وعواصف كونية وعاطفية، فماذا تفعل النوافذ الورقية اللّيِّنة أمام هذا الإعصار الطبيعي والشعري للشاعر علي جعفر العلاق، الذي صنع طقسا عبقريا ليوقظ القارئ ويجعله في مهبِّ القصيدة ورقا يتطاير لا يملك من أمره شيئا، فينساق في مهبّ القصيدة، وَرَقةً تتطاير وتتقاذفه صورها وتحُطُّ به حيثما تحطّ ريح القصيدة، حيث النوافذ الورقية الهشّة التي لا تمنعه من شيء، وما يلبث هذا الغبار والريح أن تهدأ كونيا في المقطع الثاني، إلا أن وهج الشاعر وأزيزه الشعري لا يزال (والصيف يشعل أشجاره المطمئنة) (أدركت أن الرحيل سيكبر خلف ذاكرتي) الرحيل سيكبر صورة تناسب العلاق، وتناسب شاعريته وتناسب نخيل النوافذ المسافرة، التي هي شاهدة على المسافرين، والتي تمر سريعا من النوافذ بسرعة زمن الرحيل والمغادرة وآلة الرحيل (ونخيل النوافذ يصعد.. يصعد.. يصعد يلمس المطر المتبعاد)، وتكتمل الصورة صورة الرحيل والنوافذ بصفصافة ليس كأية شجرة، بل إنها التي تشتهي الشاعر وتتفتّح في جبيته، لكنها من أثر الرّحيل تكون حجرا يابسا في جبينه وكأنه يذكرنا برفسة من فرس في جبين أمل دنقل، وأخيرا في قصيدة النوافذ يختتم الشاعر بما أفرزته الريح من مطر طبيعي ومجازي وعاطفة مشتعلة، فمطر الطقس ومطر الهوى والغياب، والرحيل المحاصر بين الحقائب، فتباعد هاته المكونات بين الشاعر وبين الطيور المعلقة بين السماء والأرض، وقد غسلت خفها بالكهولة: كهولة الطبيعة، وكهولة الشاعر الذي ما زال يكرر في ختام قصيدته (نوافذها ورق وصبابتها ورق).

Post A Comment: