Articles by "قصص"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
الكاتب والقاص الجزائري ملوك عبدالحق ينشر نص قصصي من روايته الجديدة


وها هو منتصف الليل قد أتى مِن جديد لأجد نفسي مُستلقي بين جدران غرفتي الأربع ...
ألتف بغطائي وكأنه كفَن موتي .. ٱقلّب بينّ صفحات هاتفي الكئِيب فلا أجد به ما يُسليّني..!!  تدفعني أناملي للكتابَة فلا أجد ما يصِف حالتي... أجُرّ رجلايّ بثِقل لأفتح نوافذي المُغلقة عسى أن أشمُ بعض الهواء النقِي وأُخرج ما بأعماقي من سموم ...! 
أذهبَ لأجلس وحدي داخل شرفتي الباردة ثم أعودُ من جديد أطفأ أضاءة منزلي علَ جفناي تغمض ولكن دون جدوى .. أتوجه نحو مكتبة ورشتي الصغيرة آخذ منها كتاباً يتلُو الآخر سئِمت المطالعة ولا زال الليل طفلاً يحبو ..
 أتوجه نحو مبخري الجميل لأوصله بتيارٍ كهربائي لعل رائحة البخُور تريحُ دواخلي المُتعبة فتعجّ غرفتي بدخانٍ كثيف لا أدري إن كان هذا دُخان مبخري أم أنه مخلفات روحي المحترقة ..َ.!!؟
أنظرُ لساعةُ حائطي علَ الدقائقُ تمر والساعاتُ تنقَضي ولكن هيهات ما زالت الساعة الثانية لم تنتهي بعد .. أظل أتساءل بيني وبين ذاتي ما الذي يحدث هل تعطلت ساعتي أم تعطلت عينايا ام تعطل الليلُ عندي ..!!!
 لماذا لا أنام ؟؟ لماذا لا أشبه الجميع ؟؟ مئات الأفكار تأتيني وآلاف الأسئلة تخطرُ بعقلي ولكن لا أجابة تأتي ولا عينُُ تغمَض ولا أرقُُ يزول ولا ليلُُ ينتهي..!!








أخذ المدعوون للوليمة أماكنهم، نادى النادل على شاب معه لكي يوزع رغائف الخبز وكؤوس مشروبات غازية  على الموائد. 

وضع سلطة مشكلة من أنواع مختلفة من فواكه البحر والفواكه الإستوائية. انبهر الجميع من التشكيلات والتناسق في الألوان والذوق. أكلوا بنهم وكأنهم لم يتذوقوا طعاما منذ الأزل، كأسير يأكل وجبته الأولى بعد فك أسره.

الطبق الثاني يتكون من خروف محشي ومشوي في الفرن، إنبهارهم لم يخفت وزاد نهمهم أكثر، لم يتركوا إلا العظام التي استعصت عن القضم.

بعد تناول التحلية المكونة من حلويات وفواكه، أخذ الكلمة من يلقبونه بقيدوم الأدباء وألقى قصيدة عصماء يمجدني ويثني علي وعلى كرمي الحاتمي، وعدد مناقبي الفكرية والشعرية  وإثرائي للساحة الأدبية وغزارة شعري. 

وقفت مشدوها مما كان يتفوه به، لم أدرك حينها أن الوليمة فعلت فعلتها، وأن بطنه من كان يتكلم وليس عقله.

لم أعرف الشخص الذي  يتكلم عنه هل أنا، الذي يخربش كتابات أستقي عباراتها من لغة الأسلاف، تبهرني فيها الكلمات المستعصية، لأخرج جملا هجينة دون تناسق لا معنى ولا مغزى لها، وانشر كتابات اعنونها بعناوين براقة، لا علاقة لها بموضوع ماأكتب، وأرفقها بصور لي في وضعيات تبدو لي رائعة في حين تبدو للكل مضحكة ومقززة. 

كان يستفيض في المدح والثناء، وأنا أبدو مزهوا كأنني طاووس ينفش ريشه في بستان فسيح. 

توج الحفل بتوشيحي بوسام وشهادة، كتب عليها السيد فلان أشعر شعراء العصر،  وأديب القرن، والكل يثني علي ويهنؤني حتى من يدعون أنهم  شعراء وكتاب ودكاترة، وكأنهم يبايعون أميرا. وبدأ رجال ونساء يدعون أنهم رجال الصحافة، يطرحون أسئلة فهمت من معناها أن أصحابها لم يقرأوا يوما حرفا، يرفعون المنصوب وينصبون المرفوع مثل ما نصب علي هؤلاء، وأنا مرفوع عني القلم من شدة بلاهتي. 

أخذ المصورون يأخذون الصور، ومغني مشروخ الصوت، يؤدي أغنية "الزين اللي عطاك الله" رغم أن بشاعة وجهي بادية للعيان.  كان يسترسل في وصلته بتنافر صارخ مع الموسيقى، وعندما نادى بإسمي ليهديني مايغنيه، استفقت مذهولا، وأنا اتصبب عرقا من هول  التفاهة، التي عشتها في الحلم.

وأنا أراجع شريط حلمي، فهمت أن معبد التفاهة له كهنته، همهم الوحيد ملأ بطونهم وربما جيوبهم، لينصبوا أمراء للشعر، وعمداء للأدب والفكر. 

فاحذروهم لأن هذا الفضاء يعج بأمثالهم. 








الكاتب السوداني أحمد الصديق يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "ثرثارٌ عابر" 


بينما كنتُ اَتجولُ في أزقة الذكريات، تمرُّ عليَّ بحُلوها و مرِّها.
أسمع صوتًا ينادي عليَّ، قائلًا: يُمكن أن نتشاركَ الطريق بحدثٍ يسحبُ كلانا من هذا الإكتئاب.
-حسنًا: لماذا تبدو متضجرًا، متحسرًا، تتحدثُ لنفسكَ.
=أنا أنت تمزح هل حقًا يبدو عليَّ كلُّ هذا؟!
-ربما أكثرُ بقليلٍ لو نظرتُ لعيناك، فهي تثور من كثرة الخيبات، و الدمعُ منها يكاد يشعلُ حربًا على خدِّكَ.
=عيناي ليستْ بهذا الحزن، و قلبي أيضًا ليس محطمًا كما تظن، فقط هذه التجاعيد، و الهالات من شدة الإرهاق، و عدم النوم لثلاثة ليالٍ متتالية، أما قلبي فأنه فرحٌ بما يحمله حتى و إن كان لا يناسبه هذا الحمل. أظنك عرفت سبب هذا كله.
-أتظن أن السهر كفيلٌ بتحطيم قلبك، فأنا لم أسألكَ عن قلبكَ حتى الآن، لأني عرفتُ أن قلبكَ يتقطعُ من شيءٍ كان كلُّ شيءٍ هو.
لكن إذا لم نصل لنهاية الطريق سأعود مرةً آخرى لسؤال على قلبك.
=لا عليك، لا تهتم بحالي، فأنا شخصٌ متقلبُ المزاج، غير مطمئن.
-حسنًا: لكنَ تحكي عن أشياء عليَّ فهمُها إن أمكن.
=بالطبع يمكن أن نتشارك بعضُها.
-لماذا تبدو خائفًا، و يداك ترتعش، عندما نظرتَ لهذا المكان.
=لستُ خائفًا صدقني، أظنُّ أن البرد قد نال مني، فكما ترى جسمي هزيل، و أنا لا أقوى على حمل شيءٍ غير ذاتي، الضائعة.
-أظنُ أنني قد وصلتُ وجهتي، هُنا سنفترقُ عن بعضنا، لكن!
لم نتعرف على كلانا،
طول الطريق.
=من أنت؟
 و كيف إذاً أنتهت وجهتنا؟!.
-يمكن أن تُسميني ثرثارٌ عابر.
=ربما نلتقي.. 
مشهد آخر..
قلبٌ تحمَّلَ
ألمًا، 
و روحٌ تُجمل
فرحًا
و سربٌ تأمله،
منظرًا 
و جسدٌ تآكل.
وجعًا.
و أنا تحملتُ كلُّ شيءٍ مرَّ عليَّ
حطمَّ فيني، 
و أهلك
دمرد فيني، أشياءٌ لن تعود.
مشهد ليس ببعيد عن هذه.
فرحًا 
ممنوع.
أملًا
مفقود.
حلمًا
مقطوع.
علمًا 
مسلوب.
شخصًا يرمرم خرابي،
تلاشى، و أختفى. 
مشهد كأنه النهايات السعيدة.
ذات مرةٍ أخبرنتي أمي قالت: عليك أن تكون نورًا لمن حولكَ، لا تنتظر أن يكون النور آخر النفق، إعبر النفق، فأنت النور و أنت الضياء.
"لم أكن نورًا كانت هي كلماتُ أمي تنيرُ لي كلَّ الطرق، المظلمة." 






الكاتب سمير لوبه يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "النورس الجريح" 


مَرَّ العَامُ ثَقِيلاً والأيَامُ رَتِيبَةً واللَّيَالِي بَارِدَةً ، ولَمْ تَنزَعْ عَنْ جَسَدِهَا مَلَابِسَ الحِدَادِ ، تَستَقِلُ سَيَارَتَهَا ، تَصِلُ إِلَىَ مَحَلِ المَلَابِسِ فِي الحَيِ التُّجَارِي :
- اتفَضَلِي يَا هَانِمُ إيرَادَ الأُسبُوعِ 
وفِي البَنكِ القَرِيبِ :
- إيدَاعٌ مِنْ فَضلِك 
وفِي شَقتِهَا الوَاسِعَةِ وَحدَهَا …
تَزحَفُ الدَّقَائقُ زَحفًا ، يَنتَابُهَا التَّمَرُدُ ؛ تَنسَلِخُ مِنْ سَوَادِ الحِدَادِ المُطبِقُ عَلَىَ جَسَدِهَا النَّافِرِ بِالأُنُوثَةِ الصَّارِخَةِ ، تُضَاجِعُ الصَّمتَ عَلَىَ فرَاشٍ بَارِدٍ ذَهَبَ عَنْه الدِفْءُ بِغِيَابِ الزَّوجِ بَعدَ عِشرِين عَامًا عَوَضَّهَا فِيهمْ عَنْ الحِرمَانِ مِنَ الوَلَدِ بِفَيضِ حَنَانٍ ثَمَلَت مِنْ خَمرِه وأسبَلَت جَفنَها فَغَفا ، كَانَ يَروِي ظَمأَ أرضِهَا فَتفِيضُ نَهرًا ، الآنَ  تَتَمَلمَلُ فِي سَرِيرِهَا يُخَاصِمُ أجفَانَهَا النَّومُ ، لَا تَسمَعُ سِوَىَ هَرِيرِ الرِّيَاحِ فِي فَضَاءِ شَقتِهَا القَاحِلَةِ ، تَخرُجُ للشُّرفَةِ تَرَىَ طُيُورَ النَّورَسِ تُحَلِقُ فَوقَ صَفحَةِ البَحرِ ، يَلفُتُهَا إحدَىَ النَّوَارِسِ تَقتَرِبُ مِنْ قَارِبِ الصَّيَادِ فِي رُعُونَةٍ وتَهَوُرٍ ؛ فيُصِيبُهَا ، تَقعُ عَلَىَ صَفحَةِ البَحرِ تَتَلَاعَبُ بِهَا الأموَاجُ دُونَ هَوَادَةٍ ؛ تٌغَادِرُهَا النَّوَارِسُ وتَترُكُهَا لِمَصِيرِهَا وَحِيدَةً ؛ تَتَلَقَفُهَا أيدِي الصَّيَادِ بِلَا شَفقَةٍ ، تَدخُلُ إِلَىَ شَقَتِهَا تَنظُرُ إِلَىَ المِرآةِ تَتَحسَّسُ بِرَاحَتَيهَا أنحَاءَ جَسَدِهَا  ؛  تَرتَخِي أجفَانُهَا ، تَستَحِرُ وَجنَتَاهَا ؛ يُدَاعِبُ خَيَالَهَا ذِكرَيَاتُ اللَّيَالِي الدَّافِئةِ ، تَعُودُ لِشُرفَتِهَا تَختَرِقُهَا نَظرَاتِ شَابٍ قَابِعٍ عَلَىَ الكُورنِيشِ لَا يَحِيدُ بِنَاظِرَيه عَنْهَا ، يَنتَابُهَا الارتِبَاكُ ؛ تُسرِعُ ، تَرتَمِي فِي كَهفِ سَرِيرِهَا البَارِدِ ، يَعترِيهَا الأرقُ ، يُحَلِقُ خَيَالُهَا بَعيداً ؛ يُبَللُهَا مَاءُ شَهوَتِهَا  ، تُصَارُعُ مَشَاعِرَ مُضطَرِمَةً قَدْ حُرِمَت مِنْهَا ، وبَينَمَا تَسيرُ تُشَاهِدُ الڤَاترِينَاتِ قَتلاً للمَلَلِ والدَّقَائقِ الرَّتِيبَةِ ، يَقذِفُ الشَّابُ أذُنَيهَا بِسِهَامٍ تُخَدِرُ جَسَدَهَا وتُدَغدِغُ مَشَاعِرَهَا ، فَقَدْ جَفَّت أرضُهَا وتَشَقَقَت ،  وبِمَعسُولِ اللّسَانِ فِي عُمقِهَا قَدْ أبحَرَ، وَمِنْ رَوضِهَا قَدْ قَطَفَ ، وأشبَعَ  روحَهَا  بِالحَنَانِ ؛ فَارتَمَت فِي حِجرِه  مِثل هِرَةٍ ، فالتَقَت دِفْءَ الفرَاشِ بَعدَ غِيَابٍ ، تَحُفُهَا السَّعَادَةُ ؛ فَارتَوَت … 
- أغَارُ عَلَيكِ مِنْ حَدِيثِ مَعَ الرِّجَالِ وهَذَا حَقُ كُلِ زَوجٍ
- أنَا كُلِي لَك حَبِيبِي 
- أرِيدُ مِنْكِ تَوكِيلاً عَامًا ؛ فَالغِيرَةُ تَقتُلُنِي …
وَعَلَىَ رَصِيفِ مَحَطَةِ التّرَامِ حَيثُ مَأوَاهَا ، فِي حَالٍ مُتَرَدِيةٍ قَدْ بَاتَت ، تَرَاه خَارِجًا مِنْ بَابِ العِمَارَةِ تَتَأبَطُ ذِرَاعَه فَتَاةٌ فِي نُضرَةِ الشَّبَابِ تُمَاثِلُه فِي العُمْرِ ، تَتَعَالَىَ ضَحكَاتُهمَا ، يَركَبَان السَّيَارَةَ ، أحَدُ المَّارَةِ يَضَعُ فِي كَفِهَا المُوحِلَةِ جُنَيهًا ، تَتَأمَلُه ، تُطبِقُ رَاحَتَهَا عَلَيه ، تُدِيرُ وَجهَهَا لِعَرَبَةِ الفُولِ .





الكاتب المغربي إلياس الخطابي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التيه" 


جالس وحدي ، في زاوية المقهى التي اعتدت الجلوس فيها .استيقظت غاضبا .- ليلة أمس ، لم أنم جيدا ،غادرت السرير بصعوبة ،بدون رغبة -. أيامي تتشابه . سنة جديدة بدأت ،الأيام تمر سراعا . لم أتحرك بعد . لم أخطط ما أفعل في هذه السنة . كل ما أفكر به ،أعجز عن تحقيقه ،أفشل باستمرار ،وكأنني لم أخلق لشيء سوى للفشل .كل التجارب الإنسانية فيها فشل ونجاح . الحياة ليست عادلة ،لكن مع مرور الزمن ،تنصفنا قليلا،لنفرح ،ولنغير نظرتنا اتجاه الوجود ، ولتكون الحياة ايضا ،محتملة وممكنة . 

لكن لا أعرف متى سيأتي دوري ؟ 

لقد تعبت من الصبر ،  والمقاومة . 

انتظرت كثيرا . لا شيء يقتل سوى الانتظار الطويل ،أنهكني كثيرا ،ومزقني . أربي الأمل كل يوم ،وأواجه بؤس العالم باللاشيء . 

اكاد أن اصير مدمرا ،كل شيء ضدي ،وأنا عاجز عن التحدي . 

في المقهى بؤساء كثر مثلي ، أحلامهم أجهضها الزمن . استسلموا للواقع ،ويتعايشون معه . لا يكترثون ،ولا ينتظرون الحياة أن تنصفهم .الوطن يهتم فقط بالأثرياء ،يزيد لهم غنى ،والفقير يهمشه ،ويزيد له فقرا . 
فقدوا الثقة في الجميع ،ما عدا أنفسهم . 

يا له من وطن !
وطن لا نملك فيه شيء . 
نحن فيه غرباء . 

لا أريد ان استسلم للواقع . أرفضه باستمرار ،لا أريد أن اعيش ما تبقى من الأيام ، حياة لا أرغب فيها . لا يمكن أن نعيش كما نريد ،ولا يمكن ان نعيش أيامنا كلها ،هناك أيام تمر ،لا نفعل فيها شيئا ،سوى النظر من بعيد .الحياة معقدة ،والواقع بائس ،لا يبشر بالخير إطلاقا . 

علبة الرسائل فارغة ،لم يهنئني أحد بدخول السنة الجديدة  ، لم يعبر لي أحد حبه اتجاهي ، ولا أحد يتمنى علاقتنا تطول . أصبحت مصدر بؤس . الذين أعرف يفرون مني تباعا .أنهكهم الانتظار . لم استطع النهوض ،وأصير كما يريدون ،ولا كما أريد .قوة خفية تمنعني لفعل اي شيء. 

دخل شيخ هرم للمقهى ،حدق في الجميع . وصل الى ما حيث أجلس وجلس . تثاءب ،بدا لي فمه أدرد ،كمؤخرة دجاجة . ربما استيقظ وأتى للمقهى .وربما أيضا عافه الزمن ،وعاف نفسه أيضا .وربما ماتت زوجته ،او لم تعد تتحمل جنونه ،وأفعاله الصبيانية ،وجهه عبوس ،أراه جثة هامدة ، لا ينتظر شيئا ،سوى الموت .
رشفت من قهوتي ،لم أكلمه ،ولم يكلمني . احترم صمتي ،أو خاف مني. لا أعرف . نظراتي ساخطة ،كأن عيناي تقولان له :
-الزم حدودك ،لا تكلمني فيما لا يعنيك ،كي لا تسمع ما لا يرضيك . 

تركته جالسا . نهضت ،أديت ثمن ما شربت وخرجت. كآبة سيطرت علي ، لم أعرف أين أذهب . سرت في الشارع بدون وجهة . قلبي يخفق بعنف ، بداخلي شيء ما يغلي . لا أملك شيئا لأواجه به نفسي . أعيش الألم كما أعيش الحزن.
ظللت أتسكع في المدينة ،في دروبها القديمة .في كل زقاق أتذكر طفولتي ،طفولتي البائسة التي لم أعشها ، طفولتي التي سرقت مني . لي حنين غريب إلى الطفولة ،لا أعرف كيف أفسره ،الطفولة لا يمكن أن نتخلص منها ،تبقى في الذاكرة . وتترك أثرا عميقا في حياة كل إنسان. 

تسكت وتسكعت حتى تعبت ، دخلت الى مقهى قريبة ،شربت كأسان من الماء وخرجت . رأسي على وشك الإنفجار ،وجع في الجهة اليسرى ،اضغط على رأسي بأصابعي كي يخف الألم ،لكنه لا يخف ،الألم كان أقوى .
نسيت الألم ،وربما تنسايت ، النسيان شيء ،والتناسي شيء . 

التقيت محمد في ساحة المدينة ،صافحني ظل يحدق في الذباب اليشري بنظرات ساخطة . كل الفتيات اللاتي يمرن قدامنا ،يحدثهن بلطافة ،لم تتوقف عنده اي واحدة . سب العالم وحبيبته التي تركته مؤخرا .
جلسنا قليلا ،تكلمنا في الكثير. بعد ان حل الظلام ،نهضنا وتمشينا ببطء . حينما افترقنا ،قال لي :
-كونديرا كان محقا ، حينما قال :الحياة مزحة ثقيلة .






الكاتب سمير لوبه يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "بائعة الورد" 


بِجوارِ النَّافِذَةِ تَسبَحُ عَينَاه عَبرَ الزُّجَاجِ ؛ فَترَاه فَاتِحًا زِرَاعَيه يُسَابِقُ أقْرَانَه ، تُحَلِقُ ضَحَكَاتُهمْ الرَّنَّانَةُ فَوقَ صَفحَةِ البَحرِ الصَّافِيةِ ، وفِي قَارِبِ الصَّيَادِ يَمُدُّون أكُفَّهمْ الرَقِيقَةَ تُعَانِقُ كَفَ البَحرِ ، تَمْلَأ رَائِحُةُ اليُودِ صُدُورَهمْ ، تُغَازِلُ أشِعَةُ الشَّمْسِ أعينَهمْ البَرِيئةَ ، وعَلَىَ الكُرسِي الخَشَبِي وفِي فَضَاءِ البَحرِ الشَّاسِعِ تَسابِقُ عُيُونُهمْ الأموَاجَ المُتلَاحِقَةَ ، يُتَابِعُون شِباكِ الصَّيَادِين تَتَلَألَأ بِرِزْقِ المَنَّانِ ، وعَلَىَ الكُورنِيشِ يَرَونَها قَادِمَةً فِي ثَوبِهَا الزَّاهِي بِوَجهٍ وَردِيٍ بَاسِمٍ ، وبِصَوتٍ يُدَغْدِغُ أذَانَهمْ تُنَادِي :
- الوَردُ النَّادِي .. الوَردُ الصَّابِحُ .. تُغَني " مين يشتري الورد مني " 
يُهَروِلُون نَحوَهَا بِفَرحَةٍ غَامِرَةٍ ؛ يَشْرُون الوَردَ الصَّابِحَ يَنتَشِرُ شَذَاه  بَاعِثًا البَهجَةَ فِي النُّفُوسِ ، يَقطَعُ شَرِيطَ ذِكْرَيَاتِه صَوتٌ مُفَاجِئ : 
- الرَّجَاءُ رَبطُ الأحزِمَةِ
وفِي الحَافِلَةِ يَبحَثُ عَبرَ النَّافِذَةِ عَنْ ذِكْرَيَاتِ الصِّبَا يُعَانِقُهَا ، تَتَوَقَفُ الحَافِلةُ فَجأةً ؛ صَخَبُ آلَاتِ تَنبِيهٍ يَنتَزِعُه مِنْ حُضْنِ الذِّكْرَيَاتِ ، يَسألُه جَارُه : 
- أينَ نَحنُ الآنَ ؟ 
- لَا أعرِفُ ، أربَعُون عامًا غَيَرت المَعَالِمَ تَمَامًا
يُلقِي بِنَاظِرَيه مِنْ نَافِذَةِ الحَافِلَة ، ِالوُجُوهُ عَابِسَةٌ مُكْفَهِرَةٌ ، بِشَتَّىَ الوَسَائلِ يَبلُغُ الجَمِيعُ غَايتَه غَيرَ مُكْتَرِثٍ بِمَنْ حَولَه ، الغُبَارُ يَحجُبُ وَجهَ الشَّمْسِ ، صَخَبٌ وضَجِيجٌ ،عَرَقٌ وزِحَامٌ ، ضَحِكٌ وبُكَاءٌ ، غِنَاءٌ وصُرَاخٌ ،  يَختَلِطُ الحَابِلُ بِالنَّابِلِ 
- حَمدٌ للهِ عَلَىَ السَّلَامَةِ .. مَحطَةُ الوُصُولِ
ومَا إنْ تَطَأ أقدَامُه الأَرضَ حَتَىَ تَملَأ رِئتَيه أدخِنَةُ العَوَادِمِ ، أجوَاءٌ خَانِقَةٌ تُطبِقُ عَلَىَ الصُّدُورِ دُونَ شَفَقَةٍ ، وفِي اللُوكَاندَةِ العَرِيقَةِ :
- نَوَرت بَلَدَك 
- شُكْراً .. احجِزْ لِي أُسبُوعًا مِنْ فَضْلِك 
يَترُكُ حَقِيبَتَه ، يَحتَضِنُ المَيدَانَ الكَبِيرَ ، تَعلُوه الدَّهشَة : 
- أينَ بائعُ الفِشارِ ؟ أينَ السُّلَمُ الكَهرُبَائي ؟ أينَ السِّينمَا ؟ كان هُنَا دَلِيلٌ أينَ غَاب ؟ 
يَعتَرِيه الحُزنُ ، يَعبُرُ الطَّرِيقَ وَسطَ نُبَاحِ السَّيَارَاتِ المَسعُورَةِ ، يَبحَثُ عَنْ الكُرسِي الخَشَبِي ليَتَمَتَعَ بِصَفحَةِ البَحرِ لَا يَجِدُه ؛ المَكَانُ يَعُجُّ بِالبَشَرِ، تَحجُبُ البَحرَ بِنَايَاتٌ خَشَبِيةٌ وأسيَاخٌ حَديدِيةٌ، وفَجأةً يَرَاهَا فِي رِدَاءٍ رَثٍ لَطَخَتها أغْبِرةُ السِّنِينِ ، تَنفُثُ دُخَانَ سِيجَارَةٍ ، هَجَرَت الابتِسَامَةُ وَجهَهَا ، حَفَرَ الزَّمَانُ بِبَرَاثِنِه الحَادَةِ المَرَارَةِ عَلَىَ مَلَامِحِهَا ، فِي يَدِهَا وَردَاتٍ قَاتِماتٍ قَدْ نَالَ مِنهُن الذُّبُولُ :
- أنتِ هِي ..  كُنْتِ تَبِيعِين لَنا الوَردَ تُنَادِين : الوَردُ النَّادِي .. الوَردُ الصَّابِحُ .. تُغَنِين " مين يشتري الورد مني " 
- كَان زَمَان 
يَتَجَرَعُ المَرَارَةَ .. يَتَأمَلُ جَوازَ سَفَرِه ، يَحمِلُ حَقِيبَتَه : 
- تَاكْسِي .. المَطَارُ مِنْ فَضْلِك  






الكاتب المصري إبراهيم الديب يكتب قصة قصيرة تحت عنوان " لعله خير"


صاحب محل فراشة يتسم بالحكمة ورجاحة العقل وحسن الخلق، و تقديره الصائب للأمور والحكم عليها، وعمق النظرة في الرجال ووزنهم بصورة صحيحة أهله لكل ذلك تجربة عريضة عميقة التفاصيل.
أثناء تعليق الزينات وأحبال النور التي اسدلت على البيت من أعلى لأسفل فبدا وكأنه ارتدى ثوبا يعبر عن سيمفونية من الألوان المبهجة المبهرة  في آخر مناسبة عرس فرح أتفق عليه حتى بدا كل شئء على ما يرام.
بعد أن أنتهي العمال من كل  ذلك وألقى المعلم نظرة رضا عن إتمام العمل الذي تم تحت إشرافه مباشرةً وقليل ما يحضر معهم ولكن هناك باعث خفي أمره بالذهاب معهم هذه المرة وقبل أن يغادر الجميع سمع صوت ضوضاء وجلبة سرعان ما تحول لصراخ والتحام بالأيدي بين العريس وأقاربه من ناحية وبين  أصهاره من ناحية أخرى ثم تحولت لمشاجرة تستدعي مأمور قسم بقواته ،ثم طلب أهل العروسة بعد أن هدأت الأمور قليلا من صاحب الفراشة والعمال :القيام بفك الزينات والحلة التي تزيا بها البيت قبل قليل لأن كل شئء قسمة  لأنه من المستحيل أن يتم هذا الزواج لأن هناك أمور ومشاكل ومطالب لخطيبته هي وأهلها لم يوافق عليها العريس وأصبح أكثر تعنتا من ذي في الموافقة الشبه مستحيلة فهذه المطالب تفرق بينهما أكثر ما تقرب ... تردد صاحب المحل واعطي فرصة من الوقت لعل أن تحل المشاكل فيما بينهما ويعود النصيب  مرة أخرى لم يقم العمال بخلع الزينة إلا بعد أن طلب العريس وأهله أهل ذلك .
دارت مناقشة أثناء العودة في السيارة التي تحمل أدوات الزينة مبعثها التخفيف عن العريس بينه وبين صاحب المحل الذي كرر له أن  كل شيء قسمة ونصيب وأنه لن تتقدم قدم عن أخرى إلا بقدر معلوم من رب العباد ثم فترة صمت تنهد بعدها الرجل زفرة من أعماق نفسه و قال للعريس: لا تغضب هون عليك أنت ما زلت ما حدث معك حدث مع ابنتي التي لم يكن متبقي إلا أن ننقل العفش لبيت الزوجية ولكن حدثت خلافات بسيطة فيما بيننا ولكنها تطورت وتحولت لشبه معركة وذهب كل منا لحال سبيله لعله خير فقد قال رب العزة "وعسى أن تكرهوا شيئاً وخير لكم"
كان العريس ينصت للرجل جيداً و بشغف شديد، فقد وقع حديثه بردا وسلاما على قلبه ، ولاقى من نفسه  قبول حسنا ولكن الفتى سأل الرجل سؤال محدد وهل ابتنك التي تتحدث عنها الآن هي التي كانت تقف معك وتحدثك أمام باب البيت  ؟فقال الرجل: نعم كانت الفتاة جميلة ممشوقة القوام بعلو محياها ثقة وشموخ دون كبرياء ثم فترة بينهما... فقال الفتى للرجل: هل تقبل بي خطيب لها  فصمت الرجل وارتبك ولكن ملامح ووجهه أبدت موافقة فانطلقا بأدوات الزينة لتعلق على بيت صاحب الفراشة ..
بقلم/ إبراهيم الديب