Articles by "أبحاث"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبحاث. إظهار كافة الرسائل


 رمضان بدكالة بين الماضي و الحاضر | إعداد الكاتب المغربي : محمد الصفى



 

يعتبر شهر رمضان الأبرك من الأشهر المتميزة لدى كافة المغاربة ومناسبة غالية يتم لها الاستعداد على كافة المستويات رغم الطابع الاحتفالي الذي لم يبق في المرتبة التي كان عليها سلفا،وله مكانة وحظوة في قلوبهم قَل أن تكون لمناسبة أخرى،حيث يمكن أن نقول أن كل شيء يتغير بما فيها قلوب المواطنين التي تطغى عليها الرحمة و الشفقة و الإحسان و حب فعل الخير هذا دون الطقوس التي تسود خلاله المتشبعة بعاداتنا و تقاليدنا التي هي جزء منا رغم ما عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة من تحولات بفعل تيارات العولمة و غيرها لقربه من أوروبا و انفتاحه الكبير على باقي مكونات باقي العالم  و لتكن جهة دكالة عبدة نموذجنا في هذا المقال حيث الروح الطيبة الكرم الزائد و الاحتفالية المزدوجة بين الحاضر و الماضي،فكيف يستعد له الدكاليون ؟ و كيف تمر أجوائه داخل البيوت و المساجد و في حلقات الذكر و الإرشاد و على موائد الإفطار و السحور؟ و أين موقع الأطفال في هذا الجو الاحتفالي الرمضاني ؟

تكون الأيام الأخيرة من شهر شعبان انطلاقة رسمية للاستعداد الفعلي لاستقبال شهر الصيام ومن مظاهرها تحضير بعض أنواع الحلويات الأكثر استهلاكا و الشد طلبا على موائد الإفطار من خلال المحلات الخاصة بهذا النوع أو التي تبرز سوى في مثل هذه المناسبات و تختفي بعدها ،و بمجرد أن يتأكد دخول شهر رمضان حتى تنطلق عبارات التهاني  ( عواشر مبروكة،مبارك عواشركم…) و هي تعني  ( أيام مباركة ) و المقصود بالعواشر أي العشرة الأولى و المحددة في الرحمة و العشرة الثانية و المحددة في المغفرة ثم العشرة الأخيرة الهادفة للعتق من النار.

عبادة بامتياز

شهر رمضان بدكالة كسائر المدن المغربية حيث تمتلئ المساجد و الزوايا عن آخرها لأداء الصلوات الخمس سيما بالمساجد العتيقة التي مازالت تحتفظ نوعا ما بطابعها التقليدي في إحياء الشعائر المتعارف عليها منذ سنوات خلت كما هو الحال بالزوايا التي تشرع أبوابها طيلة هذا الشهر حيث تنشط الطرق الصوفية بشعائرها الدينية و احتفالاتها الصوفية،كما يزداد الإقبال على التديّن من قبل كل الفئات و الأعمار، وزيارة الأضرحة والتعلق بها بشكل قوي، وخصوصًا ضريح مولاي بوشعيب بآزمور و مولاي عبد الله أمغار و غيرها من الأضرحة المتواجدة بكل جزء من هذه الجهة .لتبقى لصلاة التراويح خاصية منفردة حيث تعرف تدفقا بشريا هائلا سيما في المساجد التي يؤم التراويح فيها قراء شباب ذووا أصوات ندية وحسنة يتقنون قراءة القرآن بقواعدها وبالترتيل الجميل، حيث تضيق جنبات المساجد هذه بالمصلين ويصلي بعضهم في الشوارع المحاذية،لدرجة أن البعض يأتي قبل موعد الصلاة بساعة لضمان مكانه في الصفوف الأمامية سيما الوافدون على المدن من النواحي المجاورة و القريبة لها.لكن مقابل هذا الزخم الإيماني المتجسد في كثافة أعداد المصلين في شهر رمضان  والإقبال على الدروس والمحاضرات الدينية التي تبتدئ مباشرة بعد صلاة العصر  وحرص الأسر المغربية على صلة الرحم وزيارة الأقارب،و من العادات التي يعرف بها سكان جهة دكالة عبدة خلال هذا الشهر الفضيل تحول جو الليل إلى نهار بعد صلاة العشاء و أداء صلاة التراويح حيث يسارع الناس إلى الاجتماع والالتقاء لتبادل أطراف الحديث سواء داخل البيوت أو على موائد المقاهي وهنا يبرز الشاي المغربي المنعنع و المنسم ببعض الأعشاب من قبيل الزعتر و الفليو كأهم عنصر من العناصر التقليدية المتوارثة ، في الوقت الذي تنظم ببعض البلديات و الجماعات بعض الحفلات والسهرات العمومية في الشوارع والحارات ،إلى ساعات متأخرة قد تستمر لحدود وقت السحور والتي يعلنها صاحب الطبل أو النفار الذي يطوف كل أرجاء المدينة معلنا إيذان السحور و الاستعداد للتوجه للمسجد بقصد أداء صلاة الفجر.وبعدها يبقى بعض الناس في المساجد بقراءة القرآن وتلاوة الأذكار الصباحية ، بينما يختار البعض الآخر أن يجلس مع أصحابه في أحاديث شيّقة لا تنتهي إلا عند طلوع الشمس .

بين الأمس و اليوم

من الأشياء التي تبقى متميزة خلال شهر رمضان بربوع المملكة هي موائد الإفطار التي تكون في غالبيتها مغرية ومثيرة، بل هناك إصرار أحيانا من طرف كثير من الأسر على تنويع الأكل على مائدة الإفطار وإحضار مختلف الحلويات وكل ما لذ وطاب، وهو ما لم يكن متاحا ولا موجودا في الزمن السابق، حيث يعبر بعض من عاش سنوات الستينات والسبعينات أنها كانت تقتصر على ما هو ضروري و متوفر ساعتها حيث لم تتضمن سوى حساء “الحريرة” الذي يشتهر به المغاربة، وبعض التمر واللبن والبيض فقط حتى أن بعض المناطق كانت ساعتها لا تقوى على توفير الحليب بل تقتصر على البن فقط، وكان الإنسان يأكل ويشبع، أما مائدة هذه الأيام في الإفطار فقد أصابتها التخمة، فهي تحتوي على العصائر بمختلف الأشكال والحلويات بشتى الأنواع، واللحوم والفطائر..الخ.. وللأسف يشتري الصائم أكثر مما يستهلكه، فيكون ما اشتراه عرضة لإلقائه في سلة القمامات، لقد تغيرت مجموعة من العادات والطقوس في جهة دكالة عبدة، كما أصبح تتضاعف نسبة الاستهلاك فيه أمام كثرة الطلبات والإقبال على الأكل و«الشهيوات»، كما يسمّيها المغاربة، بشكل مفرط، حيث غدت مائدة الإفطار مكتظة بألوان المأكولات سواء المعجناتية أو اللحمية أو النباتية إلى جانب مشتقات الحليب و غيرها من العصائر، بلغ معها الإنفاق حد التبذير لدى العديد من الأسر

 

كما أضحى شهر رمضان موسمًا للتكسّب والاستثمار، تزدهر فيه الكثير من الأنشطة التجارية، ويزداد أبناؤها، عبر التهافت الشديد على شراء لوازم تلك الشربة، التي يكثر الإقبال عليها في رمضان، المسماة «الحريرة»، والمعجنات التقليدية المعروفة في المغرب ككل بالرغايف وبغرير والحرشة، والبطبوط ورزة القاضي والملاوي…، إلى جانب السفوف والحلوى والخليع وسلو والزبدة والسمن والعسل والمربى والجبن والفواكه واللحوم الحمراء والببضاء والأسماك والخضر والنشويات والسكريات والنعناع والزيتون والحوامض، وتنشط حركة بيع التمور واللوز والبيض والحليب والشاي والسكر والفحم، هذا الذي يتم استعماله بكثرة في شهر رمضان، وخصوصًا لطبخ «الطاجين» باللحم أو بالدجاج…، بالطريقة الدكالية أو العبدية التي يستهويها طاجين السمك وينقسم الأكل بدكالة حسب إمكانيات كل أسرة و موقعها في الجهة فهناك الذين يستوطنون البوادي و هم الكثرة فتجد فطورهم ينفرد بالحريرة و البطبوط و الشباكية و البغرير و البض فيما الجهة التي تستوطن بالحاضرة فهناك نوعان نوع يقتصر على السمك و الشاي و السلطة و قليل من الحساء ” بلبولة أو الصوبة أو السميدة …” فيما الفئة الثانية و هي الغالبة فتكون موائدها ملئ بشتى ما يجود به رب الأسرة و كل ما تشتهيه العين خلال اليوم بأكمله ،هذه الفئة تفضل تأخير وجبة العشاء إلى وقت السحور، وفئة أخرى تفضل وجبة إفطار خفيفة إلى حد ما، لكنها تقبل على وجبة العشاء مباشرة بعد صلاة العشاء، أما وجبة سحورها فتكون خفيفة. وكلا الفئتين لا تخلو مائدتهما من شربة خفيفة هي «الحساء»، أو ثقيل، تسمى «الحريرة».

حركية رمضان

 

 تعرف جل شوارع و أزقة إقليم الجديدة ما بعد صلاة العصر حركية متزايدة من خلال الأسواق التي تنظم بالمناسبة منها المنظم و منها العشوائية التي تغطي ساحتها عربات الباعة المتجولين فبالرغم من استحداث أسواق تجارية عصرية كبيرة كالتي بمدينة الجديدة أصبحت قبلة للصائمين ولفضولهم، قبل الإفطار وبعده، فإن أسواقها الشعبية وساحاتها وأزقتها الضيقة والظليلة، مازالت تشهد حركة بشرية غير عادية، حيث يبدأ الإقبال الشديد على التبضع، فيكثر العرض ويزداد الطلب، وتعلو أصوات الباعة لتختلط بأصوات الذكر والتراتيل في المساجد، وبصدى الإذاعات والأشرطة، ونداءات الباعة كل حسب ما يعرضه بغض النظر عن الجودة أو الثمن مادامت لجن المراقبة الخاصة بالأثمنة أو بالصحة غائبة،مشكلين لوحة بكل الألوان و التشكيلات ،فيما بعد صلاة العشاء يعود بعض أصحاب الدكاكين و المهنيين إلى ورشاتهم لمزاولة حرفهم التي يجدون فيها متنفسا لهم وفرصة مناسباتية خصوصا الخياطون التقليديون و محفل تجمع مع باقي أصدقائهم و بلغة أخرى ” حديث و مغزل ” على نغمات الموسيقى و كؤوس الشاي الساخنة أما الأطفال فرمضان يوم عيد بكامله بالنسبة لهم كونهم يتخذونه فرصة للخروج و اللعب إلى ساعات متأخرة في لعبة ” زدنيفري ” و لعبة كرة القدم . أما الشباب فينتظمون، قبيل أذان المغرب، في دوريات مصغرة لكرة القدم، كما يتكتل آخرون في قاعات ومقاهي الأنترنت، قبلتهم المفضلة، في الوقت الذي تنشغل فيه النساء والفتيات بإعداد الفطور والعشاء، ويدمن آخرون مشاهدة القنوات التلفزيونية ومسامراتها الرمضانية، دون أن ننسى هنا عادة الإقبال على القراءة والمطالعة خلال هذا الشهر أيضًا.



رمضان بدكالة بين الماضي و الحاضر | إعداد الكاتب المغربي : محمد الصفى





الأديب الدكتور / سعيد بوخليط يكتب "سيمون دوبوفوار/ نيلسون ألغرين:عشق سرِّي، عابر للقارات" 




سنة 1997، اهتزَّ الوسط الثقافي الفرنسي، على حدث استثنائي وغير عادي تماما، قياسا طبعا للتصنيفات الجاهزة والترتيبات القائمة المتكرِّسة مؤسساتيا طيلة عقود. لأن الأمر يمس جانبا خاصا جدا، بقي متواريا كثيرا على الأقل بالنسبة للرأي العام، بخصوص جوانب خفية من حياة سيمون دو بوفوار، وما أدراك ما رمزية ''كاستور'' أو''القندس''؟(1).باعتبارها واحدة ضمن حلقات الأسماء الكبيرة التي أثرت وأغنت تاريخ فرنسا فكريا،ليس فقط خلال القرن العشرين؛بل على امتداد مختلف العصور.

يتمثل الحدث المقصود أساسا،في إصدار دار النشر غاليمار العريقة، لرسائل حميمية، ساخنة شوقا وعشقا وشبقا ولذة، تبادلتها رفيقة جان بول سارتر مع الروائي الأمريكي نيلسون ألغرين خلال سنوات (1947 - 1964).

حزمة رسائل، قاربت ثلاثمائة وأربعة رسالة، شملت فترة امتدت إلى سبعة عشر سنة، كشفت بالمطلق عن وجه ثان مغاير كليا ومختلف جذريا، عن الصورة النمطية العالقة بذكرى الرائدة الأولى للحركات النسائية الحديثة والمعاصرة.حزمة رسائل، انكبت على ترجمتها إلى الفرنسية وتدقيقها ووضع هوامش لها، ابنة بوفوار بالتبني ''سيلفي لو بون دو بوفوار''، أستاذة الفلسفة التي اشتغلت أيضا على الرسائل التي تبادلتها والدتها مع سارتر.

أوضحت لوبون السياق العام، وكذا محددات مشروع اشتغالها على مضامين رسائل إلى نيلسون ألغرين،غرام عابر للمحيط الأطلسي، بقولها :''خلال عروض للمزاد العلني، سبق لجامعة كولومبوس أوهايو، أن اشترت حقوق رسائل سيمون دو بوفوار التي دبَّجتها باللغة الانجليزية إلى نيلسون ألغرين، في حين احتفظت بوفوار بالمراسلات الأخرى الحاملة لتوقيعات الكاتب الأمريكي ألغرين. لقد حددتُ بهذا الخصوص تصورا يتعلق بمشروع للنشر يأخذ بعدا مزدوجا ،لكن وقع التراجع عنه لأسباب سأقولها، بحيث لن يكون تحت تصرف القراء هنا،سوى ماكتبته سيمون دو بوفوار إلى ألغرين بين سنوات (1947- 1964) (ثلاثمائة وأربعة رسالة).ضدا على مختلف التطلعات، وبعد صمت طويل الأمد – طيلة سنة تقريبا- أنهى وكلاء نيلسون ألغرين الأمريكيين أملنا بإصدارهم اعتراض على طلباتنا المتكررة وتأكيدهم لرفض دون استئناف. رفض الكشف عن رسائل ألغرين، دون تفسير ولاتبرير.طبعا، وجب الامتثال لهذا القرار الجائر. للأسف،لاسيما بالنسبة لألغرين، سيقدم إصدار من هذا القبيل خدمة وافرة، لأن الشخص كما الشأن مع الكاتب،على امتداد سبعة عشر سنة من المراسلات الحميمة غير مسبوقة في حياته، مستضيئا بضوء غير مترقب، ودافئ، سيبدو ربما أكثر مماثلة لحقيقته، ترمِّم بشكل أفضل غموض شخصيته مقارنة مع بعض أعماله الروائية أو سيرة ذاتية عادية''(2).

بمعنى، أن الناشر الأمريكي الوصي عن إرث ألغرين،رفض السماح لسيلفي لي بون ابنة دوبوفوار كما أشرت، كي تخرج إلى العلن رسائل الطرف الثاني، رغم كونها قد بذلت جهدا ليس هينا،على مستوى توضيبها ثانية وترجمتها إلى الفرنسية، مما حَرَمنا كقراء من الاطلاع على الشق الثاني من هذه المرسلات العاطفية حتى تتضح الصورة بجلاء.

كما قلت، تجسَّد وقع المفاجأة الجميلة بلا ريب، نتيجة مسألتين أساسيتين :

*ارتبط حضور سيمون دو بوفوار غاية تلك اللحظة، وفق تمثّل ذهني ترسخ لدى المهتمين عموما والمختصين أساسا، في كونها أولا وأخيرا، صاحبة مرجعية نظرية صلبة لاتقبل مساومة الانحدار إلى تحريض العواطف والغرائز، ذات نزوع عقلاني بالدرجة الأولى، سواء على مستوى الرافد الذي شكَّل لبنة للنضال النسوي، انطلاقا من الحمولة الفياضة لجملتها الشهيرة : ''لاتولد المرأة امرأة بل تصير كذلك"،وقد تطورت أوراشها ضمن دفتي كتابها الشهير ''الجنس الثاني'' الصادر سنوات الخمسينات. ثم كذلك، باقي جوانب مشروعها المتطلِّع بقوة صوب تحرير الأذهان، من ثقل الصور النمطية والقوالب المتكلِّسة بناء على تعبيراته المتعددة فلسفيا وأدبيا وإيديولوجيا،التي صاغت خطوطها الكبرى برفقة سارتر.بالتالي، ساد الاعتقاد بأن بوفوار باردة العواطف، ليست بالمرأة الطبيعية القادرة على الإصغاء إلى نبض قلبها وحواسها ومشاعرها، أو أن تتحسَّس جسدها.بل من هو الرجل؟ القادر على إثارة واستمالة امرأة من وزن ذهنيتها، اعتبرت دائما ''الزواج مؤسسة فاسدة''، وعندما تحب المرأة رجلا يلزمها عدم إفساد مضمون هذا الحب بالزواج منه.

تفعيلا لمرتكزات موقفها ذاك، تفرغت طيلة يومياتها في مقاهي باريس بجانب كبار مثقفي تلك الفترة على تدبيج وتطوير أطروحات مؤلفاتها ذات الهاجس الوجودي والثوري :''من كان بوسعه الاعتقاد، بأن سيمون دو بوفوار،امرأة كباقي النساء؛ تحب، تعشق، تنتشي، تتغنج، تتحسس جسدها باشتهاء، تتأوه من اللذة، وتغري رجالا يثيرون مشاعرها ورغباتها الحميمة؟ من كان يظن أن بوفوار، امرأة غير عادية بكل المقاييس، مثلما ترسخت وفق نمذجة تمثّلات ذهنية نمطية، في حين تجسد داخل الغرف المضاءة ضوءا خافتا وفوق الأسِرَّة؛ بغض النظر عن هالة حضورها الفكري، امرأة شبقة متصالحة مع جسدها، تبحث عن لحظات استراحة طويلة بين أحضان رجل تعشقه؟ بوفوار، ذات الكاريزما المهيبة على المستوى القيادي، صاحبة ذهن جبار، واحدة من أهم رموز الفكر الإنساني على امتداد تاريخه، رائدة وملهمة الحركة النسوية خلال القرن العشرين''(3).

*أيضا، ارتبط حضور بوفوار غاية تلك اللحظة، بعلاقتها التاريخية والشهيرة مع جان بول سارتر.علاقة قوامها عقد ثنائي يقوم على مبدأ الإخلاص الحر، استمرت بنوده محل اتفاق بينهما منذ لقائهما الأول سنة 1929غاية وفاة زعيم الوجودية عام :1980 ''في حدود واحد وعشرين عاما، أدركت بوفوار، بأن سارتر سيشكل القضية الكبيرة في حياتها. هكذا، كتبت في الجزء الأول من مذكراتها مايلي، ويشير السياق التاريخي إلى سنة1929 :" بوسعي دائما صحبة سارتر، تقاسم كل شيء.حينما افترقنا بداية شهر غشت، أدركتُ منذ تلك اللحظة بأنه لن يغادر مسرح حياتي قط'''' (4).اعتبرته دائما عائلتها الوحيدة.

موقف عكسته بصدق إحدى رسائلها إلى ألغرين، التي اختزلت بشك كاف جوهر العلاقة بين بوفوار وسارتر :

''كما تعلم، بوسعي من أجلكَ التخلي عن الكثير أبعد من وجود شاب فاتن، بل التنازل عن أشياء عدة. في المقابل، لن أحافظ على سيمون التي تروق لكَ، إن نزع تفكيري نحو الانفصال عن سارتر، حينها سأغدو مجرد امرأة حقيرة، خائنة، أنانية. يلزمكَ إدراك هذه الحقيقة، كيفما جاءت طبيعة القرار الذي ستتخذه مستقبلا :ليس انعدام الشعور بالحب من يفسح لي المجال كي أبتعد عنك .بل أنا متأكدة، بأن وقْع انفصال من هذا القبيل إن حدث، سيكون أثره الشخصي علي أكثر قسوة من ارتداداته عليك، لأني سأفتقدكَ بكيفية مؤلمة قياسا لتأثير غيابي عنكَ، فلا يمكنني سوى أن أعشقك أكثر، والتشوق إليك على نحو أكبر، بالتالي لايمكن لغيابكَ غير اتصافه بوقع جلل. ربما تدرك ذلك.

لكن،وجب التنصيص في ذات الوقت،على مسألة وإن أظهرتني متبجِّحة : إلى أي حد يظل سارتر محتاجا لحضوري بجانبه.

يتميز سارتر بعزلته الشديدة، فيما يتعلق بحياته الخارجية، ثم ممزقا جدا ذاتيا وفي غاية الاضطراب، وأنا بمثابة صديقته الحقيقية، رفيقته الوحيدة التي تستوعبه حقا، أساعده فعلا، أعمل معه، وأمنحه السكينة والتوازن.

منذ عشرين سنة، فَعَل كل شيء بالنسبة إلي، ساعدني كي أحيا وأعثر على ذاتي، وضحى من أجلي بعدة أمور.حاليا، ومنذ أربع أو خمس سنوات، حان موعد ردِّ الجميل نظير مواقفه معي، فمن واجبي أن أساعده، وقد مد لي يد العون باستمرار، لذلك لايمكنني قط التخلي عنه.ربما أبتعد عنه لفترات طويلة تقريبا، لكن يستحيل ربط حياتي بأكملها مع شخص آخر غيره.أكره الحديث ثانية عن هذا الموضوع.أعلم بأني عرضة لمجازفة أن أفقدكَ، وأعلم دلالة نتيجة من هذا القبيل بالنسبة إلي''.

حينما ماتت بوفوار سنة 1986، دفنت بجوار سارتر الوحيدة، في مقبرة مونبارناس.

عموما تمثل في سياق هذا الحديث:''رسائل إلى سارتر"(1990) ،وثيقة مهمة للغاية تروي طويلا خصوصية مغامرات هذا الثنائي المذهل تبعا لجميع المقاييس.

عام 1947 ،سافرت بوفوار إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لإلقاء سلسلة محاضرات في جامعات أمريكية عدة طيلة فترة خمسة أشهر، بدعوة من جامعات أمريكية عديدة، بحيث مكثت هناك طيلة الفترة الممتدة من شهر يناير غاية ماي.

خلال شهر فبراير، اقترحت ماري غولدستين على صديقها نيلسون ألغرين، ضرورة السعي للقاء الكاتبة الفرنسية الشهيرة حين قدومها إلى مدينة شيكاغو.فعلا، اجتمع بها وقضيا معا ليلة، وعند ظهيرة اليوم التالي، اصطحب ألغرين بوفوار البالغة من العمر آنذاك تسعة وثلاثين سنة، في جولة شملت أحياء المدينة المهمشة، وكذا حانات الحي البولوني.ثم بصعقة حب، وقعت في غرام الروائي الأمريكي البوهيمي، الرافض لضجر وصخب الحياة المعاصرة، يميزه مزاج انطوائي، عاش منعزلا ووحيدا في شيكاغو: ''كما مات وحيدا في إطار لامبالاة مطلقة، إلى درجة عدم التماس أيّ شخص لجثته.اهتمامه بالجانب القاتم داخل المجتمع الأمريكي، أرغمت البوليس الفدرالي (إف. بِ.أي) ،كي يوثق عن مساره،ملفا قارب خمسمائة صفحة قصد ترصد ممكنات السمات المدمِّرة لكتابات مبدع شيكاغو''(6).انصبت كتاباته على تفاصيل أحياء شيكاغو البئيسة وكذا المهمَّشين والبؤساء والمقصيين من المنظومة المجتمعية، وقد تجسد ذلك أساسا بين صفحات روايته الشهيرة ''الرجل ذو الذراع الذهبية'' (1949)،التي تحولت إلى فيلم سينمائي وفازت بأول جائزة قومية عام 1950 . أيضا، اشتهر أليغرين بسرديات مجموعته القصصية:"صحراء النيون''.(1947)

إذن، للتو ومنذ البداية، أغرمت بوفوار كليا بهذا المبدع غير التقليدي، وقد عكس حضوره الجسدي صورة مثيرة مغايرة لنزوعه النفسي القاتم : ''يجسد نيلسون ألغرين- على حد وصف سيلفي لوبون- ضحية عُصاب نفسي معين نتيجة الفشل… رجل عنيد أشبه بزومبي ينخره الاستياء ''(7). مقابل ذلك، وفي نفس الآن،هو شاب حظي بمزايا سحنة شقراء، وعينين زرقاوين،ممشوق القوام. فلم تتردد قط في سبيل التعبير عن مشاعرها من خلال أولى رسائلها :

" اتصلتُ بكَ هاتفيا، بعدها وجدتُني جالسة على سرير داخل مقطورة القطار، منهمكة في قراءة كتابكَ''صحراء النيون''.استسلمتُ لحكايات صفحاته إلى أن غفوتُ.اليوم، أتابع القراءة بجوار النافذة، وأتملَّى بمتعة تلك المناظر الخارجية :يوم هادئ جدا، لكن قبل الذهاب للنوم، وددت التعبير عن مدى إعجابي بكتابكَ، مثلما أحببت شخصيتكَ كثيرا.أعتقد، بأنكَ أدركْتَ ملامح هذا الشعور مع أننا لم نتحدث سوى قليلا.

لن أتقدم لكَ بمزيد من عبارات الامتنان، لأنها ستكون بلا معنى، في المقابل أودُّ أن تعلم مدى سعادتي وأنا بصحبتكَ.لذلك مستاءة، أن أقول لكَ إلى اللقاء، بل ربما وداعا على امتداد حياتي.

أحب حقا الرجوع إلى شيكاغو شهر أبريل،استمرْ في استحضار سيرتي ثم أخبرني عنكَ"(8).

هكذا، انطلق خيط ناظم لرسائل غرامية لماحة ومستفيضة، لم تتوقف على امتداد سبعة عشر سنة، تخللتها للمفارقة المدهشة ! فقط خمس لقاءات فعلية بين العاشقيْن على أرض الواقع، تنوعت بين جغرافيات :أمريكا، إسبانيا، اسطنبول، اليونان.ثم توقفت بعد سنة .1960رسائل، تجاوزت حقيقة أبعادها هذا الإطار الشخصي الخالص،كي تبلور في نهاية المطاف وثيقة تاريخية؛ بمعنى من المعاني، انطوت على معطيات كثيرة رصدت سياق فترة سنوات الخمسينات والستينات.

لم تتوقف بوفوار،عن مخاطبة عشيقها المتواجد بعيدا هناك خلف المحيط الأطلسي،مع مطلع كل رسالة ب ''زوجي العزيز''، إلى جانب تحديدات مقامية أخرى، تنوعت بين الفينة والأخرى مثل المتمتع ب :"جسد ساخن ومريح"، "تمساحي المحبوب"، "حبيبي"، ''الشاب الأنيق"، ''الشاب الظريف والنيئ"، ''المرح''، ''البشوش والودود"… ثم تذيِّلها بعبارة تنم عن جل معاني الإذعان والانقياد والامتثال :"سيمون لكَ وملككَ''.

سنة 1956،أذاعت بوفوار لأول مرة سر علاقتها، ضمنيا أو تلميحا، حينما أصدرت روايتها'' المثقفون''، التي تناولت الحياة الشخصية لمثقفين قريبين من محيطها في مقدمتهم سارتر طبعا، ثم تحدثت عن نيلسون ألغرين عبر توظيف اسم مستعار هو ''لويسي بروغان''، وأهدته هذا العمل.حينها، تداول القراء الخبر، متطلعين نحو الوقوف على هوية الاسم وطبيعة كتاباته، لأن ألغرين لم يكن معروفا في أوروبا، ولم يسطع نجمه داخل بلده أمريكا سوى عام 1950 حين فوزه بجائزة الرواية.

بداية سنوات الستينات، صدرت الترجمة الانجليزية لكتابها المعنون ب''قوة الأشياء''، المتضمِّن لاعترافات وردت على لسان بوفوار في حق عشيقها الأمريكي.تخاطبه قائلة: "أتمنى أن لاتزعجك المقاطع التي تخصك لأني وضعت فيها كل عاطفتي وقلبي".غير أن الغرين لم يتقبل ما أوردته بوفوار في حقه، وأحس كما لو أن كرامته مست ثم انكفأ إلى الصمت وحيدا وحزينا غاية موته سنة1981 .تضيء لنا سيلفي لوبون، بكيفية ما، حقيقة ماجرى :

''سنة 1965، صدرت الترجمة الأمريكية لكتاب بوفوار قوة الأشياء. انطوت بعض صفحات العمل، على جانب من حيثيات علاقتها مع ألغرين، معناها، الخيارات المؤلمة حيث احتُجزت طبيعتها نفسها. تقول بنبرة تحذيرية مخاطبة ألغرين:"أتمنى أن لاتشعرك الصفحات المخصصة لك بالإزعاج لأني كشفتُ بين طياتها عن كل دواخل قلبي".بيد أنه تفاعل بعنف، مكررا على المستوى العمومي تأكيدات متذمرة وحقودة.ثم، صمته، غاية موته سنة 1981، حيث تجاوزت حيثيات ذلك رمزيا ما يسمح به الروائي : موت منعزل لشخص منعزل،منهك داخل بيته وبعد ذلك لن يهتم شخص بدفنه.تقول عناوين إحدى الجرائد :"جثة ألغرين غير مرغوب فيها !". لكن في خضم تخليه عنها ،علمت سيمون دوبوفوار بنوع من الاندهاش أنَّ نيلسون ألغرين، رغم كل شيء، لم يتلف رسائلها"(9).

*هوامش المقالة :

(1)اشتهرت بوفوار بهذا اللقب الذي نعته بها لأول مرة بول نيزان، منذ أيام المدرسة العليا للأساتذة.

(2) Simone De Beauvoir :Lettres à Nelson Algren ;un amour transatlantique (1947-1964) ; Gallimard .p :9 .

(3) سعيد بوخليط : سيمون دو بوفوار.. امرأة أيضا. موقع الكتابة الثقافي. 17 يوليو .2021

(4) نفسه.

Simone De Beauvoir ;op cit ; p :314 -316. ( (5

(6) سعيد بوخليط : سيمون دو بوفوار.. امرأة أيضا. موقع الكتابة الثقافي. 17 يوليو.2021

(7) Simone De Beauvoir :p 12.

(8) op cit ; p 16.

op cit ; p12- 13. (9)






الأديب الدكتور / سعيد بوخليط يكتب "سيمون دوبوفوار/ نيلسون ألغرين:عشق سرِّي، عابر للقارات" 



  


الباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب : المكبوتات حافزا للمدركات




المكبوتات حافزا للمدركات.

يعيش الإنسان منفرداً في عالم الوجدان يؤسس للكيانه النفساني،تحكمه تارةً ميول ورغبات وتقمعه طوراً سلطة الأوامر والممنوعات وفي انعدام الرقيب تطفو المكبوتات وتنبثق من أعماق نفسه الدفينة لتشق طريقها نحو البوح والإفصاح. وحول قيمة المكبوتات في تحديد المدركات كان الجدال والمرآء بين الفلاسفة وعلماء النفس واختلفوا  حول تحديد أهميته المعرفية، الخلاقة، المبدعة  بين مؤيد للاشعور مستمداً من نظرية الكبت مفجراً للطاقات الإبداعية الفكرية، ومعارض لهذا الطرح يعتبر المكبوتات سلبية لحرية الأنا الواعية تجعلها في قيد لا ينكسر وتقييد لا يفكر رباطه.

فهل الكبت النفسي حافزا للمدركات؟ وإلى إي مدى يؤثر اللاشعور على الإدراك؟

(المكبوتات حافزا للمدركات)

       يؤكد فرويد بأن الإبداعات الفكرية ناتجة بالأساس عن اللاوعي ( اللاشعور  )المتجلي في الإلهام الجارف وهذا يعني أن الأثر الإيجابي للاشعور على الإدراك يتمثل في الإبداع الفني، والفكري والعلمي الذي يخلق التوازن النفسي ويساعد المبدع على إظهار مكنوناته المكبوتة وترجمتها في أعمال إبداعية وفنية وموسيقية، فالمدركات ليست ظاهرة عقلية بحتة فحسب، بل هي كذلك ظاهرة لا شعورية، مثل إدراك الأم النائمة لبكاء رضيعها. ومن الحجج المستعملة حسب مدرسة التحليل النفساني في دور المكبوتات كحوافز للمدركات يمكن الاستعانة بقول الفيلسوف الألماني فريد يريك نتشه: « إن الجزء الأكبر من نشاطنا الفكري يحصل بطريقة لا شعورية ».[1] 

ففي المجال الأدبي ترجم صاحب العبقريات عباس محمود العقاد ومكبوتاته وهيامه الدفين بالكاتبة مي زيادة في قصة جد رائعة موسومة ب "سارة"، كما حركت بلقيس مكبوتات شاعر المرأة نزار القباني وقدم الكثير من القصائد في حقها من بينها قصيدته  « حديثك سجادة ذهبية ». 

لكن كثيرا ما يكون المكبوت سببا في أخطاء مدركاتنا ويتجلى ذلك في فلتات اللسان وزلات القلم، وهي تلك الهفوات والأخطاء التي يتورط فيها لسان وقلم الإنسان.

(المكبوتات تؤثر سلبا على المدركات)

 هناك فلاسفة آخرون وعلماء النفس يرفضون أن تتدخل المكبوتات في  تحديد المدركات، إذ يحرف اللاشعور الإدراك من خلال الكبت، أي كبت الدافع قبل الوصول إلى الشعور، فتتغير معرفتي، عندما يتم التعبير بطريقة رمزية. كما يستند دعاة هذا الموقف إلى حجة دامغة ، دور اللاشعور السلبي يتمثل في تعليق مختلف السلوكيات به، لأنه يعبر عن جوانب مرضية تحتاج دائما إلى العلاج، كما أن اللاشعور قد يكون مجرد حيل وخداع تستعمله الذات للهروب من المواقف وعدم قدرتها على المواجهة، « اللاشعور هو أنا آخر، أنا له أحكامه المسبقة وأهواؤه وحيَلُهُ، إنه ضرب من الملاك السيء، مرشد شيطاني؛ ولكي نجابهه، يجب أن نفهم أنه ما من فكرة لدينا إلا وهي ناجمة عن الأنا بوصفه الذات الوحيدة ». [2]

 فقد يؤثر سلبا على تلك المدركات التي لا نريد إظهارها مثل العواطف والأهواء.  

لكن المكبوت يلعب دورًا بارزًا على المدرك، المتجلي في الخيال المبدع هو القدرة على الاختراع. وهذا ما أصاب العالم ارخميدس عندما خرج من الحمام صائحًا وجدتها.

ما يمكن أن نصل إليه فالمكبوتات حافزاً قوياً ومحركًا كبيرًا للمدركات، فالأنا اللاشعورية تسترجع الذكريات المخبوءة وراء الشعور. فكثيرا ما ننشغل بفكرة ما دون وجد حلا لها فتكبت في الأنا العميق وبعد استراحة العقل ينكشف حل هذه الفكرة لا شعوريا لأنها شغلت ذهن المفكر.  يقول فرويد:  « فالمكبوت هو عندنا النموذج الأول للاشعور، واللاشعور هو النفسي ذاته وحقيقته الأساسية.»[3]

قائمة المصادر:

1.     فريديريك  نتشه: الاعتبارات غير الزمانية.

2.     آلان ( إيميل أوغست شارتيه ): عناصر فلسفية.

3.    سيجموند فرويد: الأنا و الهو، ترجمة: جورج طرابشي.

4.    رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر.




[1]  فريديريك  نتشه: الاعتبارات غير الزمانية، ص: 75 .

[2]  آلان ( إيميل أوغست شارتيه ): عناصر فلسفية، ص 147 .

[3]  سيجموند فرويد: الأنا و الهو، ترجمة: جورج طرابشي، ص: 11 .


الأستاذ الدكتور - عبد العظيم أحمد عبد العظيم يكتب : الأقليات المسلمة في الصين وروسيا الاتحادية




يعيش في الصين 24,8 مليون مسلم عام 2020، بما يوازي 1,7% فقط من سكانها. وقد صل الإسلام إلى الصين عبر طرق ثلاثة، أولها طريق الفتح الإسلامي، وينطبق ذلك على مقاطعة تركستان الشرقية " سينكيانـج "، ثم انتشر الإسلام عن طريق الدعوة في المناطق الداخلية، وعبر التـجارة في المناطق الساحلية، حتى إن مشاهير الرحـالة أمثال ماركوبولو، وابن بطوطة، ذكروا أن كل مدينة صينيـة كـان يوجـد بها حي للمسلمين ومسـاجـد للصلاة.

ويقطن مسلمو الصين فى الوقت الحالى بالولايات الغربية والشمالية، وكذلك فى ولاية يوننان التى تقع بالجنوب، وتعد أحوالهم المعيشية والمادية إجمالاً حالة متوسطة.

كما أنهم يتعايشون مع غيرهم من الطوائف فى ود وألفة دون كراهية من أحد لهم، فهم وطنيون بكل معنى الكلمة، وقد أنشأ المسلمون بالصين مساجد كثيرة بما يجمعونة من أموال وبكل مسجد مدرسة ابتدائية، أما المدارس الثانوية والعليا فهى إلى حد ما تعد قليلة[1]، وليس فى دستور الصين مايمنع أن يكون الرئيس مسلماً، أما الوزارات ففيها وزراء مسلمون.

كما حاولت الحكومة ابتداءاً من سنة 1987م كسب ود المسلمين، فأعفتهم من قوانين تحديد النسل فسمحت لهم بحرية الإنجاب تلبية لرغباتهم فى تركستان، وفى غضون ست سنوات تمكن المسلمون من إنشاء ستة آلاف مسجد فى تركستان وحدها.

2ـ روسيا الاتحادية:

عرف هذا الإقليم الإسلام مع بداية القرن الثـالث الهجـري "التاسع الميلادي" عندما استقر التجـار المسلمون على نهر الفولجـا، ومع تزايد النشاط التـجاري دخل الإسلام في نفوس أهل البلغار، وقـد عرف الطريق الذي كان يسلكه التجار المسلمون بطريق "الفراء"؛ لأنهم كانوا يجلبون الفراء من شمال بلغار الفولجا، كما كـان المسلمون يتاجـرون بالحـرير الذي اشتهرت به بعض مناطق تركستان الغربية.

وقد انتشر الإسلام في بلاد ما وراء النهرين بفضل السلوك الرشيد والأمانة في التجارة التي هي سمة التجار المسلمين، وقيامهم بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، واعتنق الإسلام في تلك المناطق أعداد غفيرة من الناس.

ويتوزع المسلمون في روسيا الاتحـادية على عـدد من الجـمـهـوريات، وهي: جـمهورية تتـاريا، جـمهورية بشكيـريا، جمهورية الجوفـاش، جمهورية مـوردوف، جمهورية ادمورة، جمهورية الشيشـان والأنجوش، جمهـورية مـاري، جمهورية أورنبـرغ، جـمـهـورية داغسـتـان، جمهورية قاراشـاي شركس، جمهـورية أوستيا الشمالية، ولاية الاديجـا، إقليـم سيبريا، جمهورية جورجيا، شـبه جـزيرة القرم، جمهورية مولدافيـا، جمهـورية ليتـوانيا.

وتشير الإحصاءات إلى أن تعداد المسلمين في روسيا الاتحـادية يصل إلى ما يزيد عن 17 مليـون مـسلم عام 2020، بما يقارب ثُمُن سكان الدولة عددا. وتتـراوح نسـبـة عـدد المسـلمين بالنسـبـة لعـدد سكـان هذه الجـمـهوريات مـا بـين 16% كـمـا هو الحـال في جـمهورية جـورجـيـا ومولدافـيـا وليتـوانيـا، و69% كما هو الحـال في جمهورية الشـيشان والأنجـوش.

وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي "1919-1991" وإقامة روسيا الاتحادية عام 1991 على أنقاضه مر المسلمون في هذه الجمهوريات بسـنوات عصيبة من القهر والاضطهاد والقتل والتشريد لإكراه السكان جميعا على ترك أديانهم واتباع الشيوعية، ومازال شعب الشيشـان يواجـه الحرب الروسية المعلنة ضده، والتي راح ضحيتها الآلاف من المسلمين، وتشردت أعداد كبـيرة مـن هذا الشـعب المسـلم، وأضاف لاجـئوه أعدادا جـديـدة إلى اللاجـئين المسلمـين الذيـن يشكلون نسبة كبيرة من مجموع اللاجئـين في العالم.


الأستاذ الدكتور - عبد العظيم أحمد عبد العظيم

أستاذ جغرافية الأديان- قسم الجغرافيا كلية الآداب - جامعة دمنهور- مصر


المراجع:

[1] محمد تواضع، الصين والإسلام، دار الطباعة والنشر الإسلامية, القاهرة، 1930، ص22








 الباحث الجزائري / محمد بصري يكتب : الصفح والاعتراف وفرنسا العجوز.


 


الصفح كثيمة Thémeمفاهيمية مطاطي غير ثابت يتحرك د اخل فقاعة من الدلالات، لأنه كمصطلح أخلاقي عفيف وخجول يرفض أن يستقر على معنى معين فهو يفيض بالمعاني مما يجعل من المستحيل القبض عليه وتفسيره، بل بالأحرى تأويله وفي هذا مغامرة برومثيوسية غير محمودة العواقب.

صفح ( صفح /يصافح/ صفوح /مصحف/صّفح/التصحيف).وقديما قالت العرب صَفَحه بالسيف أي ضربه بعرضه وتجنبه بحده.وقال شاعرالعرب بن نباتة:

والصفحُ لا يحسنُ عن محسن * وإِنما يَحْسُنُ عن جاني

قال صفي الدين الحلي :

العَفوُ منك من اعتذاري أقرَبُ * والصفحُ عن زللي بحلمكَ أنسبُ

عذري صريحٌ غيرَ أني مقسمٌ * لا قُلتُ عذراً غيرَ أنّي مُذنبُ

يا من نمتُّ إلى علاهُ بأننا * في طَيّ نِعمَة ِ مُلكِهِ نَتَقَلّبُ

إني لأعجبُ من وقوعِ خطيتي * ولَئِنْ جُزيتُ بها، فذلك أعجَبُ.

في الثقافة الغربية والمركزيات الثقافية المخالفة والمختلفة عن الأفق العربي الصفح يعني "الهـــــــــــِبَة" LE par—Don وهنا يهتز كمفهوم قيمي أخلاقي ويغدو قابلا للتفكيك والزحزحة والخلخلة .وهو ما ورد في كتاب جاك دريدا "الصفح ومالا يقبل التقادم" بل بالأحرى دراسة تفكيكية نابعة من منهج هذا الفيلسوف المطرقة.

الصفح أو ما نسميه لغوا وتحريفا التسامح يقتضي حسب جاكي دريدا اللقاء بين وجيهين أو " وجها لوجه" face to face "الضحايا والمجرمين" على الطريقة اليسوعية المسيحية. وقد يجد له مكانا في أعرافنا القبلية العربية إحتفائية دفع الدِّيـــــــــَة من قبيل حضور أهل الجاني وأهل المقتول المعتدى عليه.

الفظائع والآثام القصوى التي تسببت فيها الحروب والقتل الهمجي والمجازر في التاريخ البشري عبر القرن العشرين وهي مهولة وغير مبررة وقاتلة للضمير الأخلاقي الإنساني .ومنهكة لأي تحليل وتقعيد وتفكير فلسفي انساني. ويمكن القول أن ما تعرضت له البشرية في قرن واحد لحق بالجزائريين على مدار قرنين أي التاسع عشر والعشرون .أذى لا يمكن محوه بجرة قلم أو جلوس حول مائدة صغيرة لإتفاقيات لا تستطيع إضفاء شرعية على العنف أو تبرير مسارح الاجرام.إنها قضايا لا تقبل التقادم مطلقا. وفي هذا يقيم دريدا قراءة لرسالة جانكليفيتش في دعابة "الوعي المذنب" حيث لا يمكن لألمانيا أن تعتذر عن فظائعها التاريخية في الحرب .ع2 وهي في أوج شراستها الاقتصادية ولهيبها المادي التقدمي .وهو ذاته ينطبق على فرنسا القوية اقتصاديا وسياسيا فهي تكرر نفس النكتة السخيفة "دعابة الوعي المذنب" عبر وسائلها الاعلامية وقنواتها السياسية حتى بات مفهوم "طلب العفو والمغفرة والصفح" العفوي والمغلوط من الجزائريين مناسبة انتخابية الغرض منها استعطاف أصوات الحيارى من المنتخبين الفرنسيين مزدوجي الجنسية والذي يعدون بالملايين في بلاد القوط والغال.وهو الاستثمار في الغباء السياسي ثانيا بحبكة البروباغاندا اللعوب والغواية السياسية.حين تصبح السياسة شبيه بمومس غجرية تبدي مفاتنها عند الضرورة..


الذين أبيدو في سجن Auschwitz أوشفبتز الألماني .الكئيب الممقوت إلى غاية 1945 لا يتجاوزون 200.000 يهودي وهذا حسب الرواية الصهيونية . وناضل اليهود لانتزاع حق الاعتراف بالهولوكست . وأصبحت كل نزعة عنصرية جريمة دولية وقانونية صادمة ونزعة ضد السامية أو عداء ضدها وهنا يمكن القول أن الذكاء اليهودي استثمر في الغباء السياسي الجرماني الآري بكل ما تحمله العبارة من حمولة قاسية. عدد الهنود الذين قتلهم الامريكان في غزوهم العالم الجديد 18 مليون ولازالت المأساة عالقة بالعقل الامريكي تُؤرق الضمير الجمعي لحفدة الايرلنديين والقوطيين والفايكينغ وخير مكافأة كانت ادماجهم واختلاطهم وامتزاجهم بالعنصر الانجلوساكسوني. نكون نحن سكان شمال افريقيا اللعينة من الجزائريين بمختلف أطيافهم وطبقاتهم الإجتماعية ثاني عنصر في التاريخ الحديث وفي كل التواريخ بعد الهنود الحمر من تعرضوا للإبادة القاسية بدون رحمة من فرنسا فالإحصائيات تؤكد أن الأعداد تترواح 5 ملايين وبعضها يذهب إلى 11 و12 مليون بين شهيد ومفقود وقتيل.جرائم كارثية لا نطلب فيها إلا العدالة الالهية من فرنسا ومن الذين صمتوا طويلا عنها.من يعتقدون أن فرنسا ستعترف أو تثبت ذلك هم واهمون . المهزلة و الهم هذا يحتاج إلى ضغط وحراك وصمود وكتابة ونخب حقيقية وشعب يعي ما حدث لأسلافه وأجداده وجيل يقرأ يوميا هموم من تكبدوا الشقاء . المطلوب ليس الاغتراف بل أن تقبل هذه الدولة العجوز المتعجرفة "فافا" مبدأ الصفح . كما يقول جاك دريدا الفيلسوف الجزائري اليهودي الفرنسي " لقد لهَتَ الألمان طويلا من أجل الصفح بعد ممانعة واستكبار يهودي". والآن يطلب من الجزائريين أن يطالبوا فرنسا بالاعتراف عبر أقساط بشكل سوداوي وكوميدي هزلي وكأننا نريد أن نشتري سيارة رديئة من الدرجة الثالثة لصناعة التايوانية ..

هوامش :

*مراجع مصادر الشعر جمعها مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي ( أحمد قبش..

* جاك دريدا " الصفح مالايقبل الصفح وما لا يتقادم"ترجمة مصطفى عارف و نورالدين عارف دراسة



الباحث الجزائري / محمد بصري يكتب : الصفح والاعتراف وفرنسا العجوز.





الباحث الجزائري / محمد بصري يكتب : الصفح والاعتراف وفرنسا العجوز. 



 الباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب :الرؤية الجمالية عند التوحيدي وتعليلاتها الفلسفية




     ظلت الرؤية الجمالية مقترنة بالفلسفة، ملائمة للفيلسوف المتأمل في الكون والعالم ومظاهر الحياة الصعبة، والظروف الاجتماعية القاسية، الملهمة له و الصانعة منه مفكر ينأى عن هذه الصعاب ويقصد إلى الذوق،  يبدع  أشكالا و جمالا، تصير ملكة رمزية متقررة تبلغ تحققها في الكتابة تنسيه القسوة وصعوبة العيش.

لكن هذه الرؤية في الحضارة اليونانية عند أفلاطون كانت متعالية، وأحادية، ضيقة، حصرها الفيلسوف أفلاطون في عالم المجردات، المحايث و المفارق لعالم الحس، مادامت فلسفته مثاليٌة تقوم على التٌمييز في الوجود بين العالم المحسوس والعالم المعقول والذي سمٌاه أيضا بعالم "المثُل" أي عالم الأفكار المجرٌدة الثٌابتة والأزليٌة. وقد كان بهذه النٌظريٌة يسعى إلى تجاوز آراء السٌفسطائيٌين التي كانت تحول دون القول بإمكان التوصٌل إلى معرفة موضوعيٌة ثابتة لا تستطيع الحكم على الجمال.

 وعلم الجمال الذي يتناول الإنسان في نشاطه المبدع لهذه الصور الجميلة يعد من أصغر أبناء الفلسفة؛ لأنه « لم يستقل عن نظريات المعرفة والخير إلا في العصر الحديث وعلى وجه الدقة في القرن الثامن عشر عندما أطلق الفلاسفة الألمان والأوربيون كلمة Aisthetics  على ذلك الفرع من فروع الفلسفة الذي يعنى بشعور الإنسان بالجمال وتذوقه وإبداعه له في الفنون المختلفة ».[1]

فالمتعارف عليه ليس معنى ذلك أن قدماء الفلاسفة لم يعنوا بتناول موضوع الجمال في دراساتهم الفلسفية، وتعليلاتهم الفكرية بل أقاموا له جناحا خاصا في عمارتهم اللوغوسية وأعمالهم الفلسفية العديدة حتى أضحى الابن المدلل لأمه الجميلة الفلسفة، مما جعل الفيلسوف اليوناني أفلاطون ينظر له على شكل وحدة متعالية، فما هي الرؤية الجمالية في فكر التوحيدي الفلسفي؟

وما هي التعليلات الفلسفية لعلم الجمال عنده ؟

وهل نجد إبداع في فكره للرؤية الجمالية، أم مجرد اجترار لما قدمته الحضارة اليونانية وما قدمه أفلاطون؟  

1.    النظرة الجمالية عند التوحيدي:

      قد نجد العرب مثلهم مثل الشعوب الأخرى فهموا الجمال فهما خاصا، وقدموا تصورا مؤسسا، يستمد مشروعيته من البيئة الطبيعية والاجتماعية، فهو نتيجة الفكر الذي ينظم علاقاتهم المختلفة مع الواقع وظواهره المتعددة فالجمال يسر الحواس التي تحتك بالطبيعة، وقوة تصل إلى ما هو أعمق من الحواس، إنها تهز النفس هزا، هي جمال قوة التعبير عند العربي الذي أصبح الجمال عنده إثارة لمشاعره، وتعبير عن خلجات نفسه المستفيضة. ينزل المتذوق، العربي عندئذ من سماء العقل والمنطق إلى أرض العواطف والشعور فتحركه اللفظة المبهرجة وتستفزه المعاني العذبة الجميلة.

 يعد أبو حيان التوحيدي( 310 ه- 414 ه ) داهية عصره نظرًا لإبداعه المتنوع المشارب من علم الكلام إلى الفلسفة، الأدب والشعر، الفقه والذوق، النقد والحجج العقلي، نظرية الجمال والنظرة الثاقبة للحياة، حتى نعته العديد من أدباء عصره بفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة.

تكمن الرؤية الجمالية عند التوحيدي بمفارقة فكرية عجيبة عن طرح الفيلسوف اليوناني أفلاطون، فالجمال عند التوحيدي يقوم على مقومات ثلاث: الله، الإنسان المتذوق، والكون الواسع الرحب الذي ينتمي إليه المتذوق، فالثنائية التي انطلق منها أفلاطون: عالم المثُل وعالم الحس، ثنائية التسامي والتدني، السَّماء والأرض، الروح والجسد، التجريد والحس تنبؤ عن البحث على طرف ثالث لم يستطيع الفيلسوف أفلاطون إدراكه رغم التأمل الفلسفي والانطلاق إزاء السمو والتأثر بالفلسفة الطبيعية التي سبقت سقراط، لكن رؤية التوحيدي الجمالية ترجمة قوية لرؤية فنية شاملة توظف عناصر ثلاث، على شكل مثلث ذي أضلاع ثلاثة قمته الله عز وجل الذي خلق الكون وخلق الإنسان المتدبر والمتأمل في رحابة الأرض التي يذب عليها، بعداً جمالياً قوياً يربط ساحة الذكر بساحة الفكر يقول عزم القائل:« إنّ في خَلْقِ السَمَواتِ وَالأرضِ وَاختِلافِ الليلِ والنَّهارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلبَابِ الذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتفَكَرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ والأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبحَانَكَ فَقِنا عذاب النار»[2]

2.    النظرة الجمالية عند التوحيدي عمق التجديد دونما اجترارٍ للتقليد:

    في إطار ملمح التجديد لفلسفة الجمال عند أبي حيان التوحيدي، يدور فلك فكره على تعليلات فلسفية تختلف عن نظرة أفلاطون للجمال تتجلى في:

 الدين الإسلامي للتوحيدي ونزعته العرفانية: إذ ينطلق من صفات جوهرية للذات الإلهية ( الْجَمَالُ، الْجَلالُ، الْكَمَالُ ) وعليه أسقطت تلك الثنائية التي وظفها أفلاطون في تعليله الفلسفي للجمال، وحل محلها أبعاد جمالية في منتهى الروعة وقوة التعليل الفلسفي، فالجمالُ إلهامٌ؛ والإلهامُ « مفتاح الأمور الإلهية »[3]  فالحق سبحانه يتجلى بجماله عندما يبسط علينا أنوار البسط و المعرفة، اليسر والتيسير، الفتح والرحمة، عندما نُسر أمام مخلوقاته من أزهار وأشجار، أنهار وأطيار، ثلوج وبحار. أما صفة الجلال فالحق سبحانه وتعالى  يتجلى بعظمته وهيبته وسلطانه وجبروته فعندها يكون المحو و الفناء وهذا ما وقع لسيدنا موسى عليه السلام عندما تجلى الله للجبل جعله دكاً وخر موسى صاعقاً، وصفة الكمال إذ يتجلى الحق سبحانه وتعالى لعباده بقدرته وعلمه، إرادته وكمال حكمته.

الأدب والفكر العربيين: يتفق علماء النفس والاجتماع على أن الإنسان ابن بيئته، والشخصية الإنسانية تتبلور وتتحدد معالمها وتكتسب مميزاتها في خضم البيئة المتواجدة فيها وما تحمله من خصائص ومقومات وبما لها من تأثير أيضاً بالإيجاب أو السلب، فإن مبدع الخطاب الفيلسوف التوحيدي، معجمه الأول بما فيه من مفردات وتراكيب وما يحتويه من أدوات وجمل ومواضيع تنطلق من البيئة التي ولدت فيها الرؤية الجمالية للتوحيدي وليست بيئة يونانية،فالخطاب الجمالي يكتسي مفردات بيئته وأساليبها كما بدت في مرآته المتجلية  في رحابة الكون وزرقة السماء  وشاسعة الأرض.فالنظرة الجمالية « صناعة بشرية مستخرجة من الطبيعة التي هي إلهية، ولا سبيل لقوة بشرية أَنْ تنال قوة إلهية بالمساواة.»[4]

هذا غيض من فيض في هذا المقال، حاولنا تسليط الضوء على شخصية مغمورة جفاه الحبيب، الصاحب والقريب، التوحيدي نابغة عصره، عاش في زمانه غريب، حاربه الوزراء والفقهاء، الحساد والدهماء، عَده ابن الجوزي من الزنادقة الثلاث الكبار، عبر التوحيدي بنفسه عن حاله قائلا: « لقد أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، ملازماً للحيرة، محتملاً للأذى، يائساً من جميع من ترى، ونجم العيش إلى أفول، وظل التلبث إلى قلوص ».[5]    

   

قائمة المصادر و المراجع:

1.    أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، المكتبة العصرية، طبعة أولى سنة 2011، صيدا بيروت لبنان.

2.    أميرة حلمي مطر:فلسفة الجمال من أفلاطون إلى سارتر، القاهرة، كلية الآداب، طبعة 1974

رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر.

 

[1]  أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال من أفلاطون إلى سارتر،ص: 06 .

[2]  الآية 191 من سورة آل عمران.      

[3]  أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة. ج1. ص: 334 . 

[4]  المصدر سبق ذكره، ص: 39.

أبو حين التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ص 16. [5]





الباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب :الرؤية الجمالية عند التوحيدي وتعليلاتها الفلسفية


الباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب "حديث صمت المثقف في غربته للقلم"





القراءة محبة والكتابة عشق، يبدع الكاتب "العاشق" أشكالا قد تكون نثرا أو شعرا، نصا أو نقدا، قصة أو رواية ثم مسرحية. وفي المحبة والعشق دأبت المحاورة المنبثقة من الذات المتعاطية مع هذه الأشكال المتعددة والمتنوعة فكيف ينبغي للقارئ المحب أن يحيا مع هذه الأشكال، لتكون محاورته موافقةً للمحبة؟

القراءة مثل الغابة الجميلة، سُبلها عديدة وظلالها وفيرة توقظ الذات المحبة، المحاورة للكاتب، مكتسية فنون التعاطي وآليات التعامل مع هذه الأشكال انطلاقا من القراءة الناقدة فهي « مصطلح حديث نسبيا نشأ نتيجة الاهتمام برد فعل القارئ وتفكيره حول المعاني المكتوبة، وكيفية الحكم عليها وتقويمها...أو عملية تقويم للمادة المقروءة والحكم عليها في ضوء معايير موضوعية مما يستدعى من القارئ فهم المعاني المتضمنة في النص المقروء، وتفسير دلالاته تفسيرًا منطقيًا مرتبطًا بما يتضمنه من معارف ».[1]

هذه القراءة ترد فعل القارئ وتفكيره حول المعاني المكتوبة، وكيفية الحكم عليها وتقويمها وكشف ظلال صمت المثقف.

إذن: أنا آخذ القلم، أخربش فأنا موجود...وفي الوجود الإنساني إثبات الذات المفكرة التي تَنتَشي الحرف، تطلبه حثيثا في فعل الكتابة ما دامت إبداع للنصوص وإبداع للإشكال المتعددة. كان علي ألا أحمل القلم، رجوته لو تركني في صمت وشأني، تسلل إلي يرغمني على النطق، أنني أتساءل عن هذا المحرك المجهول والدافع القوي الذي حذا به أن يرغمني بمطاوعته فأخربش كلمات ليست كالكلمات استنطق بها الصمت لعل القلم يقف شامخا للكتابة يغازلها ويوقعها في شباك البوح والاستنطاق.

عندما أستعمل القلم تمتلكني بَردَاء و سُخُونة شديدة لكن لا مفر من الكتابة، فسيكون قلما مجنونا بالصمت الذي توارى بعيدا في الذاكرة العميقة، أو في التجربة الشخصية القوية، فلا بد لقلمي يستوجب التعريج نحو فعل الكتابة، ميكانيزم الحياة، يَنضَخُ بالرقة والإحساس كما يَنضَخُ المطر نحوك أيها الصمت.

لماذا تَنضَخُ يا قلم وتكتب!

فالتوحيدي غضب وحرق كل كتبه، أدرك يقينا لا مكانة لفكره في عصره ولا أهمية لإبداعه المتنوع المشارب من علم الكلام إلى الفلسفة، الأدب والشعر، الفقه والذوق، النقد والحجج العقلي، نظرية الجمال والنظرة الثاقبة للحياة، حتى نعته العديد من أدباء عصره بفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، لكن ما قيمة هذا النعت؟ إذا عَده ابن الجوزي من الزنادقة الثلاث الكبار، ما قيمة هذا الوصف؟

إذا كان التوحيدي عبر بنفسه عن حاله قائلا: « لقد أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، ملازماً للحيرة، محتملاً للأذى، يائساً من جميع من ترى، ونجم العيش إلى أفول، وظل التلبث إلى قلوص ».[2]

لكن غربة المثقف سرعان ما تتلاشى بالحكمة الفلسفية، ففيتاغورس اليوناني كان محبا للبشر، محبا للحكمة، لم يستسلم لغربته في عصره وهذا الشيخ الطبيب الرئيس ابن سينا تغلب عليه الحكمة بدل الضلال ويتحكم فيه العقل بدل الهوى، والرازي أبو بكر يحاول بجهد صادق، وضع العقل موضع الحاكم الأول على الأشياء جميعاً، ويورجين هابرماس فيلسوف القرن العشرين، فلسفته متحررة من التسلط والهيمنة والبيروقراطية والرأسمالية ووضع قواعد للفكر تقوم على الحوار الحر واللغة بين الأفراد وهي أسرع وسيلة للتفاهم وأسرع وسيلة لتواصل لتتجاوز الغربة الغريبة التي يعايشه المثقف في زمنه هذا. رغم غربة المثقف واستوحاشه الفكري في عصر هجران الكتابة والكتاب القراءة والمقروء ما عليك إلا أن تكتب يا قلم فإن إيميل بينفينيست ( Émile Benveniste)‏ قال: « إن الملكة الرمزية لدى الإنسان تبلغ تحققها الأعلى في اللغة التي هي التعبير الرمزي بامتياز، وكل الأنساق التواصلية الأخرى، كالسمعية، الخطية، الحركية، البصرية تشتق منه وتفترضه».

قائمة المراجع:

1. سعيد عبد الله لافى: القراءة وتنمية التفكير، عالم الكتب، طبعة أولى، 2006.

2. أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، المكتبة العصرية، طبعة أولى سنة 2011، صيدا بيروت لبنان.





[1] سعيد عبد الله لافى: القراءة وتنمية التفكير، ص:68.


أبو حين التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ص 16. [2]
الباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب "حديث صمت المثقف في غربته للقلم"




الباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب "حديث صمت المثقف في غربته للقلم"