Articles by "قصص"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل


الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "المتطبب" 


الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "المتطبب"


ذاع صيته بين أهالي القرى المتجاورة، و قيل فيه كلام الإعجاز و الإنجاز، و أنه يفك السحر و يسهل المكتوب و يحفر في رحم العواقر موضعا خصبا و يذهب الفقر و يطرد النحس و يشفي العليل و يرد الغائب ، و شاعت حظوته في جريان الأسباب على يديه ...فتهافت على بيته الزوار من كل حدب و صوب ينشدون بعض تمتماته و يرقبون أثر ايماءاته و سرعة حركاته .

لم يكن ملاذا للعامة كما يتراءى للبعض ، بل كان أكثر رواده من المتعلمين ، محامين و رجال أعمال و سياسيين ، و الذين تقطعت بهم سبل الحياة و أرهقهم هوى أنفسهم و تعلقت آمالهم بقشة النجاة المزعومة .. جاؤوا من مضارب مختلفة يلتحفون فراغ إيمانهم ، سلاحهم جيب يزخر عطاء و إغراء..

يجلس المتطبب أمام الحريف واضعا يده على رأسه ، يتحسس طريق الغلبة النفسية ، و سبل إرباك الضحية قبل بداية الجولة الأولى،  يبادره بسلسلة من الأسئلة المتنافرة و بعض القوالب الخطابية البديهية ، و بعض المعطيات المشتركة بين خلق الله كلهم...و حين يتأكد من سريان دجله في نفس الحريف و يرى الشلل في ملامحه، يعتدل في جلسته مستعرضا أمامه حوارا وهميا مع خادمه المطيع ..

و يستهل وصفته : ديك مرقط ، جلد نملة، ساق بعوضة....و مائة دينار لقاء المقابلة الافتتاحية ، و الموعد القادم بعد عشرين يوم...فلا تغفل.!!.



الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "المتطبب" 



 

الأديبة المغربية / سعيدة الرغيوي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "مشروب  الإباء" 


الأديبة المغربية / سعيدة الرغيوي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "مشروب  الإباء"



يا أبي إنني أُحِسُّ بالظّمإ..فقد بلغ  مني الْعطش مبلغا وعودي لم يشتد  بعدُ..

مهلك بني : "  ..الْعطش ..أمنا  الأرض أكثر عطشا..لكنها  تُقاوِمُ..لو تدري  حزني  وكمدي  ..اكرعْ من جَلدِ الْعطشى على هاته الْبسيطةِ ..هم لايتبرمون..يشربون من ماء الإباءِ..

هلا أدُلّك  على النّبْعِ الصّافِي والماء الزّلل..

أم أنّك تُفضّلُ مياهً راكدةً ..

بلى أبتي أنا لا أرتضي  لنفسي  ورُوحِي شرابًا  إلا الْعدب النَّقِي  ..فنفسي  تأْنَفُ  وتمُجُّ كلَّ سَمْجٍ قبيحٍ .

إليك  بني مُشْتَهَاكَ ..وبغية  نفسِكَ والْمشرب الذي يليقُ بكَ...

إنّه "ماء المُقاطعة"..هو ماء لا يتغير لونه ولامذاقه  ..فقد جَرّبتُ كُل صنوف الْماءِ..لكن  ماء الْمقاطعة  مختلف؛ فهو يحَاربُ الْحصَى فِي الْكِلي ويمنحُ  الْوجْهَ نُوراً وبهاء ..فإليك به ..سيذهِبُ الظمإ بإذن الله ..




الأديبة المغربية / سعيدة الرغيوي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "مشروب الإباء" 


 

عبد الله عبد المؤمن من أوزباكستان يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "لصوص الوقت" 


عبد الله عبد المؤمن من أوزباكستان يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "لصوص الوقت"


ترجمة: سعاد خليل


اسمي دونيور. لقد أصبحت أنا وجاري عبد الله صديقين حميمين. في يوم من الأيام لم نتمكن من إيجاد أي طريقة للاستمتاع بوقتنا ومتعتنا . لم يكن لدينا هدف. لم نكن نعرف ما يجب القيام به. وبينما كنا نصنع شيئًا من قطعة من الخشب ، استيقظ والدي فجأة. كانت عينيه مفتوحتين نصف فتحة  عندما قال:

“مرحبًا ، بلصوص الوقت! ماذا تفعلون هل  تضيعون وقتكم ؟ “

لم أفهم على الإطلاق معنى كلمته “لصوص الوقت”. أردت أن أسأله ، لكنه نام.

وسألني صديقي عبد الله: “هل نحن لصوص؟”

ولما طلع النهار  دخل منزله. وانا ايضا  نمت  من الإرهاق. لكنني تذكرت أنني تأخرت عن المدرسة فغسلت وجهي بسرعة وشربت الشاي ايضا بسرعة. لا أتذكر سبب تأخري ، ربما اعتقدت أنني تأخرت عن المدرسة ، لكن الدرس لم يبدأ  بعد وفور وصولي ، جاء المعلم. وكالعادة  استقبلناه جميعًنا بكل احترام

“طلابي الأعزاء! أشعر بسعادة غامرة لرؤيتكم. وفرحتي لا حدود لها “.

و بينما كان معلمنا يشرح لنا ا، جاء أحد زملائي في الفصل وقال ، “،  آسف ايها  المعلم  لأنني تأخرت اليوم.”

فأجابه المعلم: “دونيور ، لا تتأخر بعد الآن … هذه المرة  أسامحك ، لكن في المرة القادمة سوف أعاقبك.

ثم  اضاف : “الطلاب الأعزاء ، يجب أن تبني أوزبكستان جديدة ، ويجب ان تكونوا عند حسن  ظن والديكم لانهم  على استعداد للتضحية بحياتهم من أجلكم.

إذا أصبح احدكم  مشهوراً ، فسأكون فخوراً بالقول  إنني علمت هذا الطالب ،.

كلمات أستاذي هذه كان لها تأثير خاص علي وزادت من ثقتي بنفسي. بدأت همسات مختلفة في فصل  الدراسة.

“هل ستأتي إلى عيد ميلادي غدًا؟” انا ايضا سمعت تلك الكلمات. كان من الواضح أن معلمنا سمعها أيضًا.

قال المعلم: “لصوص الوقت”. نظرته الحادة للطلاب تميزت بالندم. “لصوص الزمن”.

كنت قد سمعت هذه الكلمات من والدي بينما كنت ألعب مع صديقي. لهذا لم أتفاجأ لسماعها. بينما استغرب زملائي في الفصل.

ارتجف دونيور من الخوف وكأن ، صديقه عبد الله ، قد ارتكبت جريمة.

“دونيور ، لماذا ترتجف؟” سأله المعلم.

“اسميتنا باللصوص ، أليس كذلك؟ بعد كل شيء ، أليس أولئك الذين يسرقون يعاقبون؟ “

“سارقو الوقت يعاقبون بالوقت نفسه. من خلال القيام بذلك ، فإنك تؤذي نفسك. ” قال المعلم.

“ايها المعلم ، أنا لا أفهم معنى هذه الجملة إطلاقاً. من فضلك أخبرنا عن سرقة الوقت “.

قال المعلم: “عادة ، من يسرق يُعاقب”. “لصوص الوقت ليسوا استثناء. صحيح أن سارق الزمن لا يعاقب. إنه غير مسؤول حتى أمام القانون. لكن إضاعة الوقت الآن هو بمثابة سرقة لوقتك ومستقبلك. إذا قضيت كل وقتك في العلم ، فسوف توفر الوقت وتصبح شخصًا ناضجًا في المستقبل.

يا صديقي عبد الله وأنا لصوص لمستقبلنا.

. ان  كلمات المعلم دونيورم أند في تلك اللحظة ، جعلتنا ندرك ما معني  “سارق الوقت

حتى أنه جاء إلى منزلنا على عجل: “أنور ، هل أنت هناك؟ ابتداءً من اليوم ، أستطيع أن أقول إنني أتفهم قيمة الوقت.

“نعم يا عبد الله ، أنت تفهم ، الآن نحن لا نسرق وقتنا ، نحن فقط نتبع طريق المعرفة. في المستقبل ، سنكون من بين الأشخاص الناضجين الذين ذكرهم أستاذي. أنا أتفق معك.

 لا تضيعوا وقتكم! سأتذكر دائمًا أن الوقت 

غنيمة و ثروة!





عبد الله عبد المؤمن من أوزباكستان يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "لصوص الوقت"




الكاتبة الجزائرية / ريهام عبد القادر تكتب قصة قصيرة تحت عنوان " انتمائي"


الكاتبة الجزائرية / ريهام عبد القادر تكتب قصة قصيرة تحت عنوان " انتمائي"


" أنا أيضا سيئة ، تركت شخصا في منتصف الطريق و عدت ألملم خطواتي ... " ... جلست اليوم في حديقة عامة أقرأ كتابا كعادتي  و إذا بإحدى المتسولات تبدو أحوالها رثة ، أما ثيابها فتعشى عليها القدر ... بدت على غير النساء اللواتي إلتقيت بهن في الساحة العمومية تقدمن للمارة ما قُدر لهن بيعه فتعتلي أصواتهن " أريد أن أسد جوعي ، أحتاج لتكاليف عملية ما ... و عبارات أخرى   " ، أما هاته فكانت على غير الأخريات تردد 

" أنا أيضا سيئة ، تركت شخصا في منتصف الطريق و عدت ألملم خطواتي ... " أ تراه الجوع ما زار بطنها الهزيل كي تطلب من الجميع ما يسده ؟ أو يا ترى ما كل من هو مريض يحتاج إلى عملية مستعجلة ، فالبعض مريض بالسنين ، بالعمر ، بالإنهزام ، بالخذلان حتى ؟ ... شردت في خطواتها المتمايلة و هي قادمة نحوي ، جلست قبالتي ثم أخذت كتابي بالقوة و بدأت تقرأ عبارة لا أعلم كيف تسللت إليها ... الحروف كثيرة و الصفحات أيضا كيف اختارت عبارة " من أصابوا الناس بالأذى كيف تغيب عنهم فكرة إنتقام الله ؟ " ... الغريب أنها فصيحة في إلقاء الكلمات ، يا ترى من كان له فيها كل هذا ؟ ... خشيت أن أسألها فتؤذيني و كما نعلم جميعنا بأن مظاهر المرء لا تعكس داخله الطيب ... و كان لها ذلك أيضا ، لوهلة بدأت تعود  بحجابي كلما أبعده الريح ، قالت " أنتِ جميلة جدا  " إبتسمت بطيب خاطر  ... أكملت " و إبتسامتك أجمل ، ملامحك ملائكية صدقا ، هل قيل لك ذلك " أومأت بنعم ... عليكِ أن تحافظي على سلامة وجدك من الدنس ، صوني روحك ، كي تثبتي على ما أخبرتك به ، أخاف عن طيبتك أن تبتر و رقة ملامحك ... فسكتت و نظرت إلى نفسها ، و أضافت كان يحبني أدار ظهره للجميع كي يظفر بي ، كان يحبني يخاف علي أن أغدو لا شيء بالنسبة له ، كان يحبني فعمل نادلا في مقهى الحي بنصف راتب كي يطلب يدي من والدي ... نعم و بعد ؟ ، هه تركته كي أقبل عرض الزواج من إبن صديق أبي صاحب أكبر شركة نسيج في البلاد ، لما يملكه من أموال طائلة و إذا بي أغدر به بأقرب صديق له ، لا أدري لما فعلت كل ذلك ، تركت من عشق روحي لطيبها و ركضت خلف الدنيا و رجل أول همه كيف يفوز في صفقاته لذلك إختارني  ، مقابل إتفاق ما ! ... أما حبيبي فقد تركني بوداع بارد لم يلقي عتابه علي حتى ، أظنه وجد بأنني لا أستحق لومه ! ، كان يصرخ علي عندما أتجاهل رسالة ما ، منذ أن اكتفى بالصمت أدركت بأنني لم أعد أعني له شيء ... طُردت من البيت بعدما ألحقت العار له ، فقد إنصعت خلف بنات الهوى و ها أنا ذي لم أدرك حجم أخطائي إلا بعدما رأيت زفافه فقد حلمنا سويا و حقق كل ذلك لوحده ! ... طرقت مرة بابه ففتحت لي زوجته الجميلة بابه نادت بإسمه أن يأتيني ببعض الخبز ... ظنوا أنني مجنونة ربما هه ! ، "لكن أدق بابكم  دقة الأيتام  لا أريد خبزا ... أريد روحي " ، أتسمحين أن آخذ كتابك لطفا يا حلوة ؟ 

-تمام  هو لك ... سارت في دربها تردد " أدق بابكم دقة الأيتام لا أريد خبزا أريد روحي.




الكاتبة الجزائرية / ريهام عبد القادر تكتب قصة قصيرة تحت عنوان " انتمائي"




الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الــحـب الـســرمـدي يعانق الأحلام" 

الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الــحـب الـســرمـدي يعانق الأحلام"



حين احترقت كلمات السنوسي وودع قلبه تقاسيم حب "سرمدي"، عشق المسكين فن النسيان؛ عشق الألم والحزن وتقاطيع ذكرياته الحزينة الكئيبة، وأدرك مطلقا أن الحب لا يولد في لحظة أو في لحظات، وَثبَة من الوَثبَات واستحضر السنوسي ما قاله الملوح:

ما بالُ قَلبِكَ يا مَجنونُ قَد خُلِعا في حُبِ مَن لا تَرى في نَيلِهِ طَمَعا

الحُبُّ والُودُّ نِيطا بالفُؤادِ لها فأصبحا في فؤادي ثابتين معا

وزادني كلفاً في الحب أن منعت أحب شيء إلى الإنسان ما منعا.

وأي منع إذا كانت تراتيل الأماني الدفينة تخنق تقاسيم وجه السنوسي الطامح الحالم بابتساماته الزائفة وتبعثه إلى هوة القدر، علاه يجمع من شتات أفكاره المشلولة ومن رفات أحلامه الجريحة، لحظات أنس هارب يؤمن بوجود كلي لا يمكن أن تمحوه ساعات فراق وبين طويلة.

كان السنوسي كثير المباهاة بالنفس، شديد الإعجاب بها، يقود سيارته البيضاء الصغيرة القديمة، يقودها بسرعة فائقة وبين الفينة والفينة يتوقف محركها، فينزل السنوسي ويرفع الغطاء ويدخل يده الشريفة فيعاود المحرك الدوران من جديد.

لم يكن يمتلك مذياعا من طراز جديد ،لكن ذلك لم يمنعه من الاستماع لأغنية "قاتلتي ترقص حافية القدمين بمدخل شرياني" فقاتله الخوف الذي يهيكل مشاعره ويدعوه إلى النسيان، نسيان عبارة عدم الرجوع بين الوجود والعدم بالمفهوم الوجودي السارتري. حتى فعل التلفظ باسم الساكن في ذات السنوسي أضحى للكثيرين من أترابه مجرد وهم؛ وهم الحرية عند سبينوزا المزعوم،

صرف نظره عن هذا الوهم حسب ما يعتقد أقرانه وبدأ الغناء مع كاظم الساهر:

هل عندكِ شك أنك أحلى وأغلى امرأة في الدنيا؟!

وأهم امرأة في دنيا ..هل عندك شك؟!

هل عندكِ شك أن دخولك في قلبي

هو أعظم يوما بالتاريخ وأجمل خبر في الدنيا؟!... والسنوسي يقود السيارة البيضاء الصغيرة حينها أدرك أنه أسير حب سلب حريته وألهم ذاته قدسية الوفاء، وفاء لتلك الذكريات التي تعانق الأحلام وتسكن القلب بل تملكه وتلبسه صفة الالتحام الكلي.






الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الــحـب الـســرمـدي يعانق الأحلام" 






 

الكاتب السوداني / مجاهد ميرغني يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التضـحيـة ليـسـت خيـانـة" 


الكاتب السوداني / مجاهد ميرغني يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التضـحيـة ليـسـت خيـانـة"



أحمـد شـابٌ فـي العشـريـن مـن عمـره، توفـى عنـه والـده تـاركـاً خلفـه أُمَّـاً وأخـتيـن، وكـان أبـوه لا يمـلك سـوى قطعـة أرضٍ صغـيرةٍ، يـزرع فيـها ويجنـي منـها اليسـير مـن المـال. بعـد وفـاة والـده، كـان لـزامـاً عليـه أن يتـرك دراستـه ويعمـل بالمـزرعـة الصغـيرة ليـلاً ونهـاراً؛ حتـى يوفـر أبسـط احتيـاجـات العيـش الكـريـم، ولسـان حالـه يقـول: "أيُ حمـل ثقيـلٍ تركتـه لـي يا أبي؟"

كـان واقـعـاً فـي حـب فتـاةٍ فـي القـريـة، تُدعـى مهـا، ابنـة مـدرس اللـغـة العـربيـة، بعـد جـدٍ وكـدٍ بنـى أحمـد منـزلاً متـواضعاً وكـأنـه يستعـد ليـكمـل نصـف دينـه.


 فـي صبـاح يـومٍ جميـلٍ؛ ذهـب أحمـد إلـى مـنـزل أستـاذ اللغـة العـربيـة طـالبـاً يـد ابنتـه مهـا، وهنـا كـانـت الصـدمـة بعـد أن سـأل أحمـد عـن وضـعـه المـادي ومستـواه التعـليمي! فمـا كـان رده إلا طعنة خنجـرٍ علـى قلـب أحمـد، قـال لـه: "أنـا لا أزوّج ابنتِـي إلا لرجـلٍ ثـري". اغـرورقـت عيـنا أحمـد بالدمـوع، وازدادت ضـربـات قلبـه ولكنـه لـم يستسلـم، وقـال لـه بصـوتٍ حـزيـنٍ منكسـرٍ:

"ومـا الشـروط التـي يجـب أن تتوفـر في هـذا الرجـل؟"

قـال الأستـاذ:

"يجـب أن يكـون لـه سيـارة بأحـدث الإصـدارات، ومنـزلاً فخمـاً، وقطعـة أرض كبيـرة".

طـأطـأ أحمـد رأسـه وهـو يشعـر بالإنكسـار ولكـن حـبـه لِـمهـا هو الذي جعلـه لا يستسلم، وفكـر في أن يسلِّـم أرض أبيـه لأحـد العمـال، ويغتـرب خـارج البـلاد ليزيـد مـن جهـده ويعمـل فـي مختلـف الأعمـال الشـريفـة التـي تجعلـه ينفـذ شـروط والـد حبيبتـه، وبعـد اِغتـرابٍ دام لسنـوات عـاد أحمـد وقـد نفَّـذ كـل الشـروط، عـاد وهـو يشعـر بالإنتصـار؛ لأنـه سيتزوج الفتـاة التـي أحبهـا حبـاً شديـداً.

ولكـن يبقـى السـؤال مطـروحـاً هـل ستـكتمـل فـرحـة أحمـد أم لا؟!


بعـد عـودة أحمـد إلـى القـريـة، فُـوجـئَ بـأن مهـا وأبيهـا قـد رحـلا مـن القريـة، وانقطعـت أخبـارهمـا، فأخـذ أحمـد يبحـث عنهمـا هنـا وهنـاك فـي كـل أنحـاء الـولايـة، ولــكنه لـم يجـدهمـا؛ فـذهـب إلـى العـاصمـة يبحـث عنـهمـا فـي كـل مكـان، وهـو خـائـفٌ، ويقـول:

"مـاذا لـو أصـابهـا مكـروه؟ سأمـوت... سأمـوت!


بعـد عـدة شهـور مـن البحـث والتعـب كـاد أن يستسلـم، وبينمـا كـان يتجـول فـي أحـد الطرقـات، وجـد (بقالـة) فـذهـب إليهـا ليشتـري مـاءاً بـارداً يـروي بـه ظمـأه، أخـذ قـارورة المـاء يشـربُ فيهـا، عنـدهـا وقعـت منـه صـورة لمحـبوبتـه مهـا؛ انحنـى ليـرفـع الصـورة لمحهـا صاحـب البقالـة فقـال لـه:

"أليسـت هـذه زوجـة دكتـور علي إختصاصـي الأورام؟"

اندهـش أحمـد مـن كـلامـه؛ فقـال لـه:

 -بنبـرة صـوت حـزيـنة-

"لـو تعـرف مكانهـا دلنـي عليـه"

قـال الرجل: "نعم، أعرف".

ووصـف لـه منـزلهـا، وعـندمـا وصـل أحمـد إليـه، وجـد البـاب مغلقـاً وكأنَّـه لا يوجـد أحـد بالداخـل، نظـر إلى يمينـه فوجـد مظلـة كبيـرة بهـا مبـرد مـاء، ذهـب وجلـس فـي ظلهـا، نسبـةً لتعبـه الشديـد إنتابـه النعـاس فنـام، ولـم يستيقـظ إلا علـى صـوت سيـارة سـوداء اللـون، وقفـت أمـام المنـزل الـذي وصفـه لـه صاحـب البقالـة، نـزل منـها دكتـور علـي إختصـاصـي الأورام؛ وفتـح بـاب السيـارة فإذا بمهـا تنـزل مـن السيـارة، وتحمـل علـى يـديهـا طفـلاً رضيعـاً، وهـي تقـول أحمـد حبيبـي أغلـق البـاب؛ فيخـرج إبنها الأكبـر وهـو فـي الخامسـة مـن عمـره ويغلـق البـاب. 


مهـا لـم تخـن أحمـد ولكـن أُجبـرت علـى ذلك؛ بعـد أن مـرض والـدها بمـرض السرطـان، وكـان يجـب أن يُجـري عمليـة سريعـة، ولـم تكـن لديهـا المـال الكافـي للعمليـة، فعـرض عليهـا دكتـور علـي الزواج مقابـل أن يتكفَّـل بالعمليـة، وُضعـت مهـا أمـام أمـرين أحـلاهمـا مـرُ؛ إمَّـا أن تقبـل بعـرض دكتـور علـي،  ويستـرد والـدها عافيتـه، وإما أن تضحـي بوالـدها وتنتظـر حـب حياتهـا. وافقـت مهـا علـى عـرض الدكتـور وتـم إجـراء العمليـة بنجـاح، وتزوجـت مهـا مـن الدكتـور وأنجبـت ولـداً سمَّتـه أحمـد علـى إسـم محبوبهـا السابـق، وهـو ابنهـا الأكـبر.


 كـاد أحمـد أن يغمـى عليـه مـن شـدة الصدمـة وكـان يقـول ويـردد كيـف لهـا أن تخوننـي؟ كيـف لهـا أن تخوننـي؟!


 رجـع أحمـد إلى القريـة منكسـراً، لـم يستطـع التحمـل ففكـر مراراً وتكـراراً فـي الانتحـار ولكن كان أحــد ينقــذه في كـل مـرة، وأخيـــرا لجـأ إلـى الإدمـان ليحـاول نسيـانهـا.


تدهـورت حالتـه، وضيَّـع مالـه فـي تعاطـي المخـدرات، وأصبـحت قصـة أحمـد حديـث أهـل القـرية، حتـى وجـدوه ميتـاً فـي احـدى الطـرقـات التـي تـؤدي إلـى المدينـة التـي تسكنهـا محـبوبتـه.





الكاتب السوداني / مجاهد ميرغني يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التضـحيـة ليـسـت خيـانـة" 





 

الأديب التونسي / عماد الدين التونسي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صحفة اللبلابي" 


الأديب التونسي / عماد الدين التونسي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صحفة اللبلابي"


كان الكرم منفى طيبا كريما، لولا بعده عن دار الشعب أين تعرض "الأفلام "أو قل،  تعرض "الأحلام" ...

كل منفى موحش، حتى لو كان فردوسا وجنة خلد....

أكرم الآباء أولادهم في اليوم الأول، وتابعوا إكرامهم في اليوم الثاني. كانوا يرسلون لهم وجبة الفطور ووجبة الغداء في صرّة مع أحد البالغين المدربين. وكان الصبية يأكلون من فضول الفطور على العشاء: جبن دسم يعلق دهنه باليد فلا يزول سوى بالصابون، مربى تين، زيتون، بيض...، ثم نسوهم في اليوم الثالث. لعلهم مشغولون بجراحات الكرامة والشرف، فجروح السنان لها التئام وجرح الكرامة ليس يلتام، لسان حالهم: أولاد، سيتدبرون أمر لقمتهم، ثم إنهم صيادون. 

ولم يكذّب الصبية خبرا، نزل عادل إلى الوادي وإصطاد سمكة  تزن بعض الكيلو غرامات، في الماء الضحل، بيده، ومن غير شبكة، شقّوا بطنها، وبطحوها على النار بحراشفها، بعد أن ملّحوها ونثروا عليها بعض التوابل، وتغدوا بها ، كانت طرية اللحم. المثل يقول: الضيف في اليوم الأول من ذهب، وفي اليوم الثاني من فضة، وفي اليوم الثالث من حديد. صرنا حديدا يا ليوث الله...

عذرهم عدنان: الكرم بعيد، هم معذورون، للغائب عذره...

قال الصبي الضّلّيل: لقد خذلونا. وأردف يعذرهم: لعلهم يخشون العيون والعسس.

في اليوم الرابع أمدّوهم بمؤونة، أرسلوا لهم بأوعية من الأطعمة المحفوظة بعناية السكر، أو رعاية الملح، مثل  التن، والسردين، والزيتون، والهريسة، والجبن، وكيس من خبز، على هيئة هلال مضلع، فيه ثقوب مثل الإسفنج، يرش عليه الماء، فيعود طريا هشا سهل المضغ، وهو طيب. يخبزه المزارعون الذين يغيبون في البرية شهورا للفلاحة أو الحصاد، وهذا يعني أننا لن نرى أهلنا  إلا كل أسبوع مرة... 

لا خوف من الجوع يا أيها المتمردون، فالطيور كثيرة، ويمكن صيد السمك في الماء الضحل. أكثر ما كان يثير لوعة الصبي الضّلّيل هو السينما، فأول ما كان يفعله صباحا بعد شراء الخبز من الفرن هو الذهاب وراء شارع البلدية. هناك، مقابل المقهى القديم، المحاط بنباتات الحلفاء، التي تنبت حرُّة، وخضراء، يعلّق عمال" دار الشعب" لوحة كبيرة، على الحائط  ملصق الفيلم... 

فإذا كان الفيلم للحركة والمغامرة.مثل أفلام الكاراتي العنيفة، أو فيلما بوليسيا، أورومنسيا ، إزدهت الحيطان بالصوِّر الملوَّنة، ووعد صباح الغد بالسعد، وبالإثارة. أما إذا كان فيلما عربيا،  إجتماعيا، إنصرف الصبي ذو القروح إلى ألعاب أخرى، فهذه الأفلام أقل بهجة....

بلغ الأصدقاء الثلاثة الخبر، غدا  سيعرض الفيلم الموعود.، "سبارتكوس " مع ترجمة وهو فيلم أمريكي من نوع الدراما التاريخية الملحمية للمخرج" ستانلي كوبريك "وكتابة "دالتون ترامبو"، مستنداً إلى رواية تحمل نفس الإسم من قبل "هوارد فاست. "الفيلم يروي قصة "سبارتاكوس" وأحداث حرب العبيد الثالثة ، بطولة "كيرك دوغلاس "بدور "سبارتاكوس" "، "لورانس أوليفر "بدور" ماركوس كراسوس"،"جين سيمونس"،"بيتر أوستينوف"، "جون  "أيرلنداو "هربرت لومى"  ... 

فيلم ، تحدث عنه الكبار والصغار والرجال و النساء في المقاهي و المحطات والمنازل والمساجد، حتى في الأكشاك، فبات للفيلم "سبارتكوس "طعم الحمص والحلوى. ، فيلم الحب والرومانسية، والثورة والحرية، صورة الإنعتاق من العبودية، تحفة السينما الهوليودية ... 

قال الصبي الضّلّيل: سنجد حلّا يا أبناء الكهوف.

- هات؟ ما هو؟ الطرق مسدودة، نحن منفيون، ومراقبون، ولعل "إبن الجزار" وجماعته يترصدوننا  على الطرقات. إنهم إن يظهروا علينا يرجمونا أو يعيدونا في ملتهم ولن نفلح أبدا، اللثام ليس حلا، فنحن في فصل الصيف. 

قال ذو القروح: الولد "عكاض "يعشق السينما، سنكلفه بمهمة سينمائية. 

ضحكوا: "عكاض  "عندما يتحمس تعرق أرنبة أنفه. 

- نكلفه بحضور الفيلم، على حسابنا، ثم يعود في اليوم التالي، ويروي لنا قصة الفيلم.

قال عادل: فكرة معقولة، لولا أنني مفلس، نحن في البرية، من أين سنكسب، فنحن نسرق مصروفنا، من الآباء، سرقةً.

قال عدنان: فكرة رديئة، لكن الرمد أحسن من العمى.

قال أشدّهم حبا للسينما الأمريكية: عندي نصف دينار.

قال عدنان: وعندي عشرين مليما، لا يستحق الرمد أكثر من عشرين مليما. 

قال عادل: هل سيرضى؟

لم لا يرضى؟ سيحضر فيلما على حسابنا. الولد مسكين، ومنتوف.

- لكن المشكلة نحن منفيون خارج المدينة. والمنفى بعيد، لن يرضى سوى هذا الصبي بهذه الصفقة.

أرسل الأولاد إليه مع أحد الزوار يطلبونه، فحضر بعد ساعات، عرضوا عليه الفكرة، فقبل فورا. إشترطوا عليه أن يحفظ قصة الفيلم بالتفاصيل الدقيقة، وعليه أن يعود لهم بمنِّ القصة وسلوى الحركات، وبعض قصاصات الفيلم. لا بد من القصاصات...

قال عكاض: القصة نعم سأحفظها لكم، لكن لا أضمن حفظ الحركات، أما قصاصات الفيلم، فسأعمل جهدي حتى أجمع لكم بعضها، فهي تجمع عادة بعض عرض الفيلم...

إذا تعطل الفيلم في أثناء الدوران إضطر عامل الآلة السيد "العوني"إلى التضحية ببعض أجزاء الشريط، ثم يلصق الجزئان المقطوعان،والفضلات الفيلمية يتاجر بها الأولاد.... 

مدَّ عكاض قدميه، وتعرقت أرنبة أنفه، وبدأ يبتزهم: القصاصات تحتاج إلى تمويل خاص، أريد ربع دينار من أجل القصاصات، ونصف دينار من أجل الأكل، فأنا دائما أجوع قبل الفيلم عندما تنتشر رائحة "المرقاز" أمام باب "دار الشعب"، وأريد أن أتابع الفيلم في مقاعد السادة، في اللوج، حتى أحفظ القصة والحركات بهدوء....

نظر الأصدقاء الثلاثة إلى بعضهم: إبن الداهية..... تعال إركب علينا..... هذا بطر..... دائما تتأخر عن الفيلم رغبة في توفير عشرين مليما، تنتظر على الباب راجيا "العم عيد" موظف الباب، وعصاه يده حتى يدخلك بربع دينار. لم ترَ بحياتك فيلما من أوله أيها المتسول.....

غضب عادل، وطرده:  أخرج من هنا. سنبحث عن غيرك. ياإبن الحرام...

فكر الصبي الضّلّيل، فعكاض أفضل من يصلح لهذه المهمة، المشكلة هي في بُعد الكرم عن العمران، سيعود الولد راجلا على قدميه، والكرم يبعد ستة كيلوميترات عن المدينة. والطريق وعر، وفيه مشكلة، عبور بيوت تجار العلف الأشداء، وكلبهم الشرس، إنها أمور تستحق التضحية.

أقترح لعكاض حلا: نعطيك أجرة الفيلم ستمائة مليم كاملة، تشتري بها تذكرة، ونصيد لك عصفورا، تبيعه من أجل طعامك والقصاصات، وأنت ومهارتك في البيع.

قال عكاض: أفكر. أريد طائرا ثمينا.. .

قال الصبي: لدينا شحرور، ما رأيك؟ 

وركض إلى الغرفة الطينية، وأحضر له قفصا فيه شحرور أسير ملتاع، يقفز من جهة إلى جهة باحثا عن ثغر عبلة المتبسم.

إبتهج عكاض لرؤية "زرياب ر"، وطرب، هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها طائرا عن قرب، سأل عكاض: لمَ لا يغني؟ قال: إجعلوه ينشد موّالا من مواويل الكروم أيها الأصدقاء.

قالوا: ليس مطربا من مطربي الأفراح يا إبن الماكرة، ولعله لا يغني إلا لرؤية الحبيب. لا أظنه سيغني لوجهك وأرنبة أنفك العرقاء. .. .

ماطل عكاض، فالشحرور يحتاج إلى بيع، والبيع ليس سهلا، لكنه رضي بالصفقة، بل إنه منّى نفسه بتجارة رابحة، سيرى الفيلم مساء اليوم، ويعود يوم غد عصرا ليروي لهم القصة، مع ما تيسر من الحركات، وبعض القصاصات. القصاصات، والشذرات الفيلمية يبيعها عادة إبن العيرود، وهو ولد يتيم، ينسب إلى أبيه عشمان، لكن لقبه القديم بقي يلازمه. متطوع لكنس أرض السينما مقابل الحضور المجاني ومليمات معدودة، وهو يحظى في أثناء التنظيف ببعض الهدايا واللقى، يظفر أحيانا بمليمات، أو  قصاصات الفيلم التي يقصها مدير آلة العرض عند تعطل البكرة، يباهي بها إبن العيرود أقرانه، ويزهو بها ويفاخر.

وضع الولد عكاض المليمات في جيبه، وأخذ العصفور الفنان الأسير بعيدا عن الكروم فإزداد الطائر أسرا نصحوه ألا يعود من طريق بيوت تجار العلف  الشرسين. 

عُد على ضفة الوادي.

مضى سعيدا ليحضر الفيلم في المساء في السينما الصيفية التي إزدحم عليها الفتية باكرا أمام شباك بيع التذاكر.

أمضى الأصدقاء الثلاثة يومهم في الصيد وأكل العنب، والتشاتم، إلى أن دارت الشمس دورتها ومضى اليوم مسلوخا، وإقترب العصر فبان طيف عكاض من بعيد، إنتظر الثلاثة فوق سطح دارة الناطور، وصل الولد أخيرا، وقد عرقت أرنبة أنفه. جلس تحت ظل شجرة اللوز التي لمع صمغ كثير في شقوق الجذع وعيون الأغصان.

- هه. كيف الفيلم يا عكاض. بشرنا. أممتع هو؟

قال وهو يلهث من التعب: فيلم تحفة. طويل، مدته ساعتان ونصف، وفيه عديد الحركات يا ليوث الله، فيلم روعة، لكنه حزين.

لخص القصة بعد أن أبرز بعض قصاصات الفيلم، فتصارع عليها الثلاثة، وهم يرفعونها بين أصابعهم باتجاه ضوء الشمس: الفلم يدور حول قصة حياة المتمرد "سبارتاكوس "الذي ثار على الحياة غير الآدمية التي كان يعيشها العبيد في ظل الإمبراطورية الرومانية، وقاد ثورة العبيد الثالثة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية من أجل نيل حريتهم، وكلما تقدموا في طريقهم في البلاد كلما إنضم إليهم الآلاف من العبيد من كافة أنحاء الإمبراطورية المترامية الأطراف حتى أصبحت الثورة التي كان يظن الرومان في البداية أنها بمثابة وخزات من بعض الحشرات - شوكة قوية تهدد كيان الإمبراطورية القوية، وأصبح لازما وضع حد لها مهما تكلف الأمر. .. .

- هيا قلّد لنا بعض الحركات يا عكاض .

يبدأ الصبي بالتقليد، فيضحكون. 

في هذه الحركة ،قال "الجنرال" والمقصود به "سبارتاكوس " :"من قال "لا" في وجه من قال "نعم!! "". يتابع عكاض سرد القصة، ويمضي الأصدقاء الثلاثة بخيالهم إلى حبيبتهم الآنسة عبير، معلمة النشاط الموسيقي والمصلحة الوطنية...!!

ويزيد الصبي من أقوال محرر العبيد: "من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال "لا" فلم يمت  ...!!"

أول مرة يسمع الصبية بهذا الكلام النافذ .الكلمة دائما محجوبة بالصمت غالبا، بخميلة، العبيد قوم أتقياء. ليسوا مثل حالنا، ويواصل في سرد الدرر: "معلق أنا على المشانق الصباح، وحبهتي بالموت محنية ،لأنني لم أحنها ....حية".  صاحب ثأر يا ليوث الله...!!. العبيد اليونانيون  أوالإغريق أكثر يقينا بالحرية منا.. .. .

راح نصف عمركم يا شباب قتل، وقبلة دافئة بين المتمرد وحبيبته . 

- قبلة!!

أقسم عكاض: قبلة معفرة بالثلج. فسدت أخلاق العبيد، يا ضراغم. 

يتابع عكاض رواية الحكاية لقد ضحى بحبيبته من أجل قضيته ، ولقدعان "الجنرال"الويل لكنه وحد معاناته مع أهل جنسه حتى كون جيشا جرارا حارب به أكبرإمبراطورية عبرالتاريخ ثم في النهاية  يموت لكنه هوا من زرع مكان الخوف شجاعة ورغبة في التحررمن كل براثن العبودية ،لقد مهد لحقبة  تحررالإنسان من أخيه الإنسان .

هل يمكن أن نضحي لبعضنا بالحبيبة ياليوث  الله كما فعل  "سبارتاكوس" !!

- مستحيل.. "سبارتاكوس"أحمق.. ترهات. الواحد منا يحارب الدنيا من أجل حبيبةه... .. .

الأصدقاء الثلاثة يحبون معلمتهم الآنسة عبير، ليسوا وحدهم، فكل تلاميذ القسم يحبونها، بل لعل كل شباب الحي يعشقونها، حتى رجالها يحبونها، يحلمون بها، المدير هو الذي يفوز بها، ويراودها عن نفسها في الإدارة مع ثالثهما الشيطان، ثم إنضم المتفقد  إلى جبهة اللذة. نحن مستعدون لقتل بعضنا من أجلها. لم تعجبنا رواية عكاض للأحداث، وهو لا يجيد تقليد الحركات، ساعتان ونصف لخصها بسطرين.... .. .

- الحركات صعبة يا أبناء الداهية.... .. . 

عكاض باع كل طناجر الدار، الطنجرة البافون التي ثمنها عشر دنانير، سحقها وباعها بنصف دينار ليدخل بها السينما، سرق القمح والنحاس وبيوض الدجاج... لم تعجبهم طريقته في سرد الأحداث، هناك أمور مفقودة في القصة، غير المعقولة، أتلفتَ القصة، وظلمتها، أضعت التفاصيل، أين القبلة، صف القبلة... بئس الراوي أنت، لا بد من إعادة البضائع الفاسدة، هذه بضاعة مزجاة.

- إعترف يا عكاض، بكم بعت زرياب؟

بلع عكاض ريقه: بخمس دنانير.

- أصدقنا القول.

- أقسم.. بتسع دنانير فقط. ثم إنفجر ضاحكا، حينها تقدم عادل قائلا : "وتضحك ،يا صحن "اللبلابي!!... "

لم أستطع إمساك نفسي من الضحك   ...ومن لهفتي على "صحفة لبلابي!!"

 سحل الأصدقاء الثلاثة  الصبي إلى الوادي ، وترجَّاهم: "التوبة يا شباب.. ثيابي."

قالوا له: لا تخف، ستجف بربع ساعة في الشمس أيها الغشّاش.

أمسكوا به وهزّوه، وراحوا يعيدون على سمعه ما قاله سابقا له :

- "المجد للشيطان، معبود الرياح، من قال "لا"في وجه من قالوا "نعم"". 

ثم قذفوه في آهات النهر الأخيرة الضحلة. 

صعد الثلاثة على الأشجار وغنّوا أغنية لم يسمعوها سوى من فم عكاض:

": "من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال "لا" فلم يمت وظل روحاأبدية للألم" . . ." !!

لكنني بعد العودة إلى الديار ، سارعت إلى تناول صحفة "لبلابي .."..وأنا أضحك تارة على عكاض وطورا من شدة لهفة على صحفة اللبلابي،وهو عبارة عن أكلة تذكر كتب التاريخ الغذائي التونسي،أنها قادمة من تركيا إلا أنها أصبحت في وقت وجيز إحدى الأكلات التونسية المغذية والسهلة الإستهلاك والتأثير على المعدة..

وهي مكونة أساسًا من الحمص وقطع صغيرة من الخبز الكمون، ويمكن أن يضاف إليها عادةً أحد أو كافة المكونات التالية: بيضة، زيت زيتون، هريسة، قبار، تونة، زيتون. 

كما تعتبر أكلة شعبية في العراق فهي موجودة أيضاً وتحضر من الحمص مع الماء المحمض، ويتم بيعهُ في الأسواق والشوارع العامة في العامة ...

لكن رغم الكبر مايزال اللبلابي موجود لكن دون نكهة الأصدقاء والضحك ....والتمرد!!...




الأديب التونسي / عماد الدين التونسي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صحفة اللبلابي"