Articles by "أبحاث"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبحاث. إظهار كافة الرسائل

 الكاتب والباحث المغربي / ذ : رشيد الوارتي يكتب : ذاكرة فنان ومقاوم محمد العروسي رحمة الله عليه.


الكاتب والباحث المغربي / ذ : رشيد الوارتي يكتب : ذاكرة فنان ومقاوم محمد العروسي رحمة الله عليه.


""""''''''''""""_"""""""""

إختار المرحوم إسم ” محمد العروسي” إسم شهرة له ، فإسمه  الحقيقي هو محمد ولد أطريريف، نسبة الى والده الذي كان يمتهن حرفة  «خراز»، أي «طراف»، وهو من مواليد 14 يناير 1934، بدوار بني دروكول تافرانت قبيلة بني زروال دائرة غفساي إقليم تاونات، من أسرة فلاحية .


طوال 80 سنة ، تربع المرحوم ، الفنان ، محمد العروسي ، على عرش الطقطوقة الجبلية بدون منازع ، مسيرة فنية فريدة من التراث الجبلي ، جعلت من  محمد العروسي ، قطب من أقطاب الثقافة الشعبية في  شمال المغرب .


إرث العروسي الفني


بوفاة  الراحل محمد العروسي، فقدت الساحة الفنية المغربية صرخا غنائيا بصم بقوة السجل الموسيقي الوطني، مخلفا وراءه  إرثا فنيا فريدا من روائع التراث الجبلي عز نظيره .


تعلم في الكتاب القرآني كباقي سكان ورجالات قبيلة بني زروال بشمال المغرب؛ الذي غادره في سن مبكرة  أسس المرحوم العروسي ، أولى ركائزه الفنية ، بين صفوف شيوخ التراث الشعبي الجبلي بشمال المغرب  في فن قصائد الملحون ، و نهل المرحوم من المعين الفني و النظمي لهؤلاء (مولاي المفضل الطريرف، وأحمد بالمكي، وابن التهامي )


ظهر صوت المرحوم الإذاعة المغربية  مند سنة 1958 ، حيث أنتج و أذاع على أثيرها قصائد وأغاني وطنية ، نالت شهرة واسعة بين ساكنة الريف  و شمال المغرب .


طابع أغانيه البسيط و الحامل لهموم و إنشغالات ساكنة المناطق الشمالية ، و الزاخر بالانطباعات اليومية لهم ، يعتبر واحدا من أسرار قوة أعماله ، التي أصبحت مرجعية في تراث المنطقة و ثقافتها الشعبية . أبدع المرحوم العروسي ، فغنى للمرأة، وللوطن، وللأرض و للجبال ولجمال الطبيعة، وغنى عن آلام الفلاحين والهجرة إلى غير ذلك..


أرشيف الإذاعة الوطنية المغربية ، معين لا ينصب من إرث الراحل ، فخرانته تحمل 526 أغنية ، تحمل بينها أغاني وطنية رائعة نالت شهرت كبيرة نهاية الخمسينيات . وأصبحت أغاني و قصائد المرحوم مرجعا مهما من مراجع الطرب الشعبي المغربي الأصيل. يلجأ إليه كل المهتمين بتراث وفن جبالة، وكذلك الذين يبحثون في الثقافة الشعبية.


العروسي الفنان ” المقاوم “


مع بداية فرض الحماية على المغرب ، بصوته الرخيم ، و بفنه المتميز الجميل، ساهم الراحل في إيقاظ الروح الوطنية لدى ساكنة جبالة ، من خلال أغانيه الحماسية والجريئة المليئة بالوطنية الحقة التي كانت  تدعو الى مقاومة الإستعمار الإسباني والفرنسي  بمناطق جبالة شمال المغرب .


بعد أعماله الوطنية وحماسه الوطني المنقطع النظير ؛ تعرض المرحوم للاعتقال من طرف سلطات الحماية الفرنسية سنة 1944، عندما أنتقد في إحدى أغانيه معمرا فرنسيا اسمه «القبطان صولي»، هذا المعمر كان يحكم المنطقة ويسلب خيرات أهلها تحت التهديد والترحيب ، كما تم منعه من دخول مدينة فاس سنة 1952 خوفا من انتشاره أغانيه الوطنية بين صفوف الحركة الوطنية بفاس توفي المرحوم سنة 2014م بعد عمر ناهز الثمانون عاما تاركا وراءه كما فنيا زاخرا لروحه الطاهرة الغفران والرحمة  .




 الباحث الجزائري / محمد بصري يكتب مقالًا تحت عنوان "ثقافة الاشاعة.والكذب الأسود"


الباحث الجزائري / محمد بصري يكتب مقالًا تحت عنوان "ثقافة الاشاعة.والكذب الأسود"

  



الثقافة الصفراء والتواصل الفضائحي لا يصنع وعيا بل دجلا فكريا مشوها بالكاد .لأن من يقتات على مسارات وأفعال غيره رغم نسبيتها كمن يأكل روث أبشع الخنازير البرية كما تروي الرسالة الانجيلية. التنابز والتشكيك والنيل من تاريخ وخصوصية الأفراد ومجالهم الشخصي هو عمل جبان بكل المقاييس خاصة مع تطور وسائل التواصل وانفجار  زمن المعلومة الالكترونية .لأن هذه الاخيرة ليست بريئة فهي عندما تنفلت في فضاء لا محدود وافتراضي تصبح مثل الكلب المصاب بداء الكلَّب الفيروسي الملعون الذي ينهش كل من يعترض مساره .المعلومة الإلكترونية الخاطئة والافتراضية هي فيروس يجهز على الضحية ويقتلها إنسانيا وتاريخيا في لحظة واحدة وفي زمان ومكان معينيين مرتبطين بالإشاعة، أي بالإمكان إنهاء سمعة فرد بتدوير معلومة سواء كانت صحيحة أو كاذبة وإنهاء وجوده الرمزي والإنساني وشيطنته 

و التبرأ منه ولو كان ملاكا من ملائكة الرحمة، حين تضع كل تاريخه في كفة والإشاعة الكاذبة في كفة أخرى، ليضيع وجوده في ميزان الكذب والإفك..خصوصيات الأشخاص وحرية الأفراد والجماعات والحركات معلقة بشعرة نيلون مهترئة في عالمنا الافتراضي، يكفي بأن تنتهك حقهم التاريخي لتنتهي سمعتهم بالضغط على مفاتيح الكلافييي ولوحة المفاتيح الغبية . من الغريب جدا أن الفكر الاصفر المريض هو صناعة إبليسية  وتجارة  تضخ أموالا على أصحابها ومريديها المردة.

 جوزيف بوليتزر" József Politzer صاحب أكبر جائزة للصحافة هو من عمد إلى تخريج فن الاشاعة والمماحكات الصحفية البديئة والجنسية المسيئة للناس .قصد النيل من الخصوم في فترة كانت النزاعات والحروب الحزبية والأيديولوجية بين اليسار واليمين على أوجها .الحداثة الغربية تحتفي بالفكر الفضائحي عبر تكريم الاعلام بجائزة تعود لأوسخ وأقذر فترة عاشتها الحياة الاعلامية الغربية .ماذا بعد .الغربيون يتخلصون رويدا رويدا من الاعلام الكاذب عبر سن ترسانة قوية من الرقابة القانونية على المعلومة .

خصخصة الحقيقة هي أسلوب إعلامي ومعيار جديد  تبناه جورج بوش الإبن في حروبه المأساوية غير المتكافئة  مع العراق كما ورد في مقال تحليلي لمايك  وتني نقلا عن كتاب بثينة ناصر الإعلام والحرب النفسية1. إن هذا التواطؤ المريب السياسي المقيت  سلوك حداثي مازال يحمل عفونة محاكم التفتيش القديمة حيث العقل المركزي الغربي مازال سجين ثقافة مقاعد العار و التشهير  التي سنتها الكنائس الكاثوليكية ما قبل الاصلاح البروستانتي كما يقول اوتا فريفوت. فالإدانة تكون لمجرد الشبهة أو الوشاية التي يُعاقب المشهر به علنا أمام الغوغاء والدهماء بصورة مهينة وقد ينتهي به الأمر مقتولا حتى قبيل الإعدام كعنف مطلق موجه نحو أناسة الكائن البشري المكرم ميتافيزيقيا وغيبيا من السماء.

هذه الاساليب القرنوسطية والبدائية هي تحقير للكرامة الانسانية هي تكريس للطبقية والغوغائية والحيوانية فهي تنزل بالبشري إلى الغرائزي. القذف والشتم والفضائحية هي ضد الشرف وتمثل فقطالمستوى الادنى من أفق الانسانية. 

بالمقابل نحن نقتحم عالم ما يسمى حرية الرأي والوصول الى المعلومة بالتلفيق والكذب والفضيحة . أي نبدأ من حيث انتهى الأغيار  ونعيد تكرار الخطأ والخطيئة.لا أطيل نحن "أمة الستر" الله ستر المؤمنين وغير المؤمنين من الفاجرين والفاسقين من فوق سبع سماوات .في وقت يخترق بعضنا هذا الستر.ليس تبريرا لأني أتحدث من حيث المبدأ فقط . لكن تحضرني قصة الامام احمد بن حنبل رضي الله عنه "حينما كان يحمل حزمة حطب في السوق وتوافد الناس لحمل الحطب عنه فاعترضهم باكيا بقوله "نحن عبيد الله لولا ستر الله لافتضحنا..انعمتم مساء.

محمد بصري 

هوامش 

انظر بثينة ناصر إحتلال العقل وكالة الصحافة العربية ط 2017 ص 17






الباحث الجزائري / محمد بصري يكتب : الانسان الوحش والإنسان البشر و الانسان الكريم؟ هل كان لنبي الله آدم عيه السلام بابا و ماما؟  


الباحث الجزائري / محمد بصري يكتب : الانسان الوحش والإنسان البشر و الانسان الكريم؟ هل كان لنبي الله آدم عيه السلام بابا و ماما؟


في واقع الحال والحقيقة هذه ليست مزحة جديدة بنكهة السخرية أو الاستهزاء  بل هو قول استلطافي للمفكر المصري الاسلامي عبد الصبور شاهين رحمه الله حين كان يمازح بعض الشباب في حصة من  حصص التلفزيون  قائلا  سأخرج كتابا إلى العلن أبين لكم فيه أن أباكم آدم عليه السلام كان له "بابا و ماما".كتاب ( أبي آدم قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة) كان صادما لثقافة الحسم والثبات والوثوقيات. هو براديغم جديد في اللقاء بين الإيمان والعلم أو ثورة إجتهادية جديدة  تتلاقى وأفق تجديد الخطاب الديني التقليدي الذي يرفض بعض ممثليه التخلي عن مسلماتهم العتيقة..

يتحول البشر إلى وحوش كاسرة جارحة وقاتلة تقتات على ألم بعضها البعض عندما يُدْبرون غير مقبلين  تاركين وراءهم إنسانيتهم. تتكرر كلمة إنسان في القرآن أكثر من خمسين مرة بل وصلت خمسة وستين وكلها تذكره بنبل الخَلق الذي أحاطه به القوي المكين.

الطبع فطري ثابت في شخصية الإنسان يشكل جزءا كبيرا من سجاياه لكن الغريزة 

تتغذى كما يقول إيريك فروم على كمون الطاقة التي يفرزها الطبع بمعنى وجود  تواطؤ طبيعي بيولوجي سلوكي بين الطبع الغريزة أو ما  يدعوه كذلك إطلاق العنان للطاقات الحبيسة. التشابك بين المعطيين الفطريين أفرز حالة قَلِقة سلوكيا .الجحيم كل الجحيم أن يلتقي الطبع السيء بالغريزة المنفلتة الرعناء حينها ستتضرر العلاقات الإنسانية وتنشأ الحروب والشرور.

يقول المعري : وَما آدَمٌ في مَذهَبِ العَقلِ واحِداً

** وَلَكِنَّهُ عِندَ القِياسِ أَوادِمُ


هذا الطرح  الشعري الرشيق  وإن شئتم الجينيالوجي المُستلهم من فلسفة الخلق  للآدمية  الذي يعود في  مرجعيته للمعري في لزومياته."قبل آدم كانت هناك الأوادم "و ما يبرر هذا شرعيا ويؤصله دينيا وتقوويا هو قوله عز وجل "أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفكُ الدماء”  

الأوادم التي استنتجها المعري في لزومياته وهو صاحب العقل اليقظ الشاك الناقد والمتبرم، لم تكن إلى الفكرة المترتبة عن نظريات التطور في صورتها الحديثة والمعاصرة كون آدم مجرد حلقة بين البشر وقد تكون وفق رؤية تأويلية مترتبة  عن الحديث القدسي الذي يروي أصل الخلق والنشوء الميتافيزيقي العظيم. حين أمر الله عز وجل ملك الموت فأتى الأرض فاستعاذت بالله أن يأخد منها شيئا، فقال ملك الموت :وإني أعوذ بالله أن أعصى له أمرا، فقبض قبضة من زواياها الأربعة من أديمها الأعلى، ومن سبختها ،وطينها،وأحمرها وأسودها و أبيضها، وسهلها وحزنها..البعض يرى في الحديث أسطرة لفكرة النشوء والخلق ولا تخلو من الاسرائيليات التي استعان بها كبار الرواة في مسائل تشددت فيها النصوص  وأوجزت.

الرواية الدينية تُجزم بما لا يدع الشك أو حتى منفذا للمواضعات العلمية للولوج إلى معضلة الخلق بأن النبي آدم عليه السلام هو البداية الحقيقة للإنسان. بعد النهايات التعيسة للبشر.وهي الظاهرة التفسيرية التي يحبذها عبد الصبور شاهين وينكرها زغلول نجار وهما من نفس التيار الديني وينتميان لذات الايدولوجيا الحركية التي 

لا تخلو من رياح الاسلام السياسي . 

يروي الراحل عبد الصبور شاهين رحمه الله وهو الفيلولوجي الوحيد في طبقة العلماء المسلمين المعاصرين وفقيه اللغة و المترجم الذي لا يشق له غبار ، أنه بقي خمسة وعشرين عاما  وهو يتأمل ويبحث يقرأ النظريات الاثنوغرافية ويستنطق النصوص الدينية والقرآنية والأحاديث بما في ذلك الاسرائيليات التي مصدرها أحبار بني إسرائيل  ليهتدي إلى فك الشفرة التي تميز الانسان عن البشر والخلاف المفاهيمي والعلمي بين الحقلين الانساني والبشري.ربما كان الرجل يخشى من إنفجار البالون الحرفي والنصي فوق ناصية  أبحاثه ويتم الإجهاز عليها قبل أن تعطي اجتهاداته  أُكلها وثمارها وهو ما حدث لكتابه "أبي آدم" المذكور سابقا الذي  رفعت ضده أربعة قضايا أمام القضاء المصري ورفضها لعدم كفاية البراهين والأدلة التي تصادر حقه في الاختلاف أو حتى تورطه في المروق عن الملة والدين وفق المادة 98  من قانون العقوبات المصري التي تدخل في نطاق إزراء الأديان  مع لواحقها المعدلة. .كونها مسالة اجتهادية فقط يصف عبد الصبور شاهين اللغوي والفيلولوجي العارف بأسرار اللغة وخفاياها الانتروبولوجية  معارضيه في الطبعة الثاني لكتابه بالكائنات التي انبعثت من قلب البركة الآسنة لتثير الماء الراكض بعد أن علقت المحكمة الاحكام الصادرة بحقه.نقطة النزاع الاجتهادي الخلافي تُختزل في إنكار الفريق الذي يتزعمه زغلول النجار المتمسك بغيبية الخلق

 و خفائه عن البشر وتميز النبي آدم في التكوين الأول عن بقية المخلوقات البشرية والرأي العلمي الانتروبولوجي الذي يرى آدم إستمرارا  لسلسة من التغيرات التي طرأت على البشر حتى ظهور الإنسان العاقل المفكر  homosapiens  فالإنسان جزء من الكل هو نوع من جنس بالمعنى االعقلاني البرهاني الارسطي(أي أن الإنسان هو جزء من جنس البشر).وهنا تظهر معضلة الفقه التقليدي الذي يرفض المنطق الارسطي في كلياته ويقبل بالقياس وهو تناقض يسيء إلى حكامة المنهج الذي يلتزم به بعض الفقهاء .حجية مواقف عبد الصبور شاهين تنبثق من اعتماده على مراجع ومصادر جيولوجية علمية منها ماهو للعالم الجيولوجي زغلول النجار المفتتن بالإعجاز العلمي للقرآن الذي رفض المؤَلَف والدراسات التي اضطلع بها شاهين جملة وتفصيلا واصفا أفكاره بالخاطئة والقاصرة وواصفا صديقه بالأمس وغريمه بأنه جدف وخاض في أرض غير أرضه.في صفحة 33 من " أبي آدم" يستشهد بدراسة ثنائية لزغلول نجار وأحمد داود "صور من حياة ما قبل التاريخ" في إنحسار الزمن الجليدي وظهور موجات جديدة من الكائنات الحية.


هو  تساؤل في الملأ الاعلى للملائكة وهي تحاور الذات الالهية "والتي سبق في علم الله وقدره وغيبه أنه خلق العالم من عدم بعدما كان كنزا مخفيا بنص الحديث "لقد كنت كنزا لا أُعرف، فأحببت أن أُعْرَف، فخلقت خلقا فعرّفتهم بي، فبي عرفوني " وإن كان الحديث المذكور محل خلاف كبير بين الصوفية والفقهاء وهو في الغالب نزاع إيديولوجي حول الماهية المذهبية وليس مثار نقاشنا الآن.وإن كان نص الحديث يتفق ويتجانس مع قوله عز وجل "ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون".

الإنسان  كل كائن من لحم وعظم ودم رغم ادعائية الفلسفات الانتقال بهذا المفهوم إلى سماء المجردات والاستعلاء القيمي كما يقول ميغيل أونامونو :هو ذلك الذي يولد ويعاني ويموت ويأكل ويشرب ويلعب وينام ويفكر ويحب الانسان الذي يمضي ويسمع له .4. 


يقول عز وجل 

" (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانْ مِمَّ خُلِقَ )الطارق.

هي آية من آيات كثيرة تميز الإنسان بالكرامة والفضل والتفاضل الخلقي بين كائنات كثيرة.وتذكره بقيمه ومثله وجذوره الأولى.

قوله عز وجل وهو يصور الحالة الفريدة للعذراء مريم " فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا"

قوله كذلك {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)


 يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانْ ضَعِيفًا } [النساء:28

{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. [الكهف:54

الكلمتان (إنسان /بشر) تسري عليهما ضوابط الصرف  والنحو اللغوي بصورة شاذة  فجمع الانسان أناس والناس والأناس والأناسي قيل تآنست الأرض أي انبتت  والإستئناس من الارتياح والآنسة هي الجارية والأُنس هو النفس البشر  وهي ألفاظ

 لا تثنى  ولا تجمع  يقال هذا بشر وهما بشرا وهم بشر.وقد يبدو الفهم التأويلي أن الله يخاطب البشر بكلمة "بشر"حين يتعلق الأمر بالتكوين البيولوجي والطبيعي وهو ما حصل في اللقاء التاريخي العظيم بين الملك الكريم الرسول ومريم العذراء والحوار الذي دار بينهما وحين يخاطب البشر بمفهوم "الإنسان" فإنه يذكرهم بمصادر ذواتهم وقيمهم وميتافيزيقيتهم.

إن الإنسان من دون عواطف و رغائب سينتهي كونه إنسانا" Un homme sans passion et desire cesserait d’étre un homme »  قول دولباك D’holpach  

البشر هم المخلوقات الأكثر  إنتاجا للمفاهيم حتى تحولوا إلى براديغمات مفهومية  أو مفاهيمية متحركة تمارس العنف وتعبث بالكون وفقا لمطباتها الغرائزية  .النيكروفيليا Necrophilia هي جحيم مفاهيمي بائس و الأكثر   قتامة وسوداوية في عالم الغرائز كونها إندفاع جنسي لحب الجثت أو الإنجذاب الايروسي الطوطمي للموتى وقد فارقت الأرواح أجساد وأضحوا تجمعا للبكتيريا والديدان والروائح الكريهة نتاج تعفن وترهل الخلايا.

البغضاء والقسوة والرذائل كما يقول ايرك فروم ليست مدمرة للآخر إنها مدمرة للفرد الفاعل. هي منتوج بشري معدل إنسانيا حين اخترقته آلهة العلم هكذا هم البشر وهم ينفصلون عن إنسانيتهم.


"الانسان المتمدن الحالي يشكو من التفريغ غير الكافي للدافع العدواني.

يشبه لورانتس رغم اعتراضات اريك فروم  وهو أحد تلامذة فرويد  الغرائز البشرية بكتل نشطة تتوافق بصورة موحدة لمجابهة العدوان الخارجي وهي آلية دفاعية سلوكية موجودة لدى الاوز الرمادي الذي يبدي ضروبا من التكافل والاتحاد المفرط في درأ الأخطار التي تهدد جماعاته.يسميها ظاهرة "النحن" ضد "الآخر المخالف" رغم عدم امتلاكية الحيوانات لجهاز عصبي متقدم يجعله يدرك تماما اناه.

يمكن للبشر أن يتمتعوا بالشعور بالصلاح المطلق حتى عندما يرتكبون الفظاعات.وكما  يقول المثل الاوكراني" عندما يُنشر العَلَم يكون العقل في بوق " .

لا يمكن أن يخوض البشر حروبا أو أن يشنوا اشتباكات وحشية ضد بعضهم  البعض وهم تحت قوة الشعور الانساني.تنتهي الإنسانية المحملة بالقيم والنزعات الأخلاقية حين تنفلت الشرور في صور بالونات غرائزية يتغذى عليها الطبع والعقل الارتكاسي. ما يدعى حماسة الحروب هو الوجه الشيطاني في جوف بني  آدم. تعويد الجندي على ارتكاب القتل المنظم لا يعفيه من آلام الضمير.

البشر الذين سبقوا آدم، وهم  أحد مصادره البيولوجية والتكوينية لا يختلفون عن البشر الذين يعبثون بالأرض وبكينونتها حاليا .الفرق درجة فقط وليس نوعا هو ما أراد ايرك فروم تبليغه  عبر التأثير على العقل العلمي بموضوعية الفكرة القائلة بتدميرية النوع البشري. وهي ذات الاجتهاد الذي اراده الراحل عبد الصبور شاهين بتبرير كرامة الخلق والإنسانية الأدمية في رجوعها إلى فطرتها السليمة وهي تستقي كرامتها من كرامة النبوات ونبوءة آدم عليه السلام

                                          


 محمد بصري كاتب من جنوب  الجزائر                                       

                                                                        انتهى

هوامش

المناظرة الكاملة بين د.زغلول نجار وعبد الصبور شاهين "هل هناك بشر قبل آدم. "يوتيب"ساعة التصفح 10 و 57 بتاريخ 15/06/2022

اريك فروم تشريح التدميرية البشري ترجمة محمود منقذ الهاشمي دارمنشورات وزارة الثقافة سوريا ص 57.








الكاتب والباحث التونسي / المنصف بن إبراهيم دادي يكتب مقالًا تحت عنوان "يوم في البيدر" 

الكاتب والباحث التونسي / المنصف بن إبراهيم دادي يكتب مقالًا تحت عنوان "يوم في البيدر"



للسّنابل والمناجل والمذاري والنّوارج أحبّتي حكايات لا يعرفها إلّا أهل البادية الّذين يتشبّثون بالأرض تشبّثا لا تقطعه عرى السّنين والأعوام. كان اليوم أوّل يوم من أيّام الصّيف، وتزامن حلول هذا الفصل مع موسم درس السّنابل لهذه السّنة، فبعد أن أنهت العائلة موسم الحصاد هاهي تستعدّ لموسم الدّرس وتصفية الحساب. غير بعيد من المكان الّذي زرعت فيه حبّات القمح والشّعير ونمت في أحضان تربته الثّرية وأينعت وأثمرت ثمّ اصفرّت اصفرار الشّمس في كبد السّماء، يوجد البيدر وهو منبسط مستدير من التّراب تكدّست فيه أكوام السّنابل تنتظر الدّرس. للبيدر أحبّتي سحر وجمال وأسرار ومتع لا ينتشيها إلّا من عاشها بصدق. السّنابل مفروشات على البيدر في انتظار قدوم الجرّار ويا ليته كان نورجا ولكن هيهات. في اللّيلة الأخيرة السّابقة ليوم الدّرس، السّنابل هنا على سطح البيدر تتغامز وتتهامس وتتسامر وتنتظر يوما مشهودا بفارغ الصّبر وعلى أحرّ من الجمر وكأنّي بها تقول:"ما أكرمها اليد الّتي بذرتني ثمّ حصدتني ثمّ هاهي ستدرسني وتذرّيني ثمّ تعيد بذري من جديد في رحم الأرض الّتي تدور، هي تدور وأنا أدور من البداية إلى اللّانهاية".

عند انبلاج الفجر تسمع السّنابل أزيزا قادما من الغرب في اتّجاه الشّرق وتستعدّ بكلّ قوّاها لتعرف مصدر هذا الصّوت القادم نحوها وإذ به جرّار يجرّ أذيال الأمل إلى البيدر بعد أن ملّت السّنابل الترقّب واستنزفت صبرها. يأتي الجرّار وأزيزه يصمّ الأذان صمّا، ويدور على البيدر الدّورة تلو الأخرى حتّى لا تكاد ترى في الكون غير دوائر في دوائر. الشّمس تلفح الوجوه وغبار التّبن يدخل عينيك ومنخريك، فلا الشّمس تجعلك تتذمّر ولا غبار التّبن يجعلك تتأفّف لأنّك في عالم غير العالم هو عالم البيادر بظاهره وباطنه. ومع دوران الجرّار تسمع حفيف السّنابل وهي تحت العجلات تداس دوسا لا رحمة فيه ولا شفقة، لا يعرف حلاوة وقعه غير أهل البيادر، وبين الفينة والأخرى ينتابك نسيم عليل يخفّف من حرارة الشّمس. وأنت مع هذا كلّه تدور مع الجرّار دورات ودورات وتنصت إلى السّنابل وهي تنسحق تحت عجلات الجرّار سحقا عنيفا، ولا ينفكّ خيالك يسرح فيريك الحياة بأكملها بيدرا: في أحضانه تطحن الأقدار وتغربل الشّرور والخيرات ويماط اللّثام عن القشور من اللّباب تماما كما في هذا البيدر، فبعد أن أنهى الجرّار مهمّته يأتي دور المذراة وما أعرف مشهدا فريدا أروع للعين وأمتع للنّفس من مشهد مذراة تعلو وتهبط ومعها تتسابق أكوام من التّبن والحبّ صعودا ونزولا، فيتطاير التّبن في الفضاء ثم يهبط مغشّيا عليه إلى ناحية البيدر أمّا حبّات الشّعير فتعود إلى الكومة الّتي ترتفع المرّة تلو الأخرى فكلّ حبّة من حبّات الشّعير ترتفع في الجوّ ثم تعود إلى الأرض مئات المرّات. ومع هذا كلّه ترى المذرّي لا يكلّ ولا يملّ، وصبره لا ينفد وعضلاته لا ترتخي ولا تهدأ، في حركة دؤوبة بين جيئة وذهاب وهو ينظر إلى الحبوب ناظر العاشق إلى معشوقته، ولعلّ أكبرهمّه أن تساعده نسمات الهواء على إنجاز عمله وإن خانته الرّيح تارة فتراه قد إتّكأ على مذراته ينتظر المدد والعون، وهو لا ينفكّ ينقطع عن عمله إلّا لما ذكرناه آنفا. فهاهو يدفع بحبّات الشّعير والتّبن إلى أعلى فإذا التّبن في ناحية والشّعير في ناحية أخرى ومعها ينقطع الجسد عن الرّوح وتنفصل الرّوح عن الجسد انفصالا سلسا لا رجعة فيه إلّا في رحم الأرض.

بعد عمل مضن وصبر دؤوب ترى الشّعير كومة كبيرة فتقول في نفسك:" ما شاء الله تبارك الله" وتسمع كلّ من مرّ غير بعيد منك يقول لك بصوت فيه الكثير من النّشوة:" ربّي ينزّل البركة" فتردّ والبشر يعلو محيّاك:" ما يقطع منك بركة." بعد الإنتهاء من التّذرية يأتي دور المكيال لتحديد صابة هذا العام، فيأخذ العمّ رجب" القلبة" بين يديه ويجلس على ركبتيه وكومة الشّعير أمامه ويبدأ في عمليّة الكيل وبكلتا حفنتيه يملأ "القلبة" ملءًا دقيقا ثمّ يفرغها في الكيس ومع ذلك لا ينسى أن يقول في كلّ مرّة يفرغ فيها الشّعير في الكيس" بركة" ويتواصل العدّ وتتزايد البركات داخل البيدر. يعدّ العمّ رجب ومع عمليّة العدّ ما عليك إلّا أن تركن للسّكون فلا ضحك ولا كلام ولا حديث، فالصّمت يعمّ أرجاء البيدر، تمتلئ الأكياس شعيرا وتمتلئ معها قلوبنا بشرا وفرحا بصابة هذا العام.غير بعيد من أكياس الشّعير ترى بعض النّسوة يغربلن ما تبقى من بعض الشّعير المختلط بالتّراب وبقايا التّبن، فيرقص الغربال ومعه ترقص الحبوب وتدور حول ذاتها دورات ودورات، ومع كلّ دورة تتجمّع الأحساك وتتكتّل فوق الحبوب بينما يسقط التّراب وتتناثر الحبوب الدّميمة من ثقوب الغربال، أمّا بقايا الحصيّات الصّغيرة فترتطم بالحبوب وتحاول الاختباء تحتها ناسية أنّ عين المغربلة لن تغفل عنها. أتأمّل في رقصة الغربال فأرى سحرا وجمالا وتحلّق بي ذاكرتي إلى أماكن بعيدة فأرى هذا الوجود غربالا.

تنتهي الغربلة فترى البيدر صار أكياسا من الحبوب وكومة من التّبن وكومة من الأحساك والحبوب الدّخيلة و بعضا من الحصى والتّراب، فأنظر إلى الصّابة وأقول في نفسي:"ما شاء الله تبارك اللهّ" ، ثمّ أمسح عرقا كان قد تصبّب من جبيني صبّا.

المنصف دادي

29-05-2021





الكاتب والباحث التونسي / المنصف بن إبراهيم دادي يكتب مقالًا تحت عنوان "يوم في البيدر" 









 رمضان بدكالة بين الماضي و الحاضر | إعداد الكاتب المغربي : محمد الصفى



 

يعتبر شهر رمضان الأبرك من الأشهر المتميزة لدى كافة المغاربة ومناسبة غالية يتم لها الاستعداد على كافة المستويات رغم الطابع الاحتفالي الذي لم يبق في المرتبة التي كان عليها سلفا،وله مكانة وحظوة في قلوبهم قَل أن تكون لمناسبة أخرى،حيث يمكن أن نقول أن كل شيء يتغير بما فيها قلوب المواطنين التي تطغى عليها الرحمة و الشفقة و الإحسان و حب فعل الخير هذا دون الطقوس التي تسود خلاله المتشبعة بعاداتنا و تقاليدنا التي هي جزء منا رغم ما عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة من تحولات بفعل تيارات العولمة و غيرها لقربه من أوروبا و انفتاحه الكبير على باقي مكونات باقي العالم  و لتكن جهة دكالة عبدة نموذجنا في هذا المقال حيث الروح الطيبة الكرم الزائد و الاحتفالية المزدوجة بين الحاضر و الماضي،فكيف يستعد له الدكاليون ؟ و كيف تمر أجوائه داخل البيوت و المساجد و في حلقات الذكر و الإرشاد و على موائد الإفطار و السحور؟ و أين موقع الأطفال في هذا الجو الاحتفالي الرمضاني ؟

تكون الأيام الأخيرة من شهر شعبان انطلاقة رسمية للاستعداد الفعلي لاستقبال شهر الصيام ومن مظاهرها تحضير بعض أنواع الحلويات الأكثر استهلاكا و الشد طلبا على موائد الإفطار من خلال المحلات الخاصة بهذا النوع أو التي تبرز سوى في مثل هذه المناسبات و تختفي بعدها ،و بمجرد أن يتأكد دخول شهر رمضان حتى تنطلق عبارات التهاني  ( عواشر مبروكة،مبارك عواشركم…) و هي تعني  ( أيام مباركة ) و المقصود بالعواشر أي العشرة الأولى و المحددة في الرحمة و العشرة الثانية و المحددة في المغفرة ثم العشرة الأخيرة الهادفة للعتق من النار.

عبادة بامتياز

شهر رمضان بدكالة كسائر المدن المغربية حيث تمتلئ المساجد و الزوايا عن آخرها لأداء الصلوات الخمس سيما بالمساجد العتيقة التي مازالت تحتفظ نوعا ما بطابعها التقليدي في إحياء الشعائر المتعارف عليها منذ سنوات خلت كما هو الحال بالزوايا التي تشرع أبوابها طيلة هذا الشهر حيث تنشط الطرق الصوفية بشعائرها الدينية و احتفالاتها الصوفية،كما يزداد الإقبال على التديّن من قبل كل الفئات و الأعمار، وزيارة الأضرحة والتعلق بها بشكل قوي، وخصوصًا ضريح مولاي بوشعيب بآزمور و مولاي عبد الله أمغار و غيرها من الأضرحة المتواجدة بكل جزء من هذه الجهة .لتبقى لصلاة التراويح خاصية منفردة حيث تعرف تدفقا بشريا هائلا سيما في المساجد التي يؤم التراويح فيها قراء شباب ذووا أصوات ندية وحسنة يتقنون قراءة القرآن بقواعدها وبالترتيل الجميل، حيث تضيق جنبات المساجد هذه بالمصلين ويصلي بعضهم في الشوارع المحاذية،لدرجة أن البعض يأتي قبل موعد الصلاة بساعة لضمان مكانه في الصفوف الأمامية سيما الوافدون على المدن من النواحي المجاورة و القريبة لها.لكن مقابل هذا الزخم الإيماني المتجسد في كثافة أعداد المصلين في شهر رمضان  والإقبال على الدروس والمحاضرات الدينية التي تبتدئ مباشرة بعد صلاة العصر  وحرص الأسر المغربية على صلة الرحم وزيارة الأقارب،و من العادات التي يعرف بها سكان جهة دكالة عبدة خلال هذا الشهر الفضيل تحول جو الليل إلى نهار بعد صلاة العشاء و أداء صلاة التراويح حيث يسارع الناس إلى الاجتماع والالتقاء لتبادل أطراف الحديث سواء داخل البيوت أو على موائد المقاهي وهنا يبرز الشاي المغربي المنعنع و المنسم ببعض الأعشاب من قبيل الزعتر و الفليو كأهم عنصر من العناصر التقليدية المتوارثة ، في الوقت الذي تنظم ببعض البلديات و الجماعات بعض الحفلات والسهرات العمومية في الشوارع والحارات ،إلى ساعات متأخرة قد تستمر لحدود وقت السحور والتي يعلنها صاحب الطبل أو النفار الذي يطوف كل أرجاء المدينة معلنا إيذان السحور و الاستعداد للتوجه للمسجد بقصد أداء صلاة الفجر.وبعدها يبقى بعض الناس في المساجد بقراءة القرآن وتلاوة الأذكار الصباحية ، بينما يختار البعض الآخر أن يجلس مع أصحابه في أحاديث شيّقة لا تنتهي إلا عند طلوع الشمس .

بين الأمس و اليوم

من الأشياء التي تبقى متميزة خلال شهر رمضان بربوع المملكة هي موائد الإفطار التي تكون في غالبيتها مغرية ومثيرة، بل هناك إصرار أحيانا من طرف كثير من الأسر على تنويع الأكل على مائدة الإفطار وإحضار مختلف الحلويات وكل ما لذ وطاب، وهو ما لم يكن متاحا ولا موجودا في الزمن السابق، حيث يعبر بعض من عاش سنوات الستينات والسبعينات أنها كانت تقتصر على ما هو ضروري و متوفر ساعتها حيث لم تتضمن سوى حساء “الحريرة” الذي يشتهر به المغاربة، وبعض التمر واللبن والبيض فقط حتى أن بعض المناطق كانت ساعتها لا تقوى على توفير الحليب بل تقتصر على البن فقط، وكان الإنسان يأكل ويشبع، أما مائدة هذه الأيام في الإفطار فقد أصابتها التخمة، فهي تحتوي على العصائر بمختلف الأشكال والحلويات بشتى الأنواع، واللحوم والفطائر..الخ.. وللأسف يشتري الصائم أكثر مما يستهلكه، فيكون ما اشتراه عرضة لإلقائه في سلة القمامات، لقد تغيرت مجموعة من العادات والطقوس في جهة دكالة عبدة، كما أصبح تتضاعف نسبة الاستهلاك فيه أمام كثرة الطلبات والإقبال على الأكل و«الشهيوات»، كما يسمّيها المغاربة، بشكل مفرط، حيث غدت مائدة الإفطار مكتظة بألوان المأكولات سواء المعجناتية أو اللحمية أو النباتية إلى جانب مشتقات الحليب و غيرها من العصائر، بلغ معها الإنفاق حد التبذير لدى العديد من الأسر

 

كما أضحى شهر رمضان موسمًا للتكسّب والاستثمار، تزدهر فيه الكثير من الأنشطة التجارية، ويزداد أبناؤها، عبر التهافت الشديد على شراء لوازم تلك الشربة، التي يكثر الإقبال عليها في رمضان، المسماة «الحريرة»، والمعجنات التقليدية المعروفة في المغرب ككل بالرغايف وبغرير والحرشة، والبطبوط ورزة القاضي والملاوي…، إلى جانب السفوف والحلوى والخليع وسلو والزبدة والسمن والعسل والمربى والجبن والفواكه واللحوم الحمراء والببضاء والأسماك والخضر والنشويات والسكريات والنعناع والزيتون والحوامض، وتنشط حركة بيع التمور واللوز والبيض والحليب والشاي والسكر والفحم، هذا الذي يتم استعماله بكثرة في شهر رمضان، وخصوصًا لطبخ «الطاجين» باللحم أو بالدجاج…، بالطريقة الدكالية أو العبدية التي يستهويها طاجين السمك وينقسم الأكل بدكالة حسب إمكانيات كل أسرة و موقعها في الجهة فهناك الذين يستوطنون البوادي و هم الكثرة فتجد فطورهم ينفرد بالحريرة و البطبوط و الشباكية و البغرير و البض فيما الجهة التي تستوطن بالحاضرة فهناك نوعان نوع يقتصر على السمك و الشاي و السلطة و قليل من الحساء ” بلبولة أو الصوبة أو السميدة …” فيما الفئة الثانية و هي الغالبة فتكون موائدها ملئ بشتى ما يجود به رب الأسرة و كل ما تشتهيه العين خلال اليوم بأكمله ،هذه الفئة تفضل تأخير وجبة العشاء إلى وقت السحور، وفئة أخرى تفضل وجبة إفطار خفيفة إلى حد ما، لكنها تقبل على وجبة العشاء مباشرة بعد صلاة العشاء، أما وجبة سحورها فتكون خفيفة. وكلا الفئتين لا تخلو مائدتهما من شربة خفيفة هي «الحساء»، أو ثقيل، تسمى «الحريرة».

حركية رمضان

 

 تعرف جل شوارع و أزقة إقليم الجديدة ما بعد صلاة العصر حركية متزايدة من خلال الأسواق التي تنظم بالمناسبة منها المنظم و منها العشوائية التي تغطي ساحتها عربات الباعة المتجولين فبالرغم من استحداث أسواق تجارية عصرية كبيرة كالتي بمدينة الجديدة أصبحت قبلة للصائمين ولفضولهم، قبل الإفطار وبعده، فإن أسواقها الشعبية وساحاتها وأزقتها الضيقة والظليلة، مازالت تشهد حركة بشرية غير عادية، حيث يبدأ الإقبال الشديد على التبضع، فيكثر العرض ويزداد الطلب، وتعلو أصوات الباعة لتختلط بأصوات الذكر والتراتيل في المساجد، وبصدى الإذاعات والأشرطة، ونداءات الباعة كل حسب ما يعرضه بغض النظر عن الجودة أو الثمن مادامت لجن المراقبة الخاصة بالأثمنة أو بالصحة غائبة،مشكلين لوحة بكل الألوان و التشكيلات ،فيما بعد صلاة العشاء يعود بعض أصحاب الدكاكين و المهنيين إلى ورشاتهم لمزاولة حرفهم التي يجدون فيها متنفسا لهم وفرصة مناسباتية خصوصا الخياطون التقليديون و محفل تجمع مع باقي أصدقائهم و بلغة أخرى ” حديث و مغزل ” على نغمات الموسيقى و كؤوس الشاي الساخنة أما الأطفال فرمضان يوم عيد بكامله بالنسبة لهم كونهم يتخذونه فرصة للخروج و اللعب إلى ساعات متأخرة في لعبة ” زدنيفري ” و لعبة كرة القدم . أما الشباب فينتظمون، قبيل أذان المغرب، في دوريات مصغرة لكرة القدم، كما يتكتل آخرون في قاعات ومقاهي الأنترنت، قبلتهم المفضلة، في الوقت الذي تنشغل فيه النساء والفتيات بإعداد الفطور والعشاء، ويدمن آخرون مشاهدة القنوات التلفزيونية ومسامراتها الرمضانية، دون أن ننسى هنا عادة الإقبال على القراءة والمطالعة خلال هذا الشهر أيضًا.



رمضان بدكالة بين الماضي و الحاضر | إعداد الكاتب المغربي : محمد الصفى





الأديب الدكتور / سعيد بوخليط يكتب "سيمون دوبوفوار/ نيلسون ألغرين:عشق سرِّي، عابر للقارات" 




سنة 1997، اهتزَّ الوسط الثقافي الفرنسي، على حدث استثنائي وغير عادي تماما، قياسا طبعا للتصنيفات الجاهزة والترتيبات القائمة المتكرِّسة مؤسساتيا طيلة عقود. لأن الأمر يمس جانبا خاصا جدا، بقي متواريا كثيرا على الأقل بالنسبة للرأي العام، بخصوص جوانب خفية من حياة سيمون دو بوفوار، وما أدراك ما رمزية ''كاستور'' أو''القندس''؟(1).باعتبارها واحدة ضمن حلقات الأسماء الكبيرة التي أثرت وأغنت تاريخ فرنسا فكريا،ليس فقط خلال القرن العشرين؛بل على امتداد مختلف العصور.

يتمثل الحدث المقصود أساسا،في إصدار دار النشر غاليمار العريقة، لرسائل حميمية، ساخنة شوقا وعشقا وشبقا ولذة، تبادلتها رفيقة جان بول سارتر مع الروائي الأمريكي نيلسون ألغرين خلال سنوات (1947 - 1964).

حزمة رسائل، قاربت ثلاثمائة وأربعة رسالة، شملت فترة امتدت إلى سبعة عشر سنة، كشفت بالمطلق عن وجه ثان مغاير كليا ومختلف جذريا، عن الصورة النمطية العالقة بذكرى الرائدة الأولى للحركات النسائية الحديثة والمعاصرة.حزمة رسائل، انكبت على ترجمتها إلى الفرنسية وتدقيقها ووضع هوامش لها، ابنة بوفوار بالتبني ''سيلفي لو بون دو بوفوار''، أستاذة الفلسفة التي اشتغلت أيضا على الرسائل التي تبادلتها والدتها مع سارتر.

أوضحت لوبون السياق العام، وكذا محددات مشروع اشتغالها على مضامين رسائل إلى نيلسون ألغرين،غرام عابر للمحيط الأطلسي، بقولها :''خلال عروض للمزاد العلني، سبق لجامعة كولومبوس أوهايو، أن اشترت حقوق رسائل سيمون دو بوفوار التي دبَّجتها باللغة الانجليزية إلى نيلسون ألغرين، في حين احتفظت بوفوار بالمراسلات الأخرى الحاملة لتوقيعات الكاتب الأمريكي ألغرين. لقد حددتُ بهذا الخصوص تصورا يتعلق بمشروع للنشر يأخذ بعدا مزدوجا ،لكن وقع التراجع عنه لأسباب سأقولها، بحيث لن يكون تحت تصرف القراء هنا،سوى ماكتبته سيمون دو بوفوار إلى ألغرين بين سنوات (1947- 1964) (ثلاثمائة وأربعة رسالة).ضدا على مختلف التطلعات، وبعد صمت طويل الأمد – طيلة سنة تقريبا- أنهى وكلاء نيلسون ألغرين الأمريكيين أملنا بإصدارهم اعتراض على طلباتنا المتكررة وتأكيدهم لرفض دون استئناف. رفض الكشف عن رسائل ألغرين، دون تفسير ولاتبرير.طبعا، وجب الامتثال لهذا القرار الجائر. للأسف،لاسيما بالنسبة لألغرين، سيقدم إصدار من هذا القبيل خدمة وافرة، لأن الشخص كما الشأن مع الكاتب،على امتداد سبعة عشر سنة من المراسلات الحميمة غير مسبوقة في حياته، مستضيئا بضوء غير مترقب، ودافئ، سيبدو ربما أكثر مماثلة لحقيقته، ترمِّم بشكل أفضل غموض شخصيته مقارنة مع بعض أعماله الروائية أو سيرة ذاتية عادية''(2).

بمعنى، أن الناشر الأمريكي الوصي عن إرث ألغرين،رفض السماح لسيلفي لي بون ابنة دوبوفوار كما أشرت، كي تخرج إلى العلن رسائل الطرف الثاني، رغم كونها قد بذلت جهدا ليس هينا،على مستوى توضيبها ثانية وترجمتها إلى الفرنسية، مما حَرَمنا كقراء من الاطلاع على الشق الثاني من هذه المرسلات العاطفية حتى تتضح الصورة بجلاء.

كما قلت، تجسَّد وقع المفاجأة الجميلة بلا ريب، نتيجة مسألتين أساسيتين :

*ارتبط حضور سيمون دو بوفوار غاية تلك اللحظة، وفق تمثّل ذهني ترسخ لدى المهتمين عموما والمختصين أساسا، في كونها أولا وأخيرا، صاحبة مرجعية نظرية صلبة لاتقبل مساومة الانحدار إلى تحريض العواطف والغرائز، ذات نزوع عقلاني بالدرجة الأولى، سواء على مستوى الرافد الذي شكَّل لبنة للنضال النسوي، انطلاقا من الحمولة الفياضة لجملتها الشهيرة : ''لاتولد المرأة امرأة بل تصير كذلك"،وقد تطورت أوراشها ضمن دفتي كتابها الشهير ''الجنس الثاني'' الصادر سنوات الخمسينات. ثم كذلك، باقي جوانب مشروعها المتطلِّع بقوة صوب تحرير الأذهان، من ثقل الصور النمطية والقوالب المتكلِّسة بناء على تعبيراته المتعددة فلسفيا وأدبيا وإيديولوجيا،التي صاغت خطوطها الكبرى برفقة سارتر.بالتالي، ساد الاعتقاد بأن بوفوار باردة العواطف، ليست بالمرأة الطبيعية القادرة على الإصغاء إلى نبض قلبها وحواسها ومشاعرها، أو أن تتحسَّس جسدها.بل من هو الرجل؟ القادر على إثارة واستمالة امرأة من وزن ذهنيتها، اعتبرت دائما ''الزواج مؤسسة فاسدة''، وعندما تحب المرأة رجلا يلزمها عدم إفساد مضمون هذا الحب بالزواج منه.

تفعيلا لمرتكزات موقفها ذاك، تفرغت طيلة يومياتها في مقاهي باريس بجانب كبار مثقفي تلك الفترة على تدبيج وتطوير أطروحات مؤلفاتها ذات الهاجس الوجودي والثوري :''من كان بوسعه الاعتقاد، بأن سيمون دو بوفوار،امرأة كباقي النساء؛ تحب، تعشق، تنتشي، تتغنج، تتحسس جسدها باشتهاء، تتأوه من اللذة، وتغري رجالا يثيرون مشاعرها ورغباتها الحميمة؟ من كان يظن أن بوفوار، امرأة غير عادية بكل المقاييس، مثلما ترسخت وفق نمذجة تمثّلات ذهنية نمطية، في حين تجسد داخل الغرف المضاءة ضوءا خافتا وفوق الأسِرَّة؛ بغض النظر عن هالة حضورها الفكري، امرأة شبقة متصالحة مع جسدها، تبحث عن لحظات استراحة طويلة بين أحضان رجل تعشقه؟ بوفوار، ذات الكاريزما المهيبة على المستوى القيادي، صاحبة ذهن جبار، واحدة من أهم رموز الفكر الإنساني على امتداد تاريخه، رائدة وملهمة الحركة النسوية خلال القرن العشرين''(3).

*أيضا، ارتبط حضور بوفوار غاية تلك اللحظة، بعلاقتها التاريخية والشهيرة مع جان بول سارتر.علاقة قوامها عقد ثنائي يقوم على مبدأ الإخلاص الحر، استمرت بنوده محل اتفاق بينهما منذ لقائهما الأول سنة 1929غاية وفاة زعيم الوجودية عام :1980 ''في حدود واحد وعشرين عاما، أدركت بوفوار، بأن سارتر سيشكل القضية الكبيرة في حياتها. هكذا، كتبت في الجزء الأول من مذكراتها مايلي، ويشير السياق التاريخي إلى سنة1929 :" بوسعي دائما صحبة سارتر، تقاسم كل شيء.حينما افترقنا بداية شهر غشت، أدركتُ منذ تلك اللحظة بأنه لن يغادر مسرح حياتي قط'''' (4).اعتبرته دائما عائلتها الوحيدة.

موقف عكسته بصدق إحدى رسائلها إلى ألغرين، التي اختزلت بشك كاف جوهر العلاقة بين بوفوار وسارتر :

''كما تعلم، بوسعي من أجلكَ التخلي عن الكثير أبعد من وجود شاب فاتن، بل التنازل عن أشياء عدة. في المقابل، لن أحافظ على سيمون التي تروق لكَ، إن نزع تفكيري نحو الانفصال عن سارتر، حينها سأغدو مجرد امرأة حقيرة، خائنة، أنانية. يلزمكَ إدراك هذه الحقيقة، كيفما جاءت طبيعة القرار الذي ستتخذه مستقبلا :ليس انعدام الشعور بالحب من يفسح لي المجال كي أبتعد عنك .بل أنا متأكدة، بأن وقْع انفصال من هذا القبيل إن حدث، سيكون أثره الشخصي علي أكثر قسوة من ارتداداته عليك، لأني سأفتقدكَ بكيفية مؤلمة قياسا لتأثير غيابي عنكَ، فلا يمكنني سوى أن أعشقك أكثر، والتشوق إليك على نحو أكبر، بالتالي لايمكن لغيابكَ غير اتصافه بوقع جلل. ربما تدرك ذلك.

لكن،وجب التنصيص في ذات الوقت،على مسألة وإن أظهرتني متبجِّحة : إلى أي حد يظل سارتر محتاجا لحضوري بجانبه.

يتميز سارتر بعزلته الشديدة، فيما يتعلق بحياته الخارجية، ثم ممزقا جدا ذاتيا وفي غاية الاضطراب، وأنا بمثابة صديقته الحقيقية، رفيقته الوحيدة التي تستوعبه حقا، أساعده فعلا، أعمل معه، وأمنحه السكينة والتوازن.

منذ عشرين سنة، فَعَل كل شيء بالنسبة إلي، ساعدني كي أحيا وأعثر على ذاتي، وضحى من أجلي بعدة أمور.حاليا، ومنذ أربع أو خمس سنوات، حان موعد ردِّ الجميل نظير مواقفه معي، فمن واجبي أن أساعده، وقد مد لي يد العون باستمرار، لذلك لايمكنني قط التخلي عنه.ربما أبتعد عنه لفترات طويلة تقريبا، لكن يستحيل ربط حياتي بأكملها مع شخص آخر غيره.أكره الحديث ثانية عن هذا الموضوع.أعلم بأني عرضة لمجازفة أن أفقدكَ، وأعلم دلالة نتيجة من هذا القبيل بالنسبة إلي''.

حينما ماتت بوفوار سنة 1986، دفنت بجوار سارتر الوحيدة، في مقبرة مونبارناس.

عموما تمثل في سياق هذا الحديث:''رسائل إلى سارتر"(1990) ،وثيقة مهمة للغاية تروي طويلا خصوصية مغامرات هذا الثنائي المذهل تبعا لجميع المقاييس.

عام 1947 ،سافرت بوفوار إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لإلقاء سلسلة محاضرات في جامعات أمريكية عدة طيلة فترة خمسة أشهر، بدعوة من جامعات أمريكية عديدة، بحيث مكثت هناك طيلة الفترة الممتدة من شهر يناير غاية ماي.

خلال شهر فبراير، اقترحت ماري غولدستين على صديقها نيلسون ألغرين، ضرورة السعي للقاء الكاتبة الفرنسية الشهيرة حين قدومها إلى مدينة شيكاغو.فعلا، اجتمع بها وقضيا معا ليلة، وعند ظهيرة اليوم التالي، اصطحب ألغرين بوفوار البالغة من العمر آنذاك تسعة وثلاثين سنة، في جولة شملت أحياء المدينة المهمشة، وكذا حانات الحي البولوني.ثم بصعقة حب، وقعت في غرام الروائي الأمريكي البوهيمي، الرافض لضجر وصخب الحياة المعاصرة، يميزه مزاج انطوائي، عاش منعزلا ووحيدا في شيكاغو: ''كما مات وحيدا في إطار لامبالاة مطلقة، إلى درجة عدم التماس أيّ شخص لجثته.اهتمامه بالجانب القاتم داخل المجتمع الأمريكي، أرغمت البوليس الفدرالي (إف. بِ.أي) ،كي يوثق عن مساره،ملفا قارب خمسمائة صفحة قصد ترصد ممكنات السمات المدمِّرة لكتابات مبدع شيكاغو''(6).انصبت كتاباته على تفاصيل أحياء شيكاغو البئيسة وكذا المهمَّشين والبؤساء والمقصيين من المنظومة المجتمعية، وقد تجسد ذلك أساسا بين صفحات روايته الشهيرة ''الرجل ذو الذراع الذهبية'' (1949)،التي تحولت إلى فيلم سينمائي وفازت بأول جائزة قومية عام 1950 . أيضا، اشتهر أليغرين بسرديات مجموعته القصصية:"صحراء النيون''.(1947)

إذن، للتو ومنذ البداية، أغرمت بوفوار كليا بهذا المبدع غير التقليدي، وقد عكس حضوره الجسدي صورة مثيرة مغايرة لنزوعه النفسي القاتم : ''يجسد نيلسون ألغرين- على حد وصف سيلفي لوبون- ضحية عُصاب نفسي معين نتيجة الفشل… رجل عنيد أشبه بزومبي ينخره الاستياء ''(7). مقابل ذلك، وفي نفس الآن،هو شاب حظي بمزايا سحنة شقراء، وعينين زرقاوين،ممشوق القوام. فلم تتردد قط في سبيل التعبير عن مشاعرها من خلال أولى رسائلها :

" اتصلتُ بكَ هاتفيا، بعدها وجدتُني جالسة على سرير داخل مقطورة القطار، منهمكة في قراءة كتابكَ''صحراء النيون''.استسلمتُ لحكايات صفحاته إلى أن غفوتُ.اليوم، أتابع القراءة بجوار النافذة، وأتملَّى بمتعة تلك المناظر الخارجية :يوم هادئ جدا، لكن قبل الذهاب للنوم، وددت التعبير عن مدى إعجابي بكتابكَ، مثلما أحببت شخصيتكَ كثيرا.أعتقد، بأنكَ أدركْتَ ملامح هذا الشعور مع أننا لم نتحدث سوى قليلا.

لن أتقدم لكَ بمزيد من عبارات الامتنان، لأنها ستكون بلا معنى، في المقابل أودُّ أن تعلم مدى سعادتي وأنا بصحبتكَ.لذلك مستاءة، أن أقول لكَ إلى اللقاء، بل ربما وداعا على امتداد حياتي.

أحب حقا الرجوع إلى شيكاغو شهر أبريل،استمرْ في استحضار سيرتي ثم أخبرني عنكَ"(8).

هكذا، انطلق خيط ناظم لرسائل غرامية لماحة ومستفيضة، لم تتوقف على امتداد سبعة عشر سنة، تخللتها للمفارقة المدهشة ! فقط خمس لقاءات فعلية بين العاشقيْن على أرض الواقع، تنوعت بين جغرافيات :أمريكا، إسبانيا، اسطنبول، اليونان.ثم توقفت بعد سنة .1960رسائل، تجاوزت حقيقة أبعادها هذا الإطار الشخصي الخالص،كي تبلور في نهاية المطاف وثيقة تاريخية؛ بمعنى من المعاني، انطوت على معطيات كثيرة رصدت سياق فترة سنوات الخمسينات والستينات.

لم تتوقف بوفوار،عن مخاطبة عشيقها المتواجد بعيدا هناك خلف المحيط الأطلسي،مع مطلع كل رسالة ب ''زوجي العزيز''، إلى جانب تحديدات مقامية أخرى، تنوعت بين الفينة والأخرى مثل المتمتع ب :"جسد ساخن ومريح"، "تمساحي المحبوب"، "حبيبي"، ''الشاب الأنيق"، ''الشاب الظريف والنيئ"، ''المرح''، ''البشوش والودود"… ثم تذيِّلها بعبارة تنم عن جل معاني الإذعان والانقياد والامتثال :"سيمون لكَ وملككَ''.

سنة 1956،أذاعت بوفوار لأول مرة سر علاقتها، ضمنيا أو تلميحا، حينما أصدرت روايتها'' المثقفون''، التي تناولت الحياة الشخصية لمثقفين قريبين من محيطها في مقدمتهم سارتر طبعا، ثم تحدثت عن نيلسون ألغرين عبر توظيف اسم مستعار هو ''لويسي بروغان''، وأهدته هذا العمل.حينها، تداول القراء الخبر، متطلعين نحو الوقوف على هوية الاسم وطبيعة كتاباته، لأن ألغرين لم يكن معروفا في أوروبا، ولم يسطع نجمه داخل بلده أمريكا سوى عام 1950 حين فوزه بجائزة الرواية.

بداية سنوات الستينات، صدرت الترجمة الانجليزية لكتابها المعنون ب''قوة الأشياء''، المتضمِّن لاعترافات وردت على لسان بوفوار في حق عشيقها الأمريكي.تخاطبه قائلة: "أتمنى أن لاتزعجك المقاطع التي تخصك لأني وضعت فيها كل عاطفتي وقلبي".غير أن الغرين لم يتقبل ما أوردته بوفوار في حقه، وأحس كما لو أن كرامته مست ثم انكفأ إلى الصمت وحيدا وحزينا غاية موته سنة1981 .تضيء لنا سيلفي لوبون، بكيفية ما، حقيقة ماجرى :

''سنة 1965، صدرت الترجمة الأمريكية لكتاب بوفوار قوة الأشياء. انطوت بعض صفحات العمل، على جانب من حيثيات علاقتها مع ألغرين، معناها، الخيارات المؤلمة حيث احتُجزت طبيعتها نفسها. تقول بنبرة تحذيرية مخاطبة ألغرين:"أتمنى أن لاتشعرك الصفحات المخصصة لك بالإزعاج لأني كشفتُ بين طياتها عن كل دواخل قلبي".بيد أنه تفاعل بعنف، مكررا على المستوى العمومي تأكيدات متذمرة وحقودة.ثم، صمته، غاية موته سنة 1981، حيث تجاوزت حيثيات ذلك رمزيا ما يسمح به الروائي : موت منعزل لشخص منعزل،منهك داخل بيته وبعد ذلك لن يهتم شخص بدفنه.تقول عناوين إحدى الجرائد :"جثة ألغرين غير مرغوب فيها !". لكن في خضم تخليه عنها ،علمت سيمون دوبوفوار بنوع من الاندهاش أنَّ نيلسون ألغرين، رغم كل شيء، لم يتلف رسائلها"(9).

*هوامش المقالة :

(1)اشتهرت بوفوار بهذا اللقب الذي نعته بها لأول مرة بول نيزان، منذ أيام المدرسة العليا للأساتذة.

(2) Simone De Beauvoir :Lettres à Nelson Algren ;un amour transatlantique (1947-1964) ; Gallimard .p :9 .

(3) سعيد بوخليط : سيمون دو بوفوار.. امرأة أيضا. موقع الكتابة الثقافي. 17 يوليو .2021

(4) نفسه.

Simone De Beauvoir ;op cit ; p :314 -316. ( (5

(6) سعيد بوخليط : سيمون دو بوفوار.. امرأة أيضا. موقع الكتابة الثقافي. 17 يوليو.2021

(7) Simone De Beauvoir :p 12.

(8) op cit ; p 16.

op cit ; p12- 13. (9)






الأديب الدكتور / سعيد بوخليط يكتب "سيمون دوبوفوار/ نيلسون ألغرين:عشق سرِّي، عابر للقارات" 



  


الباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب : المكبوتات حافزا للمدركات




المكبوتات حافزا للمدركات.

يعيش الإنسان منفرداً في عالم الوجدان يؤسس للكيانه النفساني،تحكمه تارةً ميول ورغبات وتقمعه طوراً سلطة الأوامر والممنوعات وفي انعدام الرقيب تطفو المكبوتات وتنبثق من أعماق نفسه الدفينة لتشق طريقها نحو البوح والإفصاح. وحول قيمة المكبوتات في تحديد المدركات كان الجدال والمرآء بين الفلاسفة وعلماء النفس واختلفوا  حول تحديد أهميته المعرفية، الخلاقة، المبدعة  بين مؤيد للاشعور مستمداً من نظرية الكبت مفجراً للطاقات الإبداعية الفكرية، ومعارض لهذا الطرح يعتبر المكبوتات سلبية لحرية الأنا الواعية تجعلها في قيد لا ينكسر وتقييد لا يفكر رباطه.

فهل الكبت النفسي حافزا للمدركات؟ وإلى إي مدى يؤثر اللاشعور على الإدراك؟

(المكبوتات حافزا للمدركات)

       يؤكد فرويد بأن الإبداعات الفكرية ناتجة بالأساس عن اللاوعي ( اللاشعور  )المتجلي في الإلهام الجارف وهذا يعني أن الأثر الإيجابي للاشعور على الإدراك يتمثل في الإبداع الفني، والفكري والعلمي الذي يخلق التوازن النفسي ويساعد المبدع على إظهار مكنوناته المكبوتة وترجمتها في أعمال إبداعية وفنية وموسيقية، فالمدركات ليست ظاهرة عقلية بحتة فحسب، بل هي كذلك ظاهرة لا شعورية، مثل إدراك الأم النائمة لبكاء رضيعها. ومن الحجج المستعملة حسب مدرسة التحليل النفساني في دور المكبوتات كحوافز للمدركات يمكن الاستعانة بقول الفيلسوف الألماني فريد يريك نتشه: « إن الجزء الأكبر من نشاطنا الفكري يحصل بطريقة لا شعورية ».[1] 

ففي المجال الأدبي ترجم صاحب العبقريات عباس محمود العقاد ومكبوتاته وهيامه الدفين بالكاتبة مي زيادة في قصة جد رائعة موسومة ب "سارة"، كما حركت بلقيس مكبوتات شاعر المرأة نزار القباني وقدم الكثير من القصائد في حقها من بينها قصيدته  « حديثك سجادة ذهبية ». 

لكن كثيرا ما يكون المكبوت سببا في أخطاء مدركاتنا ويتجلى ذلك في فلتات اللسان وزلات القلم، وهي تلك الهفوات والأخطاء التي يتورط فيها لسان وقلم الإنسان.

(المكبوتات تؤثر سلبا على المدركات)

 هناك فلاسفة آخرون وعلماء النفس يرفضون أن تتدخل المكبوتات في  تحديد المدركات، إذ يحرف اللاشعور الإدراك من خلال الكبت، أي كبت الدافع قبل الوصول إلى الشعور، فتتغير معرفتي، عندما يتم التعبير بطريقة رمزية. كما يستند دعاة هذا الموقف إلى حجة دامغة ، دور اللاشعور السلبي يتمثل في تعليق مختلف السلوكيات به، لأنه يعبر عن جوانب مرضية تحتاج دائما إلى العلاج، كما أن اللاشعور قد يكون مجرد حيل وخداع تستعمله الذات للهروب من المواقف وعدم قدرتها على المواجهة، « اللاشعور هو أنا آخر، أنا له أحكامه المسبقة وأهواؤه وحيَلُهُ، إنه ضرب من الملاك السيء، مرشد شيطاني؛ ولكي نجابهه، يجب أن نفهم أنه ما من فكرة لدينا إلا وهي ناجمة عن الأنا بوصفه الذات الوحيدة ». [2]

 فقد يؤثر سلبا على تلك المدركات التي لا نريد إظهارها مثل العواطف والأهواء.  

لكن المكبوت يلعب دورًا بارزًا على المدرك، المتجلي في الخيال المبدع هو القدرة على الاختراع. وهذا ما أصاب العالم ارخميدس عندما خرج من الحمام صائحًا وجدتها.

ما يمكن أن نصل إليه فالمكبوتات حافزاً قوياً ومحركًا كبيرًا للمدركات، فالأنا اللاشعورية تسترجع الذكريات المخبوءة وراء الشعور. فكثيرا ما ننشغل بفكرة ما دون وجد حلا لها فتكبت في الأنا العميق وبعد استراحة العقل ينكشف حل هذه الفكرة لا شعوريا لأنها شغلت ذهن المفكر.  يقول فرويد:  « فالمكبوت هو عندنا النموذج الأول للاشعور، واللاشعور هو النفسي ذاته وحقيقته الأساسية.»[3]

قائمة المصادر:

1.     فريديريك  نتشه: الاعتبارات غير الزمانية.

2.     آلان ( إيميل أوغست شارتيه ): عناصر فلسفية.

3.    سيجموند فرويد: الأنا و الهو، ترجمة: جورج طرابشي.

4.    رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر.




[1]  فريديريك  نتشه: الاعتبارات غير الزمانية، ص: 75 .

[2]  آلان ( إيميل أوغست شارتيه ): عناصر فلسفية، ص 147 .

[3]  سيجموند فرويد: الأنا و الهو، ترجمة: جورج طرابشي، ص: 11 .