في رحاب المسجد الأقصى | بقلم أ.د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة
![]() |
| في رحاب المسجد الأقصى | بقلم أ.د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة |
لما انتهت رحلة الإسراء بوصول رسول الله ﷺ إلى المسجد الأقصى، لم يكن هذا الوصول مرورًا عابرًا ولا محطة انتقال فحسب، بل كان مقامًا مقصودًا في ذاته، أمضى فيه النبي ﷺ وقتًا شاءه الله تعالى ليقع فيه من الآيات ما يربط الرسالة الخاتمة بجذورها، ويُظهِر مكانة هذا المسجد المبارك في مسار الوحي. فدخل رسول الله ﷺ المسجد الأقصى، وربط البُراق في الموضع الذي كانت الأنبياء تربط فيه دوابها، في إشارةٍ ظاهرة إلى أن هذه الأرض مألوفة لمواكب النبوة، وأن الرسالة التي جاء بها ﷺ امتدادٌ لما سبقها من رسالات.
وفي هذا المقام صلّى رسولُ الله ﷺ بالأنبياء إمامًا في المسجد الأقصى، فكان ذلك من أعظم المشاهد التي شهدها هذا المسجد المبارك، إذ اجتمع فيه الأنبياء خلف خاتمهم ﷺ في صلاةٍ جامعة، لا على سبيل التشريف الشخصي وحده، بل إعلانًا ربانيًا لقيادته الرسالية، ووحدة مصدر الدعوة، واتصال طريق التوحيد عبر العصور. وقد دلّ هذا التقديم في الإمامة على مقامه الشريف وعلو منزلته، فهو الإمام الأعظم والرئيس المقدَّم، كما نصّ على ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لسورة الإسراء، وبيّن أن في إمامته للأنبياء إظهارًا لشرفه وفضله عليهم، وأن هذا التقديم كان عن إشارةٍ من جبريل عليه السلام. وتؤكد هذا المعنى النصوص الصحيحة في تفضيله ﷺ، ومنها قوله: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشق عنه القبر، وأوّل شافع، وأوّل مشفَّع». وكانت هذه الصلاة بيانًا عمليًا أن الشريعة الخاتمة جامعة لما قبلها ومهيمنة عليه، وأن المسجد الأقصى ليس موضعًا تاريخيًا مجردًا، بل قلبًا نابضًا في مسار الإيمان، كما التمس بعض أهل العلم في هذه الإمامة إشارةً إلى انتقال قيادة البشرية الدينية والروحية إلى أمة محمد ﷺ، لتكون شاهدةً على الناس، كما كان نبيها إمامًا للأنبياء في ذلك المقام المبارك
ثم مكث رسول الله ﷺ في المسجد الأقصى هذا المكث المبارك، يتلقى ما شاء الله أن يتلقاه من آيات، ويتهيأ لما بعدها من عروج إلى السماء، في سكونٍ وجلالٍ يليق بالمقام. ولم يكن هذا التوقف بين الإسراء والمعراج فراغًا زمنيًا، بل فصلًا مقصودًا بين مرحلتين عظيمتين: مرحلة السير في الأرض وربط بقاعها المقدسة، ومرحلة العروج إلى السماء ومشاهدة آياتها الكبرى. فجعل الله الأقصى حدًّا فاصلًا بين الأرض والسماء، ليبقى شاهدًا على أن هذا المسجد المبارك موضع التقاء الوحي، ومسرح اجتماع النبوات، وبوابة العروج إلى السماوات العلا.
وهكذا كان الوقت الذي أمضاه رسول الله ﷺ في المسجد الأقصى وقتَ تقريرٍ للمعاني، وربطٍ للمسارات، وتثبيتٍ لمكانة هذا المسجد في عقيدة الأمة، قبل أن يُعرج به إلى السماء، في رحلةٍ انتقلت فيها الرسالة من أرض الإسراء إلى آفاق المعراج، بتقدير الله وحكمته.


Post A Comment: