من الأقصى إلى السماء السابعة | بقلم أ. د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة
![]() |
| من الأقصى إلى السماء السابعة | بقلم أ. د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة |
لما انتهى مقام رسول الله ﷺ في المسجد الأقصى، وتمّ ما شاء الله أن يقع فيه من إمامته للأنبياء واجتماعهم خلفه، انتقلت الرحلة إلى مرحلة أخرى مغايرة في حقيقتها ودلالتها، وهي مرحلة العروج إلى السماء. ولم يكن هذا العروج امتدادًا للسير الأرضي، بل انتقالًا من عالمٍ إلى عالم، ومن سنن الأرض إلى آيات السماء، فاقتضى ذلك وسيلةً أخرى غير وسيلة الإسراء، إذ لم يثبت أن البُراق كان وسيلة العروج، وإنما عُرج بالنبي ﷺ بتهيئةٍ إلهية خاصة، في صحبة جبريل عليه السلام، على وجهٍ لا تدرك كيفيته، تصديقًا وتسليمًا، لا قياسًا ولا تمثيلًا.
ففُتحت له أبواب السماء، واستأذن جبريل، فقيل: من؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم. ففُتح له، وكان ذلك إيذانًا ببدء مرحلة من أعظم مراحل الرحلة، حيث انتقل النبي ﷺ بين السماوات، يشهد في كل سماء من آيات الله ما يزيده يقينًا، ويُظهر مكانته، ويبيّن اتصال الرسالات عبر العصور.
ففي السماء الأولى لقي آدم عليه السلام، فرحّب به ودعا له، وفي ذلك إشارة إلى بدء المسار الإنساني، وارتباط الرسالة الخاتمة بأصل البشرية. ثم عُرج به إلى السماء الثانية، فالتقى بعيسى ويحيى عليهما السلام، فرحّبا به ودعوا له، في مشهدٍ يجمع بين النبوة والزهد والطهر. ثم في السماء الثالثة لقي يوسف عليه السلام، وقد أُعطي شطر الحسن، فكان في لقائه دلالة على أن الجمال نعمةٌ من نعم الله، إذا قُرن بالعفة والطاعة. ثم في السماء الرابعة لقي إدريس عليه السلام، الذي رفعه الله مكانًا عليًّا، فكان في ذلك إشعار بعلو المنزلة لمن صدق مع الله. ثم في السماء الخامسة لقي هارون عليه السلام، النبي الرحيم، المحبوب في قومه، فكان لقاؤه تذكيرًا بأثر اللين والرفق في الدعوة. ثم في السماء السادسة لقي موسى عليه السلام، كليم الله، الذي بكى حين جاوزه النبي ﷺ، لما علم أن أمة محمد ﷺ يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمته، فكان في ذلك بيان لفضل هذه الأمة، وعلو مقام نبيها.
ثم انتهى العروج إلى السماء السابعة، حيث لقي رسول الله ﷺ إبراهيم الخليل عليه السلام، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، ذلك البيت الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، فرحّب به إبراهيم وقال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. وكان هذا اللقاء في أعلى مراتب السماء ختامًا لمشاهد اللقاء بالأنبياء، إذ لقي النبي ﷺ أبا الأنبياء، في دلالة واضحة على اكتمال مسار النبوة، واجتماع شرف البداية والنهاية، وبلوغ الرسالة الخاتمة ذروة الرفعة والمقام.
وهكذا بلغ رسولُ الله ﷺ السماءَ السابعة، وقد انتقل في هذه الرحلة العظيمة من أرض الإسراء إلى آفاق المعراج، فشهد من آيات ربّه الكبرى ما ثبّت فؤاده، وبيّن عظيم مكانته، وربط دعوته الخاتمة بدعوات الأنبياء من قبله، في مشهدٍ جامعٍ لوحدة الرسالة ومصدرها الإلهي الواحد. ثم عاد ﷺ إلى الأرض حاملًا ما أُوحي إليه، مؤيَّدًا بتكريمٍ رباني، ومؤتمنًا على رسالةٍ خالدة تجمع ما تفرّق من نور النبوّات، وتختم بها مسيرة الوحي إلى قيام الساعة.
وفي ختام هذا المعراج المبارك، شُرعت الصلاة فريضةً مباشرةً من الله تعالى دون واسطة، في دلالةٍ ظاهرة على علوّ شأنها وعظيم منزلتها، إذ لم يُفرض على الأمة عملٌ تعبّدي بهذه الكيفية إلا الصلاة. ثم كان التخفيف فيها رحمةً من الله بهذه الأمة، بعد مراجعاتٍ متكررة بإشارةٍ من نبيّ الله موسى عليه السلام، حتى استقرّ الأمر على خمس صلوات في العمل، خمسين في الميزان والأجر، لتبقى الصلاة صلةً مباشرةً بين العبد وربه، لا حجاب فيها ولا وسيط، ومِعراجًا يوميًّا للمؤمنين، وعنوانًا دائمًا للعبودية الخالصة التي فُرضت من فوق سبع سماوات.


Post A Comment: