الحياةُ ليست رائعة كما ينبغي أن تكون، حيث القوة والثبات، الكّر والفّر، التشتتُ والتبعثرُ الذي يدثرك، حيث أنك جئت كلاجئيٍ لها بَيد أنها غمرتك بعطف وحنان دائم وقد تجعلك تحتسى الحنظل بصدرٍ رحب، أنها تعطيك كل شيء بقدر كافي حتى ذاك الإخفاق قد تعطيك منه بكمٍ أكثر من كثير، حَمقى يحلقون حولك كأتربة عالقة في الهواء أو أوكسجين لابد من استنشاقه، شخوصٌ جاءت لتغزو فكرك وتشتت ما تصبو له؛ تقذفك بعبارات قذرة؛ لتخرج من جوفك بَنات شفاه أكثر قذارة، دون أن تدرك أنك تتألم أكثر منهم، أوضاع تُبشر بأن القادم أسوأ ولكنك كالجبال لابد أن تصمد، ضغوطٌ حياتية من عالمٍ غير منصف.

تقبع بقريةٍ صغيرة متشعبة الطرق، قرية تُحطم بَنيها من جراء المعاناة، لعنٌ وشتمٌ أينما رأيت جمّاً غفيراً، إساءات تنهال أينما وجهتَ وجهك. 

يستهويك هوس المغادرة والغربة، قريةٌ تطوف حولها لتؤنبهم بأن القادم أجمل؛ ستتغير تلك التي تسمى معاناة وجدب؛ ستكونون سعداء كما أردتم " يخبرك أحدهم أنك مجرد إنسان ذو حلم وردي، ولابد أن تتغير عقليتك، قرية هجرها أبناءك ولا يريدون العودة، ماتت أمك من سوء طبيبها لا حياة فيها" وآخر يلفظك بأنك لابد قد اختل عقلك من جراء ما يحدث، تبتسم لتلك التُرهات، لا يعلمون أنك تئن ليلاً مثلهم من ألم الغربة داخل وطنك، غريب في وطنك رغم أنك ابن بلدٌ، تلتوي وجعاً مثلهم، غير أنك تؤمن بأن لك رباً سيرزقك، تنثرُ النصائح هنا وهناك علّك تجد من يتقبل فكرة أن الوطن كينونة باقية وحب يتجدد يوم تلو الآخر، تعود أدراجك، تراقب بصمتٍ، ترى ما يحدث بترقبٍ، يخبرك أحدهم لمَ أنت بكل هذا الجبروت أيعجبك ما يحدث من أحداث مؤلمة تبكي الحجر ولا تبكيك؟ 
قاسي أنت كالبحر! 
نعم أنت كالبحر ظاهرك هادئ وتختزن مشاعر اليأس بعمقك، تؤمن بأن ما يحدث لن يتغير بكلمة منك أو منهم، ترمقه بنظرةِ يأسٍ بائنٍ، وابتسامة طفيفة كأنك تخبره بأنك رجلٌ لا يهمه ما يحدث، تقبع بتلك النقطة تناجي ربك الأوحد القادر على فهم وجعك. 
قريةٌ يسّبها كل من يعرفها أو قد سمع عنها؛ تؤلمه المآسي ويغلفه اليأس، ينتفض داخلك ذاك المصلح الاجتماعي تارة أخرى لجعلهم يدركون أن الوطن لا يتغير والولاء يثبت كالجبال، ليجيبك أحدهم بأنك "أنت مجرد بيدق لا تملئ علينا واحتفظ بذاك الوعظ لنفسك حيث أنك لا تدرك معاناتنا" تعتصر الغصة بحلقك ويغلبك قول كلمة أخرى كأنك غريباً عنهم، ثم يليه آخر "عندما تضيق بك أكثر ستعرف ما سيحدث لك، هل ستبقى تقول كما تقوله الآن" تدرك أنهم محقون وأن النهاية قد دنت كما يزعمون، تجيبهم بأنك باقٍ دون قيد، ستعمر وتبقى أسير قريتك رغم قساوتها الموحشة، جدبُها وقحطُها من كل شيء حتى سلام أهلها، ستتلون الحياة كما يجب أن تكون، ستفرح وستسعد كما يجب، ضحكاتٌ تضج بذاك المجلس، كلمات رعناء تلاحقك، همساتٌ بأنك فقدتَ عقلك وسط الجموع. 
هل يجب أن تكون مثلهم غير مبالي كما يجب أن يكون؟ 

الشعوب تُبنى بأهلها وأبناءها، أنت تدرك تتفهم تلك الكلمات وغيرك يراك سفيهٌ ويتملكك حب الوطن الزائد، مجتمعٌ متيقنٌ بأنك ستندم من هذا الاعتقاد. 

تمر السنوات واحدة وتعقبها الأخرى، سيعتلي الشيب هامتك وأنت تقف على حافة مدخل تلك القرية بصمتٍ مهيب، يرعبك ما يحدث كل صباح، أفواجٌ تغادر دون عودة ولا تستطيع قول كلمة، يعصرك الأنين من الداخل، مغادرةٌ فقط دون أن يتّرجل ولو كهلاً ليلقى عليك التحية، في تلك اللحظة ستكون بين قاب قوسين أو أدنى؛ الفرار أم البقاء في قرية يغادرها أكثر من الزائرين لها، تشاهد تضاؤل تلك البيوت وتقلصها، قلة الأصوات عند الليل بازديادٍ، هدوء كالمقابر يدثرها، البهائم يندر ضجيجها. 

في ذاك الأوان ربما ستندم أو لا، لكنك بالكاد ستحنو لتلك الأيام، حيث الصبية والشباب كيف كانوا يرتعون، بَيد أنك تحب قريتك أكثر من تلك الشخصيات، ستبكي شوقٌ لمن رحلوا عنك مودعين لك، ستشتاق لما كانوا يقولون وأنت تتأرجح بذاك الكرسي البالي. 

يمر أحدهم بجانبك ويسألك "جُلهم غادر وبعضهم سيغادر أيضاً ماذا عنك"، ستجبيه أنك باقٍ كركيزة تستند عليها هذي القرية، سيعود من رحل إن لم يكن الآن ربما عند موتي أو بعده، سيشتاقون لنعمة السكينة والهدوء، سيدركون أن القلق سيقتلهم، والتسرع سيجعلهم يندمون، سيزرفون الدمع لأن داخلهم امرؤٌ يجزع، سيحنون لدفء القرية ونسائمها، لتُربتها وأناسها وقبل ذاك أو هذا سيدركون أنهم لها وهي لهم.






Share To: