Articles by "قصص"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

 

الأديب التونسي : عبدالكريم جماعي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "سقوط الأوثان" 


الأديب التونسي : عبدالكريم جماعي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "سقوط الأوثان"



(كدأبه في ذلك الصباح الباكر من أيام الصيف...كان يرعى غنماته عند سفح الجبل القريب..يراقبها بحرص شديد وهي تتّبع بقايا الكلأ المتناثر قبل العودة الى المنزل عند اشتداد الظهيرة ..يهش عليها بعصاه كلما حاولت احداها الابتعاد عن القطيع.. أو يرميها بحجر حين تهم أخرى بالاقتراب من حقل الزيتون..تماما كما أوصاه جده..كان يقضي وقته كله يدندن بأغان يحفظها أو يسترجع طرائف ما وقع في الأيام الماضية مع أترابه..لكنه اليوم بالذات شعر بتوتر غريب لم يعهده من قبل..جعله مشوش التفكير..مهموم الخاطر..راغبا و بشدة في العودة باكرا..فقد بقيت عالقة في ذهنه مهمة كان يعتزم القيام بها سرا..منذ مساء الأمس.. حين مرّ صدفة رفقة أصحابه  باحدى الخرائب عند مرتفع غير بعيد..فقرر في نفسه أمرا..ربما يكون له وقع خطير..لكنّه صمم على فعله مهما كلفه من خسائر..!!

قفل راجعا يسوق شويهاته أمامه..يحثها حتى تسرع خطوها..كانت تتلكأ أو هكذا خُيّل إليه..أصبح ينهرها و يلوح في الهواء بعصاه و يدفع بيديه من تتأخر منها عن مسايرة البقية..أمسى الوصول الى الزريبة غاية في حد ذاتها..بسبب أن الماشية كانت قد حصلت على كفايتها من الرعي فأضحت تسير الهوينى..غير آبهة برغبة صاحبها في الوصول بأسرع ما يمكن..تنفس الصعداء حين صار على مشارف الديار..حتى أنه نسي أن أغنامه كعادتها ستسبقه جريا علها تظفر بما أعدّ لها من شعير أو بقايا خبز يابس.. وُضع أمام الزريبة قبل ان تَدخلها لتنعم بالظل وهي تجتر كل ما التهمته في ذلك الصباح..أحكم اغلاق المنفذ ببرميل قديم..ثم وضع فوقه بعض الأغصان اليابسة الغليظة..دلف الى المطبخ..كأنه لص..يريد أن يتناول ما يسد رمقه..و يغادر قبل أن يراه أحد..وفي نفسه تصميم غريب على انهاء ما شغل تفكيره...

اتجه بحذر مفرط الى تلك الهضبة التي مر بها بالامس..فقد رأى فيها بناءً غريبا لا يزيد ارتفاعه عن المتر..شيد على شكل دائري بأحجار مختلفة الاحجام وضعت فوق بعضها في غير تناغم..مساحته لا تتجاوز مساحة القن الذي تضع فيه  جدته  دجاجاتها الستة..!!

وصل الى هدفه المقصود دون عناء..التفت حوله..خشية أن تراه العيون المتطفلة..اطمئن حين تأكد من خلو المكان..فلا بشر يتجول في تلك الارجاء..اقترب من الخرابة ببطء..دار حولها..وجد بها فتحة صغيرة من جهة الشرق..جلس على ركبتيه و ألقى نظرة الى الداخل..مد يده محاذرا أن يصادف احدى الحيات..كانت توجد ثلاث أواني فخارية ..مُلأت احداها بالماء..والثانية فيها بعض القطع النقدية الصفراء من فئات مختلفة..أما الأخيرة فبها بقايا ما يشبه الشحم الذائب..بحث حولها..عثر على علب صغيرة متناثرة من أعواد الثقاب بجانبها كيس به شموع قليلة..وقف مجددا..جال ببصره في الشعاب المحيطة..لم يكن خائفا رغم انه لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره..غير أن فكرة تحطيم ذلك الشيء والعبث بمحتوياته كانت تراوده بشدة..

فقد سمع من رفاقه حين مروا بذلك المكان بالأمس..أنّ هذه الخرابة تسمى " المعمورة" و توجد مثيلاتها بكثرة في أغلب الهضاب في ذلك الريف..تقوم بتشييدها بعض العجائز اللاتي تحرصن على اشعال شمعة كل ليلة جمعة من كل أسبوع..كما يضع العابرون  قطعا نقدية على سبيل الصدقة..أما الماء فهو شراب للجان الذي يملك المكان..فهي بالتالي بمثابة تعويذة تحمي القاطنين هناك من السحر و العين و غيرها..

كان رغم صغر سنه يمقت تلك الخرافات و لا يطيقها رغم تحذير الصبية له بأن كل من سولت له نفسه سرقة النقود الموضوعة هناك او حتى مجرد ازالة بعض الحجارة..فهو بالتاكيد ستصيبه لعنة آثمة أو مرض خبيث أو مس من الجنون..لن يقدر بعدها على الشفاء..!

تراجع قليلا كان مترددا وهو يتخيل تلك الاشباح التي ستأتيه في الظلام و تعاقبه..و فجأة استجمع كل رباطة جأشه وانهمك في ازالة تلك الحجارة بهدوء حتى لا يحدث ضجيجا من شأنه أن يفضح أمره.. ثم وضع المال والكبريت الذي وجده في جيبه...غادر بسرعة بعد أن ترك تلك المعمورة قاعا صفصفا..و قلبه يرقص فرحا و سرورا غامرين..لأنه استطاع هدم أحد تلك الاوثان..لكنّه كان غرّا صغيرا..و لا يدري أن الوثن الاعظم هو ما ترسخ في الأذهان وصدّقه الإنسان..!!)




الكاتب الصحافي والقاص الجزائري / بشير عمري يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التماثيل الأليفة"


الكاتب الصحافي والقاص الجزائري / بشير عمري يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التماثيل الأليفة"



 

 

التماثيل الأليفة

 

أعترف أن مقترحها ذاك قد صدمني في الوهلة الأولى، لكني لم أشأ أن أفجعها بهاته الحقيقة ونحن في بداية الطريق الوردي، كما أسمته ورسمته بلون الكلام، فهي تصر على أن تعبر على علاقتنا الجديدة بالبلاغة لأنها فنانة تنحت على الخشب والصخر بدائع الصمت، فيتجلى صارخا صاخبا بضوء التعابير في الليل كما في النهار، أما أنا المسكين، فشأني شأن كل عربي، مهموم بالسياسة وقراءة الصحف وتكديسها بالبيت خشية تدنيس اللغة العربية بالمسح بها على زجاج السيارات المستوردة ومرايا خزائن الفلين بغرف النوم، أو حمل بصل الخضارين وأعشاب وبخور العطارين! ثم إنها ستقدم لي هدية بمناسبة عيد ميلادي، سيكون من عدم اللياقة وقلة اللباقة التدخل في خيار الهدية.

 لكنني كنت دوما حازرا بارعا، أتنبأ من أسئلة صاحبي الأولى خطوه القادم بلسانه أو يده، فمن أول حوار بيننا، كنت قد حرصت على أن لا أظهر لها على شاشة الحاسوب واكتفيت معها بالمحادثة الصوتية رغم إلحاحها، تحججت بكل ما استطعت من حجج، كضعف تدفق النت من صحراء الجزائر، ترهل حاسوبي وقدمه، عدم وجود خيارات جديدة فيه، كانت تصمت غير مقتنعة، وهكذا أفلت من نية سوزان في نحت تمثال لصورتي كي تهدينيه بمناسبة عيد ميلادي!

ثم ولمَ عساها أن تنحتني على الصخر أو الخشب؟ ما الذي فعلته أنا للبشرية كي استحق أن أُخلَّد على الصخر؟ لست سوى فتى عربيا حالما بالزمن، والتماثيل هي أحمال لأفعال وأحلام أبطال أصحابها، أنا لم أكن بطلا رياضيا تهتف له الحناجر في الملاعب ويذاع اسمه في نشرات الأخبار وتدفع له الأموال بسخاء ولا مغنيا ترقص النساء بعطورهن النفاثة في الحفلات والحانات والاعراس على صوته، فلما عساي أن يحمل شكلي الصخر أو الخشب أو...

آه هنا خطرت لي فكرة لما تذكرت ما روته لي سوزان وهي تحكي لي عن رغبتها في خوض تجربتها الأولى هذا العام بالنحت على الجليد بالمرتفع البارد بمنطقة بافاريا، فقلت تحت إصرارها بأن أظهر لها سواء صورة أو حركة على شاشة حاسبوها، قبل الموعد الذي سبق وحددته لها وأنا العربي المفتون بزمن الظهور ومهوس بحسابه وشبق الانتظار فيه، ماذا لو تجرأت وأوقحت متدخلا في شاكلة هديتها لي وطلبت منها ما دامت مصرة على أن تهديني تمثالا بشكلي، أن تنحتني على الجليد، هكذا حين ستزورني كما وعدتني الصائفة القادمة، سيذوب التمثال قبل أن يعبر الحدود الجوية ويمطر ماء على الجزائر، ضحكت من هذه الفكرة، لكني رأيت سوزان المتعلقة بي وبلحظة ظهوري متجهمة في خيالي، فقلت لقد أدركت بحدة ذكائها الألماني حيلتي العربية الساذجة وأصلها غير المنطقي..

احترت ولكني لم أسكت في حوار نفسي معها، فارتأيت أن أتغسل أمامها من كل سماجة أحستها من كلامي، فقبل كل شيء هي سوزان الألمانية الشقراء التي من حسنها يذوب الصخرة والخشب طوعا فيتجلى من تحت ضربها بالمطرقة على الإزميل تماثيل سارة للنظارين، فعزمت على أن أخدش شيئا من ذاكرتها القومية، وأثير مزية الجليد على الصخر والخشب، وأنه بلا لون عنصري أو هو بلون الماء فلا قيمة لبشرتي السمراء أو بشرتها الشقراء على الجليد لهذا أراه أحسن مادة للنحت على المواد الصلبة وحتى صلابته تظل تحت إرادتنا فإذا لم نجمده ذاب وصار ماء وهباء في الطبيعة.. رأيت في خيالي التجهم يتلاشى من وجهها ويشرق السرور، فقفزت معلنا عن نصر جديد للكلام العربي على الغربي على سرير شاب مليء بالأحلام الساخنة بغرفته بالصحار الجزائرية.

لكني عدت وتذكرت عشق سوزان للحيوانات وحين سألتني عن أيها أحب تحديدا لم أتردد في القول الهِر طبعا!

ضحكَتْ ملء ألفيه حتى رأيت لهاة حلقها متدلية في قعر ثغرها كحبة لوز ذهبية، ولم يفزعني طبعا ذلك الكهف المشرق بنور أسنانه الرخامية اللامعة، فنسيتُني أنا وهري في ذلك الثغر الوردي، قبل أن يعيدني إلى الواقع انقطاعها عن الضحك في نوبتها المرحة، كما يعيدني انقطاع الكهرباء المتكرر ساعة الحر في الصحراء الجزائرية إلى واقعه اللاهب:

- ما الداعي إلى كل هذه الموجة من الضحك؟

- سألتك عن الحيوان!

- نعم وأجبتك بالهر!

- أوالهر والكلب لا يزالان في عداد الحيوان عندكم؟

- ......

- طيب.. لا علينا، أنا أحب السحالي!

ارتج قلبي، هل ستهديني تمثل سحلية، إذا عليَّ الإسراع بأن اقترح عليها الضب، هكذا سيكون مثاليا لخطتي سأضعه مكان الغزلان المحشوة جلدها بالتبن التي اشتراها والدي من سوق الخميس!   

- لكنك لم تسألني لماذا؟

بلى عزيزتي، كنت سأسلك، فقط أنا عربي متأخر بعض الشيء عن السؤال، إيقاع العقل يعني فقط..

- لماذا؟

- لأنها حيوانات مُعلِّمة مثالية للحب شبقة له دوما!

شعرت بحرارة تكتسح جسدي، هل سيكون التمثال القادم منتصبا حبا؟ فأين علي أن أنصبه بالبيت، وغرفتي لا زالت مستباحة من أختي ووالدتي للمسح والتنظيف تحت زعيق أمي والحاحها علي بالضرورة الزواج، وأنا الذي لا يملك سوى أحلام معطلة..

أيلزمني أن أفكر من الآن في شراء قطعة قماش وأخيطها سترة لتمثال سحلية سوزان المنتصب بالحب؟ ومن هذا الخياط اللعين بالبلدة الذي سيبكي من فرط الضحك، كما ضحكت سوزان ويرعبني بلهاة حلقه المتدلية في جوه مغارته الخالية إلا من قليل الاسنان السفلى، مغارة المظلمة كظلمة أحياء الشوارع الشعبية للبلدة، إن أنا طلبت منه أن يخيط سروالا أو لباسا داخليا لضبي!  

غير أن تغيير سوزان الكلي والمفاجئ لمجرى الحديث، وإثارتها لمسألة أقداس الحروب بدول الجنوب، جعلني أكثر خيفة من ذي قبل في مسألة مشروع هديتها التمثالية لي، فلحظتها ارتجعت بالذاكرة لحواراتنا عما يعلق كثيرا على صحف الجزائر من صور ومذام ومدائح ومذابح مليونية عبر التاريخ!

لا حبيبتي لا توقظي الصخر بخيالك فيُغل الصدر في بلادي، لقد جفت صحارينا من نصف نفطنا ومجرى الدم لا تزال إبره وأباره تتقاذف في ربوعها الحارة وتحت شمسها الحارقة..

سوزان لم ولن تسمع آهاتي تلك، فما أن سمعت دقات جرس الساعة الحائطية بغرفتي كما اعتدنا كل يوم الافتراق عليه وهو يعلن عن منتصف الليل بتوقيت الجزائر، حتى أبرقت من حاسوبها إلى مسمعي مقطوعة بصوت صبياني Happy Birthday to You .. شعرت بغبطة غريبة، فأنا لست معتادا على الاحتفال بغير مواليد الأنبياء والأولياء، وطبعا كتمت ذلك في داخلي ولم أبح به لسوزان، لا ليس حياء أو خجلا، بل حتى لا تعود من بعدي وتسأل في النت عن انبيائي وأوليائي وتنحت أحدهم على الصخر أو الخشب فتلقي بي في قعر جهنم المدينة وأنا أستلم الطرد من موظف البريد..

بعدها أشارت إلي بأن أفتح علبة رسائلي لأستلم صورة هديتي!

اسرعت كالصبي إلى ذلك حتى من دون أن أدعها تنهي كلامها، كنت ومزهوا ومغزوا بشعور غريب، أي الصور تكون عساها قد أرسلتها إلي من قبل أن تأتني زائرة للصحراء الجزائرية هاته الصائفة بتمثالها لي، أي عضو من جسمها تكون قد التقطته بكاميرا هاتفها النقال وأهدتني إياه اليوم، هل شفتيها سيكونان مطبوعين بحمرتهما على بطاقة جميلة مورَّدة؟ إذا حصل فعلا ذلك سأعجل من موعد الظهور، وأظهر لها جسدي البرونزي العربي الصحراوي الذي يعبق بروائح النفط، فهي قالت لي أنها تحب ذلك اللون الفائح !

وكما يضيع من صاحب صندوق المجوهرات مفاتحه، ضاعت مني كلمة للمرور إلى علبة بريدي الاليكتروني من فرط القلق والشوق والشبق معا، راجعت كل الكلمات السابقة التي كنت أمر من خلالها إلى حسابي بدء من اسم وتاريخ مولد والدتي ثم تاريخ ميلاد ووفاة والدي مرورا باسم تلك العربية الوحيدة التي أحببتها عبر أمواج الصوت دون أن أراها، لكن بلا جدوى، قبل أن ينفتح بقدرة القادر تحت مسمى لم أعد أذكره فكانت صعقتي كبيرة!

- هل فُتح بريدك؟

- نعم

- وأخيرا.. وإذا هل أعجبك التمثال في الصورة؟

- طبعا!

- هل تفضل أن ارسله لك عبر طرد بريدي أم تنظر حتى أتي به معي في الصائفة المقبلة؟

أعلي أن أخبرها بأن التماثيل حرام ببيوتنا ولو كانت لآبائنا وأجدادنا؟ سأكون سمجا وغير مهذب بالمرة إن فعلت..

- اعتقدت من كلامك عن الحيوانات أنه سيكون...

قاطعتني:

- لم يعجبك إذن، لعل التمثال لم يماثل صورة الزعيم الذي رويت لي بطولاته ووصفت لي ابتسامته الخالدة؟

- بلى أعجبني، فقط..

قاطعتني مرة أخرى ساخرة:

- لا تخف هو تمثال صغير، والتماثيل لا تنموا ولا تتحرك، فلن يطول ويخرق سقوف العمارة حيث تسكن كن مطمئنا..

- أعرف.. لكن مثل هاته التماثيل في بلاد العرب لا تعيش في البيوت!

- وين تحديدا؟

- في ساحات المدن الكبرى ووسط الشوارع الرئيسة!

- وداخل البيوت؟

نظرت إلى ركني البيت حيث تمثال الغزالتين الصغيرتين المحشوتين بالتبن، ذواتي عيني المها الواسعتين الدامعتين:

- فقط التماثيل الأليفة!

بشير عمري

قاص  جزائري

 


  




 الكاتب / باسم عطوة يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الفخ"  


الكاتب / باسم عطوة يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الفخ"


عندما كنتُ صغيراً، أراد أبي أن يصنع مني رجلاً صلباً، رجلٌ يستطيع الاحتفاظ بالصداقات ويستطيع -في المقابل- سحق الأعداء.


فكان أن دبر رحلة إلى الجبال، في إحدى المحافظات الجنوبية، التي تشتهر بانتشار الذئاب فيها، وقرر أننا سوف نصطاد ذئباً واحداً، على أن يكون ذلك هو قائد القطيع وليس أحد الذئاب التابعين.


أعددنا العُدة، وجهزنا أسلحتنا، وانتقينا ما يلزم للتخييم في الأماكن الصخرية، وانطلقنا إلى البقعة التي رشحها لنا أحد معارف أبي، وقد كان من قاطني هذه المحافظة في شبابه.


فعلنا كل ما يلزم..

أعددنا الفخاخ.. وألقينا لحوم الأرانب وبعضُ الضأن، استعملنا صفارات خاصة تطلق موجات صوتية يستجيب لها الذئب.. لا شيء!

ولا حتى ذئب واحد صادفناه.

لم نطلق عياراً نارياً واحداً على أي ذئب لأننا لم نرَ أياً منهم.


وفي تجولنا، أتى في طريقنا مزارع كبير.. شيخ قد أكل الزمان عظامه، حتى أننا تعجبنا من تواجده في هذا المكان وحده دون مُعين.

أتى وسألنا عم نبحث، فشرحتُ له.


فقال لي:

يا بني.. إنك جربت كل الفخاخ التي كان يجب عليك أن تضعها. إلا أنك لم تنصب الفخ الوحيد الذي يقع فيه كل الكائنات.. والذئاب على ذكائها سوف تعلق فيه، سواءٌ أكانت جائعة أم شَبِعة.


فكان أن عُدنا، بعد أيام ثلاث، ومعنا جثة ذئب مهول الحجم، قرر أبي تحنيطه ووضعه في مدخل دارنا.

أتدرون ما هو هذا الفخ؟


قال الرجل:

يا بني.. يجب أن تدع الوقت يمضي، وأنت تستمتع بالجمال وبالهدوء، ولا تتعجل.. فهناك فرق بين السعي والاستعجال.. نحن نزرع، ونترك الوقت يأتي بالثمار.


فما كان منا إلا أن أشعلنا حطباً، ونصبنا خيمتنا، وجلسنا في هدوء ليلة ثم الأخرى، نأكل ونضحك ونحكي قصصاً بلهاء على سبيل المرح.

حتى جاءنا -مع مرور الوقت- قطيع يتحسس أخبارنا..

وكلفنا الأمر عياراً واحداً.. وبعض الوقت.



الكاتب المغربي : إسماعيل بخوت يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "تمنى ألا يأتي" 


الكاتب المغربي : إسماعيل بخوت يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "تمنى ألا يأتي"



وقف عند حافة الطريق بعد أن تجاوز مخرج المؤسسة، ما زالت تحرقه تلك اللحظة، صورها تتحرك في مخيلته رغما عنه .

 وقف أمام باب القسم بعد أن أخرجهم المعلم إلى الاستراحة، جرى كل الأولاد إلى وسط الساحة، كانت تشغل مساحة مهمة من سور المؤسسة، نصفها مكسو بالحجارة، و النصف الآخر تم ملؤه بالتراب لتحفظ شيئا من ماء وجهها.

تجمع كل التلاميذ الذكور وسط الساحة و ملامحهم تفيض سعادة، ذهب معلمهم لتجاذب أطراف الحوار مع المعلم الذي يدرس بالقسم المجاور . لم يتحرك من مكانه، ظل يراقب زملائه من أمام باب القسم، كان يشعر ببرودة شديدة في قديمه، يرتدي دائما حذائه الذي لا يغيره بدون جوارب، تمزقوا، أصبحوا غير صالحين للاستعمال، لم يوفروهم له، كان يعرف كل شيء، لم يطالبهم بذلك. أضحى غير آبه بهذه الأمور، اعتادها. 

اجتمعوا على شكل دائرة بسرعة، كانوا ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر، ظل يراقبهم و الحزن يتحرك في دواخله دون كلل. دفعة واحدة  سحبوا خاذرفهم (طرومبياتهم) من جيوبهم، و بدأوا اللعب دون أن ينتبه إليه أحد.

غاص المعلم في الحوار مع زميله، أتموا الحوار في النقطة التي توقفوا عندها قبل الولوج إلى العمل و هو غير آبه بالتلاميذ، مستمتعا بفترة الاستراحة.

لم تزغ عيونه عليهم، كان مشدودا اتجاههم و هم يلعبون، كان يجرحه في الداخل دوران الخدروف (الطرومبية)، قاوم هذا الشعور، فشل، كان أقوى منه، سالت دموعه و هو يحاول أن يقي نفسه من الظهور أمامهم باكيا.

ولجوا عند معلمهم الثاني بعد الاستراحة، كان شارد الذهن طول الحصة، غاب عنه نشاطه، كان مثل الجثة، يحاول أن يجيب عن السؤال،  لماذا هم لديهم ؟، و هو لا، لم يستطيع أن يفسر ذلك.

انتبه إليه المعلم، استشف عدم مشاركته، حاول أن يدخله في الدرس، كان يجيب كل ما وجه إليه السؤال، ليتخلص فقط من تسليط الضوء عليه.

خرج الكل سعيدا كان آخر يوم قبل العطلة، سيلتحقون بعد العيد، خرج بنفسيته المجروحة، لم يستطيع أن يبعث الفرح في دواخله، لم يفرح مثلهم بالعيد، تمنى ألا يأتي! 

غادر كل أسوار المؤسسة، كان يمشي وسطهم و الألم ينخر روحه، تمنى أن يسأله أحد عمَّا به، أراد فقط أن يفرغ ما يعتصر روحه، لم يسأله أحد من زملائه، نادرا ما نتلقى السؤال الذي يجب أن يسأل في الوقت الذي نريد.

 فهم منذ تلك اللحظة أن الذوات لا تشعر ببعضها، كل واحدة تحيا ألمها منعزلة عن العالم، و لا ذات تشعر بالأخرى حتى لو أرادت.

دق أذنه صوت عمته بالكاد وقف أمام عتبة منزلهم. كانت لا تفوتها زيارتهم كلما جاءت لزيارة والديها، كانت تأتي لزيارة أخيها، تحفظ له في الذاكرة الكثير، وقف جانبها في وقت الشدة، كانت تشعر أنه أصبح في حاجة إليها بعدما تردت وضعيته المادية و الصحية.

خفق قلبه، تحركت أحرف الفرح على ملامحه، شعر بنفسه أنه وفر ثمن شراء (طرومبية)، عانقها بحرارة بعد أن دخل، أتت له بالعديد من الثياب، كانت شبه مستعملة، لم يرتدونها كثيرا أبناء من تشتغل لديهم.

كانت تقيس عليه كل بذلة أتت له بها، و تقول بصوت بهلواني يجعله يضحك رغما عنه: على مقاسك يا عمر، على مقاسك.

كان مشغولا  فقط كيف يفتك منها الدرهمين ليشتري (طرومبية) لم تكن تهمه الملابس، فعلها مرارا ارتدى ملابسا مستعملة يوم العيد، و خرج بها أمام رفاقه على أنها جديدة، كان يذبحه من الداخل هذا الأمر، لم يشك فيه أحد يوما، لكنه كان مستعدا أن يخبرهم الحقيقة إن سأله أحد، يشعر بها أنها تحرره، تسمح له  بتنفس الحياة رغم كل الخراب الذي تخلفه بعد النطق بها.

استل من وسطهم، جلس ينتظرها خارج المنزل، جلس يفكر كيف  سيخبرها، يستحي أن يطلب من شخص ما شيئا، تعلم من والده أن ما لديهم كاف . 

خرجت وحدها من منزلهم على غير عادتها، لم ترافقها أمه إلى الباب الخارجي، وقف مبتسما، و هو يرى ما كان يرجو تحقق، يريد أن يحدثها في غياب الجميع، عانقها بحرارة، أخبرها في أذنها قبل أن يفك جسده عنها، تبدت لها أنها بسيطة، سددت له ثمنها، عانقها من جديد، أغلقت الباب خلفها و دواخلها تفيض سعادة برؤية الفرح في عيونه، شعر بأنه أسعد إنسان.



 

الكاتب الصحافي المصري / شعبان ثابت يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "دموع الشاعره" 


الكاتب الصحافي المصري / شعبان ثابت يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "دموع الشاعره"



حطت الطائرة في مطار القاهرة ونزلت هدى أرض المطار لتطئ قدميها أرض الوطن بعد غياب 30 عاما قضتها في إحدى دول الخليج العربي.

وعادت بها الذاكرة إلى أيام الصبا والشباب حيث إلتحقت بكلية الآداب لتدرس الأدب والشعر الذي عشقته وأحبته منذ الصغر وهي الفتاة القروية هادئة الطباع صاحبة الإبتسامة الساحرة التي جذبت إليها كل زميلاتها وزملائها في الجامعة بعذب كلماتها وأشعارها التي كان يلتف حولها الزملاء ليستمعوا منها أبيات شعرها بصوتها الخافت فيلف المكان الصمت حتى يستمعوا جيدا لكلمات أشعارها التي كانوا ينتظروها بشغف كبير!!


بينما كان يجلس فؤاد يراقب من بعيد تحركاتها وكلماتها وإبتسامتها حتى فرغت من إلقاء شعرها وإقترب منها ليُعَرفها بنفسه ومن يومها صار لقاء هدى وفؤاد لاينقطع فقد إكتشفت أنه عاشق لشعرها وهو الشاعر الموهوب الذي كان شعره يملأ قاعات المحاضرات بين الطلبة والطالبات ووجدت هدى الهادئة ضالتها في فؤاد الذي شغف فؤادها حبا بل قُل عشقا ومن بعدها لم يفترقا حتى ذاع صيتهما في الجامعة بإسم الشاعر والشاعرة وتخرج فؤاد قبلها وإنتظرها سنوات قليلة لتُكَلل قصة حبهما بالنجاح وتزوجا وسافرا معا إلى إحدى دول الخليج العربي!


وعاشا هناك كزوجين عاشقين لبعضهما أجمل قصة حب تَنَقلا فيها بين المنتديات الشعرية والأدبية وحصلا على أكبر الجوائز الشِعرية والأدبية من الصحف والمجلات الخليجية بشعرهما وقصصهما القصيرة والطويلة أحيانا ولكن لأن ليس كل مايتمناه المرء يدركه فبعد سنوات عدة من الزواج لم يُرزقا بأبناء بالرغم من أخذهما بكل الأسباب الطبية من عمليات حديثة وإستنفذا كل الأسباب فإنغمس فؤاد في ملذات الحياة بين صالات الفنادق الفاخرة وأصدقاء السوء وأهمل هدي الرقيقة الهادئة فلم يعد كما كان فؤاد الذي إمتلك فؤاد هدى فقررت الإنفصال عن فؤادها والعودة إلى وطنها تاركة خلفها سنوات من الذكريات.


وهنا وعلى أرض المطار فاضت دموع هدى على عمر مضى وعمر قادم لاتعلم عنه شيئا إلا أنها وجدت أسرتها بالكامل في صالة المطار وقد تغيرت معظم الوجوه إلا وجه صابر إبن عمها الذي تذكرته فوراً لأنه كان صابرا فعلا فلم يتزوج وعاش على أمل أن تعود له هدى التي أحبها في صمت منذ أن كانا تلميذين في الإعدادية وقص عليها قصة حبه لها ففكرت وقررت الإرتباط بصابر الصابر لتقضي معه ماتبقى من عمرها في قريتهما الهادئة.



 

 باحث السوسيولوجيا المغربي / محمد أفارس يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "ذاكرة المكان" 


باحث السوسيولوجيا المغربي / محمد أفارس يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "ذاكرة المكان"


لم أكن أعلم أن للمكان ذاكرة أو أن الماضي سيعود بحقيبته يوما ما حاملا بداخلها كل تلك الذكريات حية.. ولم أكن أستوعب السنة الضوئية.. لكن في لحظة واحدة.. وبسيف نظرة بعثت في قلبي 10 سنين من ذكريات الماضي كأنني عدت إليه وليس هو من لحق بي.. عاد ذلك الطفل يصرخ بداخلي بخجله المعتاد وبغبائه.. رغم أنني تغيرت كثيرا واصبح الشعر مبعثرا على وجهي وحتى فكري تغير كثيرا.. ظننت أنني دفنت كل شيء بهذا التغيير لكن يبقى المكان حاملا لكل ذكراياته.. وفي أية لحظة  تنموا النار من الرماد.. هي أيضا لم تعد كما كانت تغير كل شيء في شكلها لكن نظرتها وصوتها بقي صامدا أمام الايام يرفض بعناد أن يفقد تلك النبرة رغم جميع التغيرات.. بعد سنين من الغياب إلتقينا صدفة على متن نظرة خاطفة في الظلام.. نظرة رحلت بالكاتب والمفكر والذكي والقوي الذي  كنت عليه.. واحضرت ذلك الطفل الذي ظننت أنه رحل عني وضاع بين الصفحات.. ذلك الطفل الذي كان يمزج اللغات.. ويحلم أحلاما بلا سقف.. هكذا عاد الماضي في لحظة ورحل.. لا أدري هل سيعود مجددا مع ذلك الطفل الذي رغم عيوبه أحببته.. واليوم بعد أن علمت أن للمكان ذاكرة أصبحت أسأل تلك الصخرة الكبيرة هل باح لها اي أحد بسر منذ اعوام خالت أو همس لها بشيء بسيط يثبت أن الطفل لم يكن على خطأ.. وأن أحلامه المرسومة لم يكن ينقصها إلا الالوان.. لم أكن أتوقع ان لحظة قد تحمل في طياتها كل هذه التفاصيل.. أين الفيزيائيون وأهل المنطق؟.. أين عمالقة العلوم ؟ أين مفسرو الاحلام ؟ كي يفسروا لي ما الذي حدث في تلك اللحظة! كيف عشت أعوام داخل لحظة لا تزن إلا أقل من ثانية في منطق الزمان؟.. عادت بي الذاكرة أعوام بكل تفاصيل تلك الايام.. بكل سذاجة تلك الاحلام..  حتى أنني لم أفهم هل رحلت كل السنين وعاد ذلك اليوم الملون من الماضي أم هي مجرد نور من نجم مات منذ ألاف السنين؟.. بنظرة واحدة أنعشت ذاكرة المكان وبعد تلك النظرة دمعة تعلن أن الماضي للحزن عنوان.. رحلت والدمعة توقع بحبر ساخن في وجنتاي على أن هذه اللحظة لن تتكرر ولو بعد ألف عام.





الكاتب الصحافي المصري / شعبان ثابت يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "شريفة والذئب" 


الكاتب الصحافي المصري / شعبان ثابت يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "شريفة والذئب"



 حسان الشاب اليافع مفتول العضلات كان مفتونا بشريفة بنت شيخ القبيلة التي تنتمي إليها الفتاة التي أحبها لجمالها وحسبها ونسبها وفوق وقبل كل ذلك لدينها فأراد أن يظفر بذات الدين فتقدم لخطبتها وأمام إصرارها على الزواج منه وافقت القبيلة على زواجها منه وهو من الفرع الفقير في القبيلة؟! 


 ومضى عام على زواجه ثم نشبت بينه وبين أحد أفراد قبيلته مشاجرة فقتله ورحل هو وزوجته إلى قبيلة أخرى خوفاً من بطش قبيلته الكبيرة وهو الفقير بينهم فحكموا عليه بترك القبيلة إلى حيث يشاء؟ 


وعندما إستقر الحال بحسان وشريفة أصبح حسان دائم الجلوس عند شيخ القبيلة الجديدة التي هاجر إليها مثله مثل باقي رجال القبيلة وذات يوم مر شيخ القبيلة من أمام خيمة حسان فشاهد زوجته فسُحِر بجمالها وإستولت على لُب عقله فخطرت له فكرة شيطانية هي أن يُبعِد زوجها عن الخيمة لينفرد بها ويقضي منها وطرا !! 


فعاد إلى مجلسه وقال إن القرية الفلانية  فيها بستان ليس كمثله بستان وأريد أن أرسل إليها أربعة رجال ليتأكدوا من ذلك وأختار أربعة رجال من بينهم حسان زوج شريفة وذهب الرجال الأربعة إلى ذلك المكان وكان يستغرق ذهابهم وإيابهم ثلاثة أيام. 


وعندما أرخى الليل سدوله ونامت أعين الناس ذهب إلى خيمة شريفة وهي نائمة وقبل أن يصل تعثر بباب الخيمة وأحدث صوتا فقامت شريفة على وقع الصوت وصاحت من  بالباب؟ 

قال أنا شيخ القبيلة فقالت حياك الله ماذا تريد في مثل هذا الوقت؟! 


قال أذهلني جمالك وسلبتي مني عقلي وقلبي وأريد وصالك قالت له عندي لغز إذا عرفته أكون لك كما تريد. قال وما هو؟؟

قالت له حتى لا يجيف اللحم (أي يتحول إلى جيفة) يرشون عليه الملح فمن يُصلِح الملح إذا الملح فسد ؟؟

ولك أن تستعين بمن أردت!! 


قال سأتيك بالحل في الليلة القادمة. 


 وعاد إلى بيته بخفي حنين وأمضى ليلته يفكر بحل اللغز ولم يصل إلى نتيجة وفي اليوم الثاني بعد أن إجتمع الرجال في مجلسه سألهم قائلا حتى لا يجيف اللحم يرشون عليه الملح فمن يصلح الملح إذا الملح فسد فردوا عليه كل حسب علمه إلا واحدا لم يرد بشيء وإنتظر حتى إنصرف جميع من في المجلس. 


فقال لشيخ القبيلة أردت أن أكلمك على إنفراد حتى أحل لك هذا اللغز إن لم يخب ظني فإنك راودت إمرأة عالية المقام في العلم والذكاء والدين والأدب عن نفسها فأرادت أن تصدك ولا تفضحك وأن تكسبك أخ لها ولا تخسرك وتزيد إلى أعدائها عدوا بحجمك ومقامك؟

 وتحفظ زوجها إن غاب أو حضر وقد قالت لك ما قالت وكأنها تريد أن تقول لك ولمن سمعك 


 يا مشايخ القبائل يا ملح البلد من يُصلِح الملح إذا الملح فسد فهي تقصد أن الرجل إذا فسد أصلحه شيخ القبيلة كما يصلح الملح اللحم فمن يُصلِح الشيخ إذا الشيخ فسد ؟! 


وكأن هذه الإجابة أيقظت ضميره النائم وأصابه الخجل الشديد مما فعل وقال أصبت كبد الحقيقة أيها الرجل فاستر عليا زلتي سترك الله في الدنيا والأخيرة. 


« من يُصلِح الملح إذا الملح فسد »

لا مثيل لك يا بنت العرب !!!


وعاد حسان إلى خيمته ليجد شريفة شريفة من لؤم الذئب وتدبيره بحسن فطنتها ودينها وصدق من قال :


فأظفر بذات الدين تربت يداك