Articles by "نقد"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل

 "دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بين مؤيد ومعارض" : ندوة تفاعلية حول تحديات وفرص دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة للأستاذة/ إيمان فتيحة 


"دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بين مؤيد ومعارض" : ندوة تفاعلية حول تحديات وفرص دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة للأستاذة/ إيمان فتيحة

 "دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بين مؤيد ومعارض" : ندوة تفاعلية حول تحديات وفرص دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة للأستاذة/ إيمان فتيحة 





"دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بين مؤيد ومعارض" : ندوة تفاعلية حول تحديات وفرص دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة للأستاذة/ إيمان فتيحة
الأستاذة / إيمان فتيحة 


كتبت / ريهام كمال الدين سليم 


مساء الأربعاء الماضي الموافق الثامن والعشرين من فبراير عام 2024 نظمت دكتورة/ زهراء غنام - استشاري الصحة النفسية ومديرة أكاديمية ZG - ندوة تحت عنوان "دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بين مؤيد ومعارض" 


ألقت المحاضرة الأستاذة/ إيمان فتيحة السيد - أخصائي الإرشاد الأسري والنفسي والتربوي ومسئولة الدمج بمدرسة "النصر للبنين الإسكندرية EBS" - حيث أدار الحوار الأستاذ الدكتور / علاء الدين متولي، وشارك في النقاش عدد كبير من أساتذة الجامعة والمتخصصين وأولياء الأمور. 


كانت الندوة فرصة قيمة لاستكشاف ومناقشة التحديات والفرص المتعلقة بدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع. كما يعكس حضور عدد كبير من أساتذة الجامعة والمتخصصين وأولياء الأمور اهتمامًا بالموضوع ورغبة في المشاركة في إيجاد حلول عملية وفعَّالة..


تبنت الندوة منهجية شاملة أتاحت لكافة المشاركين التعبير بحرية والمشاركة في النقاش، بما في ذلك ذوي الخبرة في مجال تربية أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. إذ أمكن هذا في تحقيق نتائج أكثر إيجابية.


باختصار، كانت ندوة "دمج طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بين مؤيد ومعارض" فرصة قيمة لتعزيز الوعي والتفاهم بين جميع الأطراف المعنية،  كما كانت فرصة مهمة لمناقشة قضية حساسة تثير الجدل في المجتمع حيث تهدف هذه الندوة إلى تسليط الضوء على التحديات والفرص المتعلقة بدمج هذه الفئة في المجتمع، وتشجيع الحوار البناء بين مؤيدين ومعارضين لتحقيق تقدم في هذا الصدد.


من الجوانب الإيجابية لهذه الندوة، فإنها فتحت المجال للتواصل والتبادل الفعَّال للآراء والخبرات بين مختلف الأطراف المعنية بهذه القضية. كما وفرت منصة للمؤيدين لتقديم أفكارهم وتجاربهم الناجحة في تعزيز الشمولية وتعزيز مشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع.


يجدر بنا أن نقدر جهود الأستاذة إيمان فتيحة السيد - أخصائي الإرشاد الأسري والنفسي والتربوي ومسئولة الدمج بمدرسة "النصر للبنين الإسكندرية EBS" - والتي تمتاز بروح العطاء والتفاني في خدمة هذه الفئة الهامة من المجتمع، والتي تعكس التزامها العميق بقضايا التنمية الاجتماعية والتضامن الإنساني. فإيمان فتيحة تمثل نموذجًا مشرقًا للأستاذة المبادرة والمتفانية في دعم تعليم الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة. تتميز بقدرتها على خلق بيئة تعليمية شاملة وداعمة لجميع الطلاب، حيث تستخدم الأساليب والتقنيات المناسبة لتلبية احتياجات كل فرد. وما يميز الأستاذة إيمان فتيحة أيضًا هو تفهمها العميق لاحتياجات هذه الفئة وقدرتها على التعامل معهم بلطف واحترام. فهي تتبنى نهجًا فرديًا وشخصيًا مع كل طفل، مما يساعدهم على الشعور بالثقة والراحة خلال العملية التعليمية. 

بفضل جهودها، يتمتع الطلاب ذوو الاحتياجات الخاصة بفرص متساوية للتعلم والاندماج في المدرسة. تعكس أ. إيمان فتيحة روح التفاني والإيجابية التي يحتاجها كل مجتمع تعليمي لضمان شمولية ونجاح الجميع.  

علاوة على ذلك، يجب أن نذكر الدور الكبير الذي قام به مدير مدرسة النصر للبنين السيد الفاضل الأستاذ/ أحمد الشامي، فبفضل رؤيته القيادية وتفانيه في مهمته التعليمية، تمكن الطلاب من تحقيق إمكاناتهم وتطوير مهاراتهم. 

كما نذكر دور جميع أعضاء هيئة التدريس الذين عملوا بجدية واخلاص لتقديم تعليم عالي الجودة ودعم شامل للطلاب.

 

وفي النهاية علينا أن نشيد بدور الأستاذ الدكتور/ علاء الدين متولي في إدارة الندوة حيث ساعد في ضمان سير الأمور بسلاسة وتوجيه النقاشات بطريقة بناءة ومثمرة.

كما نشيد بالرعاية التي قدمتها دكتورة/ زهراء غنام - استشاري الصحة النفسية ومديرة أكاديمية ZG -  ، لهذه الندوة، إذ تبرز أهمية دعم المبادرات المجتمعية التي تسعى لتحقيق الشمولية والتضامن الاجتماعي.



لمشاهدة الندوة 👇🏻






 (قطر تقلب الموازين وتغير خارطة القارة الصفراء)!! | بقلم الصحفي والمحلل الرياضي/ سيف الدليمي


(قطر تقلب الموازين وتغير خارطة القارة الصفراء)!! | بقلم الصحفي والمحلل الرياضي/ سيف الدليمي

(قطر تقلب الموازين وتغير خارطة القارة الصفراء)!! | بقلم الصحفي والمحلل الرياضي/ سيف الدليمي 



 


فوز المنتخب القطري بكأس آسيا عام 2023 سيعمل وعمل ثورة جديدة في وسط الفكر والعقلية الشخصية قبل الكروية لدى الاعب العربي في قارة آسيا تحديدا قطر عملت لتغيير المعادلة الكروية في القارة الصفراء وطبخت هذا على نار هادئة منذ افتتاح اكاديمية إسباير وجنت الثمار من 2019 ليومنا هذا بعد حصولها على البطولة الآسيوية في الإمارات والثانية تواليا هذا العام. ما رفع سقف كل العرب واستضافة قطر لكأس العالم 2022 وتنظيم مبهر جعل العالم ينظر لنا ك قوة على كل الاصعدة. وغرست قطر الفكر الاحترافي في اللاعب العربي بشكل مختلف عما سبق للحد الذي يساوي الياباني والكوري ويتفوق عليه على فترات لأنه ركز على البناء الشخصي أي العقلية والكاريزما من هنا انطلق النجاح فالأكاديمية تهتم بكل صغيرة وكبيرة للفرد اللاعب في الأكاديمية وأنا اتابع هذا منذ تأسيسها عام 2004 لاحظت البطولات وأساليب التدريب والكوادر العالمية من جميع أنحاء العالم البعض يعيب على قطر تجنيسها وهذا مردود ما دامت تجنس عَرَبًا مسلمين انسانيين قادرين على إعطاء للبلد والأمة ما ترجوه منهم فهذا عظيم وعدوة النجاح والتخطيط والتطور مسنا فقد حفز السعودية لان تصنع دوري قوي وتستقطب أفضل الاعبيين في العالم والإمارات ولاحظنا تطور ملحوظ للبحرين وعمان والاردن وغيرهن من منتخبات عرب آسيا وصولا بالعراق الذي تعاقد مع رابطة الدوري الإسباني لإقامة دوري محترف على مستوى عالي ودخلت اكاديميات كبيرة وكثيرة مثل أكاديمية ريال بيتيس وإسبانيول وغيرهم وعلى رأسهم ريال مدريد وإن كان متأخرا وهذه العدوة الصحية جعلت العراق يبحث عن مغتربيه في المهجر ليستعين بهم لخدمة الكرة العراقية وجعلها رقما صعبا كما كانت.  قطر عملت صدمات كهربائية لعرب آسيا خصوصا وآسيا عموما فحال لسانها يقول لم ولن نعود فريسة سهلة للخصوم وحان دورنا لنتسيد القارة الآسيوية وفعلا هذا ما حصل واظنه سيستمر في السنوات القادمة في آسيا بعد احراز قطر كأس آسيا 2019 ليس كما قبلها فاكانها تقول بلسان عربي مبين! (جأناكم بعاصفة لا تبقي ولا تذر)!! وما اتوقعه سيكون لعرب آسيا نصيب الأسد في المحال القادمة بدأتها قطر واظنها ستسير على ذات النهج على الأقل على المدى القريب كل من العراق والسعودية والاردن.. واقولها بالحرف الواحد من سيصنع مجد آسيا مستقبلا في كرة القدم سيكون عرب آسيا لكن نحتاج الاستمرارية دون تقاعس حينها سنجني الثمار لا محالة. وحان الوقت للعرب أن يقولوا كلمتهم ويصلوا للعالمية لكن نحتاج إعادة إختيار روابط المشجعين في بعض البلدان وكل من يقود الجماهير فلا نرضى بالجاهل او مندس او طائفي لا يفقه شيء في التشجيع فالرياضة إذا خرجت عن الروح الرياضية فسدت وفسد كل من فيها وأصبحت يدا للشر وليس ببعيد ما حصل من مشادات وأجواء مشحونة بين الجماهير العراقية والجماهير الادنية وأثبتت قطر لا يوجد كبير إلا بالعمل والفعل لا مكان للتاريخ فالحاضر للافضل (ولكل مجتهد نصيب)






 

قراءة في قصيدة (سفر أيوب ) للشاعر بدر شاكر السياب | بقلم دكتور / جمال فودة - عضو الاتحاد الدولي للغة العربية كاتب وناقد وأكاديمي مصري


قراءة في قصيدة (سفر أيوب ) للشاعر بدر شاكر السياب | بقلم دكتور / جمال فودة - عضو الاتحاد الدولي للغة العربية كاتب وناقد وأكاديمي مصري
قراءة في قصيدة (سفر أيوب ) للشاعر بدر شاكر السياب | بقلم دكتور / جمال فودة - عضو الاتحاد الدولي للغة العربية كاتب وناقد وأكاديمي مصري



توظيف التراث في إنتاج الدلالة

قراءة في قصيدة (سفر أيوب ) للشاعر بدر شاكر السياب

دكتور / جمال فودة

عضو الاتحاد الدولي للغة العربية

كاتب وناقد وأكاديمي مصري

يعد التراث في شتى فروعه، وبكل قيمه الفكرية والروحية نبعاً فياضاً يستقى منه الشعراء على اختلاف مشاربهم، وإن كان " بدر شاكر السياب" أحد الشعراء المعاصرين الذين نهلوا من هذا الفيض الدافق، إلا أنه تميز بقدرته على الصياغة التعبيرية التي تسم أسلوبه بسمات جمالية دلالية وفنية، تضفي على التجربة عمقاً وتأصيلاً.


   وقد تنوع استلهام التراث في شعر (السياب) ، وإن كان التراث الديني أكثر ظهوراً في شعره ، وجاء تعامل (السياب) مع التراث الديني بأشكال متعددة ؛ كاستلهام التعابير الدينية ما بين قرآنية  ونبوية ، لكن الظاهرة الاستدعائية التي نقف عندها هنا  هي استدعاء القصص القرآني؛ إذ يأتي استدعاء النص القرآني متنوعاً ما بين الاتكاء على البعد الدلالي وحده  ، أو البعد الصياغي الخالص المهم في ذلك أن الخطاب الشعري كان يمتص الخطاب القرآني في إطار من القداسة التي تكسب الخطاب الشعري نوعاً من التعالي والسمو ، وتمنحه قدرات إضافية ليمارس فاعليته في التعامل مع الواقع.


   هذا، وقد جاء توظيف القصص القرآني في شعر السياب وغرسه في البناء الشعري باعتباره أحد لبناته، وإن كان ذلك لا يحول دون المتلقي ورد الصياغة إلى مصدرها الأصلي عن طريق تداعي المعاني، وإن ظهرت هذه القصة (قصة أيوب عليه السلام)  في حلة جديدة ، فإن طاقاتها الإيحائية تعمل في أعماق اللاشعور حتى تصل إلى استثارة مخزونها النفسي / الدلالي في وعي المتلقي ، وهذا ما ظهر في قصيدة  السياب "سفر أيوب " حيث يقول :


لكَ الحـَمدُ مهما استطالَ البـــلاء

ومهمــا استبدَّ الألـم

لكَ الحمدُ إنَّ الرزايـا عطـــاء

وإنَّ المَصيبــات بعض الكـَـــرَم

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

شهور طوال وهذي الجـِـــراح

تمزّق جنبي مثل المدى

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى.

ولكنّ أيّوب إن صاح صــــــاح

لك الحمد، ان الرزايا ندى

وإنّ الجراح هدايا الحبيب

أضمٌ إلى الصدر ِ باقتــها

هداياكَ في خافقي لا تَغيــب

هاتها ... هداياكَ مقبولــةُ

أشد جراحي وأهتف

بالعائديــن

ألا فانظروا واحسدونــي

فهذى هدايا حبيبي

وإن مسّت النار حرّ الجبين

توهّمتُها قُبلة منك مجبولة من لهيب.

جميل هو السّهدُ أرعى سماك

بعينيّ حتى تغيب النجوم

ويلمس شبّاك داري سناك.

جميل هو الليل: أصداء بوم

وأبواق سيارة من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

أساطير آبائها للوليد

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم

تحجّبُ وجه السماء

وتجلوه تحت القمر

وإن صاح أيوب كان النداء

لك الحمد يا رامياً بالقدر

ويا كاتبـاً بعد ذاكَ الشفـــاء


   حيث يتجلى ـ للقراءة الأولى ـ من عنوان القصيدة أن القصة قد اتخذت في نفس الشاعر مساراً نفسياً خاصاً، وتحددت أمامه ببعد شعوري يرتبط بأزمته الراهنة.

      ومن ثمَّ كان تعامل الشاعر مع قصة سيدنا أيوب عليه السلام بهدف إبراز المفارقة التصويرية التي تكشف ملامحها أبعاد رؤيته الشعرية، الأمر الذي يثري ظاهرة التناص من خلال اتساع المدى التأثيري بتدخل أكثر من مرجع في إنتاج دلالة النص الشعري، حيث تتشابه الرؤى والمواقف التي تمتد في نسيج التجربة، وتتداخل مع اقتباساته لتلتحم ببنية الدلالة الكلية، فتفجر طاقاتها الإيحائية والنفسية، وتشد النص إلى دائرتها وتحركه في إطارها. 

لقد لجأ الشاعر في المقطع الأول إلى تجسيد المجرد، (فالألم عطاء)، و(الرزايا ندى)، و(الجرح هدايا الحبيب)، إن التشبيه البليغ هنا يعكس حالة من الرضا الذي يبديه الحبيب عما يفعل محبوبه، وثمة لمحة صوفية يعنيها (السياب) (فالحبيب رمز للذات الإلهية).

ويتجاوز السياب مرحلة (الرضا) إلى مرحلة (الشكر): 

لكَ الحـَمدُ مهما استطالَ البـــلاء 

لكَ الحمدُ إن ٌ الرزايـا عطـــاء 

لك الحمد، ان الرزايا ندى 

 لك الحمد يا رامياً بالقدر

والملاحظ اعتماد (السياب) على ظاهرة التكرار، واستخدامه كبنية أسلوبية تلعب دوراً بارزاً في كشف إبداعية النص الشعري، إذ يصور تموجات الحالة النفسية التي تعتري المبدع، ويهدف بصورة عامة إلى الإبانة عن دلالات داخلية فيما يشبه البث الإيحائي، إذ ينزع إلى إبراز إيقاع درامي سيكولوجي. 

واللفظ المكرر (لك الحمد) يمثل بؤرة أو نقطة ساطعة في جسم القصيدة تجذب نحوها الوسائل الفنية الأخرى لتتحد كلها وتسهم في كشف وإزالة الأغلفة التي تحمل في طياتها المعنى الحقيقي، فضلاً عن دوره في إثراء موسيقية النص من خلال الإيحاء بسيطرة العنصر المكرر وإلحاحه على فكر الشاعر وشعوره.


   إن إيقاعية التكرار تمثل عوداً نفسياً للمغزى الدلالي اعتماداً على التجانس النفسي في التطابق الصوتي، وبه يصبح تشكيلاً نامياً ذا دلالات خاصة من خلال التشابهات الصوتية للوحدات الإيقاعية.

 ومن خلال عملية انتخاب واعية لوحدة خطابية بعينها، تقيم مسافة فارقة بينها وبين مجمل الخطاب، وتقارب في الوقت نفسه بينها وبين السياق الذي ترد فيه يأتي استخدام الاستفهام؛ إذ يرى (السياب) في كل ما حوله من مظاهر مريرة لواقع غريب مواضع استفهام وتساؤل، ينبض بهما وجدانه فينعكسان على لغته وأسلوبه، والشاعر يعمد في كل هذا إلى توظيف السؤال في خلق المفارقة، وفي توليد المعاني التي تتفجر بها تجربته. 

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟


   إن الاستفهام أداة لتحويل الرؤيا من وجود " بالقوة " إلى وجود " بالفعل " ليس كمتحقق ولكن كوجود نصي شعري تتضايف فيه جميع العناصر في سباق يمنحها انسجامها على المستوى العميق، فالشاعر يوظف الاستفهام لأداء معنى غير قابل للتأطير تحت تحديدات بعينها، بل ربما كان غير قابل للتحديد إطلاقاً محتمياً بما يفتتحه تشكيله اللغوي من دوائر إيحائية رحبة.

      يستخدم الشاعر الاستفهام لإثراء تجربته وتجديد حيويتها وإكسابها دلالات نفسية تجعل قضاياه أكثر إعمالاً في نفس المتلقي مما لو ألقيت هذه المعاني خالية من أسلوب الاستفهام، إذ يزداد اقتناعه وتأثره بها لأنه شارك المبدع في تجربته ليصل بنفسه إلى مضمونها، ويستنبط الجواب دون أن يُملى عليه، واعياً أبعاده الدلالية والنفسية، ليصل إلى حقيقة مؤداها (الرضا بالقضاء والقدر في حالة العسر واليسر).

وكم كان " السياب " واعياً لفاعلية الاستفهام في تجسيم هذا المونولوج الداخلي:

هداياكَ في خافقي لا تَغيــب

هاتها ... هداياكَ مقبولــةُ

أشد جراحي وأهتف

بالعائديــن

ألا فانظروا واحسدونــي

فهذى هدايا حبيبي


   إن ( السياب) بهذا الفعل يدل على عمق يقينه وإيمانه بالله، وأنّ المصاب مهما كان عظيماً فهو هدية من الحبيب، فالشاعر يؤكد حبّه لربه، ويرى أنّ الابتلاء كلما اشتد، دّل على عِظم  محبة الله عز وجل لعبده، فأشد الناس بلاءً الأنبياء فالأمثل فالأمثل ، فهو راضٍ صابر محتسب، وقد جاء استعمال حرف التنبيه (ألا) ليلفت انتباه القارئ، ويطالب الآخرين بأن يحسدوه على ما يعانيه من أمراض وأوجاع، فهي عطايا وهدايا تميزه عن غيره فهو يرى أنها علامة قرب من الله .

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى.

جميل هو السّهدُ أرعى سماك

بعينيّ حتى تغيب النجوم

ويلمس شبّاك داري سناك.

جميل هو الليل: أصداء بوم

وأبواق سيارة من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

أساطير آبائها للوليد

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم

تحجّبُ وجه السماء

وتجلوه تحت القمر


يرتبط الليل في العمل الشعري بدلالة النص حيث يبلور الشاعر من خلاله لحظة خاصة تضرب بجذورها في أعماقه، ومن ثم يكتسب مغزاه من خلال ارتباطه بالخبرة الإنسانية، أي بصفته معنى داخلياً وصيغة للتأمل، وتأتي صورة الليل في شعر (السياب) حاملة دلالات اليأس، والهم، والحزن، والأسى، والقهر، والظلم، والظلمة التي ترتبط بغياب النور / الأمل الذي يبدد عتمة الروح.


   وها هو الشاعر في غياهب الألم تسري روحه في أبعاد الفضاء باحثة عن الأمل الذي يخلصه من أسر أوجاعه، لكن هيهات فالليل / الألم مدركه وإن خال عنه المنتأى واسعاً!

يلجأ الشاعر في هذه الصورة إلى التشخيص إيماناً منه أن جميع مظاهر الكون الحسية والمعنوية إنما تجمع بينها الوحدة العميقة والعلاقات الوثيقة، والأشياء التي حولنا لها حياة خفية وكيان يشبه كياننا!

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى.

جميل هو السّهدُ أرعى سماك

بعينيّ حتى تغيب النجوم

ويلمس شبّاك داري سناك.

جميل هو الليل: أصداء بوم

وأبواق سيارة من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

أساطير آبائها للوليد

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم

تحجّبُ وجه السماء

وتجلوه تحت القمر


    فالشاعر جعل الليل رمزاً للمعاناة ، وفي هذا الصمت الرهيب لا يمر الليل بل يمتد ويمتد، ويقذف الشاعر بوابل من الطلقات المتتابعة من الهموم والأحزان التي تنثال عبر المشاهد المؤلمة، إذ يصف لنا آلامه وعلاقته بالليل، فهو في الليل دائم السهر، وكأنّه نابغي يرعى النجوم ، وإسناد الفعل (تغيب) لغير فاعله ـ فالشمس هي التي تغيب لا النجوم ـ يعكس الأزمة الشديدة التي يعيشها، والتي يحاول أن يتعايش معها ؛إذ يصف الأرق والليل بالجمال ، في محاولة منه لتخفيف وطأة آلامه وإن كان الأمر عكس ذلك ؛فكأن الشاعر وصل به الحال إلى ائتلاف الأضداد ؛ لدرجة إعجابه بصوت أبواق السيارات، وأصداء البوم، وآهات المرضى، مما يعني أنه اعتاد هذه الأصوات التي تلازمه ليل نهار.


   وتزداد الصورة الرمزية هنا ثراءً وإيحاءً لاعتماد الشاعر في بنائها على الروابط النفسية والشعورية العميقة، ففي الصورة التشبيهية (غابات ليل السهاد) يرتبط الطرفان برابط نفسي عميق، فكلاهما مؤلم؛ الليل بهمومه وأحزانه التي تخترق القلب، والسهاد بهواجسه التي تبدد الروح وترهق الجسد. 

إن استلهام الشاعر للأعلام يأتي كأصوات إضافية تحمل إسقاطات دلالية على الواقع المعيش، حيث يلتحم سياق الماضي بالحاضر ليوحي بأبعاد المفارقة.

وهكذا تكتسب تجربة الشاعرـ باستدعاء هذه الشخصيات التراثية ـ غنى وأصالة وشمولاً في الوقت ذاته، فهي تغنى بانفتاحها على هذه الينابيع الدائمة التدفق بإمكانات الإيحاء ووسائل التأثير، وتكتسب أصالة وعراقة باكتسابها هذا البعد التراثي الديني، وأخيراً تكتسب شمولاً وكلية بتحررها من إطار الجزئية والآنية إلى الاندماج في الكلي والمطلق. 


   ومن ثم، فإنه على قدر وعى الشاعر بملابسات الواقع الذي يعايشه، وإدراكه لأبعاد العلاقات بين أفراده، يتضح موقفه الفكري إزاء، وتتحدد رؤيته له، ويتجسد تعبيره عنه.

والمتابع لشعر (السياب) يدرك أن أظهر خواصه أنه خطاب مفتوح مهيأ لاستقبال أصوات إضافية تجعل من وعيه الفردي وعياً متعدداً، وتجعل من صوته المفرد أصواتاً متعددة، حيث يمثل الاستدعاء ـ على كافة مستوياته ـ ركيزة أساسية في إنتاج المعنى في شعره.




قراءة في كتاب: تجليات حرف : لأحمد طه حاجو | بقلم الباحث علاء لازم العيسى


قراءة في كتاب: تجليات حرف : لأحمد طه حاجو | بقلم الباحث علاء لازم العيسى
قراءة في كتاب: تجليات حرف : لأحمد طه حاجو | بقلم الباحث علاء لازم العيسى



( 1 )

    ورد في معاجم اللغة أنّ تجلّيات ، جمعُ تجلِّ ، تعني الكشف والانكشاف والظّهور ، وتعني التّزيين أيضًا ، فيقولون جلا العرُوسَ : زيّنها فهي مَجْلوّة . والظّاهر أنّ الكاتب والناقد أحمد طه حاجو استحضر كلّ هذه المعاني عندما وسَمَ إصداره الجديد بـ (( تجلّيات حرفٍ )) ، والّذي توقّف فيه ، وعلى مدى 136 صفحة ، عند مجموعة من الاصدارات الأدبيّة المتنوّعة ( 11 رواية  و6 مجاميع قصصيّة و4 مجموعات شعريّة ) مستكشفًا ما تطرح من دلالات وإشارات وربّما إيماءات وومضات ، من خلال قراءات واعية وصفها بالتحليليّة ، ممّا أعطى كتابه طاقة إيحائيّة منذ العتبة الأولى . كما أنّه أفرد أربع صفحات لقراءة كتاب ليس من الرواية أو القصص أو الشعر عنوانه    ( ديمقراطيّة بكعب عالٍ ) للمخرج كاظم نصّار ، وهو عبارة عن مقالات نقديّة للواقع العراقيّ بعد سنة ( 2003 ) نشرها كاتبها إلكترونيًّا ثمّ قام بجمعها وأصدرها مجتمعةً في هذا الكتاب .   

( 2 )

   تعامل الكاتب في مقالاتِه مع النّماذج الأدبيّة المختارة ، والّتي سبق أن نشر معظمها في صحف ومجلات عراقيّة وعربيّة متنوّعة وفي تواريخ مختلفة ، كلّ بحسب خصوصيّته ونوعه الأدبيّ ، وبصورة مباشرة بدون مقدّمة شارحة للمنهج النقدي الّذي سيتبنّاه ويتّبعه في قراءاته ، مكتفيًا بتوصيفه الشّخصيّ للعنوان الثانوي للكتاب (( قراءات تحليليّة )) الّذي زيّن به واجهة كتابِهِ المذكور . محاولًا توظيف كلّ الخبرات الفنيّة والإمكانات الأدبيّة والمعرفيّة الّتي يمتلكها ، لسبر أغوار تلك النّصوص ، والوصول إلى جواهر مقاصدها ، ملتزمًا بأسلوب جميلٍ ومهذّبٍ وراقٍ ، وبحياديّة تامّة ، في تقييم جودة العمل الأدبيّ .   


( 3 ) 

   ابتدأ أحمد طه حاجو مقالاته النقديّة أوّلًا بالفن الرّوائيّ لروائيين وروائيّات عراقيين وعرب ، غطّت ( 62 ) صفحة بالتمام والكمال ، ابتدأ فيها انطباعيًّا توضيحيًّا وانتهى تحليليًّا تأويليًّا ، فقام أوّلًا بتسليط الضوء على كلّ عملٍ من الأعمال المذكورة وذلك بعرض وذكر تفاصيله ، ثمّ التأويل ومناقشة أفكاره ، دون أن يسقط في فخ الأغراض الشخصيّة ، أو الأسباب الخارجة عن طبيعة النصّ وفضاءاته . ولإيمان الكاتب بضرورة التغيير الاجتماعيّ والسياسيّ عن طريق الإرادة الحرّة الواعية ، ولقناعته بدور الأدب في التغيير ، فقد اختار نصوصًا تتقارب في مضامينها والحياة العامّة وتتصارع مع مشاكلٍ نفسيّة واجتماعيّة ، كظلم المرأة واضطهادها والخيانات الزّوجيّة ( ص11، 27 ، 42 ، 57 ، 69 ) ، والحروب الظّالمة ( ص51 ) ، والدّجل والشعوذة ( ص16 ) ، وكانت لروايات الوجع العراقيّة حصّة الأسد في هذه الاختيارات ( ص 35 ، 51 ، 63 ) .   

( 4 ) 

   وبحكم تخصّص المؤلّف الأكاديميّ بالإخراج المسرحيّ ، ولقناعته بإمكان تغذّي المسرح والرواية أحدهما على الآخر ، وبفضل اطّلاعِهِ على عدد من الكتب والمباحث النفسيّة ، أقام علاقات خاصّة مع النصوص الروائيّة ، مادة البحث ، منقّبًا عن ينابيعها المخبوءة . كقولِهِ مشيرًا إلى رواية من هذه الروايات : (( هذه الرواية ذكّرتني بمسرحية ( حياتنا السعيدة ) لبيكيت حيث الرمزيّة والعمق ))( ص12 ) ، وفي قراءة لأخرى قال موصّفًا أسلوب الرواية بأنّه : (( كان تحليليًّا أكثر من أن يكون سرديًّا أي قريب من أسلوب الكاتب المسرحيّ النرويجيّ هنريك ابسن والّذي عرف أسلوبه بالتّحليل المعمّق للأشياء ))( ص16 ) . أمّا عالم النفس فرويد فكان له حضورًا في قول الناقد مشيرًا إلى رواية من الروايات : (( إنّ الرّواية تناولت الفعل الإنسانيّ من الناحية السايكولوجيّة في تحليل رغبات الفتاة صفاء ، وبحسب فرويد إذ أنّه يرى أنّ الإنسان عبارة عن رغبة جنسيّة وهي الّتي تحرّكه في الحياة ))( ص70 ) .  



( 5 ) 

   وكما كان القاسم المشترك بين الروايات ـــ محلّ الدّراسة السّابقة ـــ قضايا الواقع العراقيّ وهموم الذّات العربيّة ، والاهتمام بالإنسان وعلاقته بالمجتمع والسّياسة ، والسّعي من أجل تعرية الواقع وكشف تناقضاته . كانت المجموعات القصصيّة الستّة المنتخبة للعرض والنقد تحمل نفس الهموم ، ابتداءً بمجموعة الدّكتورة رغد السهيل ( كُلُلوش ) ، الّتي كانت من وجهة نظر الكاتب (( صرخة تحريضيّة موجّهة للقارئ كي ينتفض على الدّمامة الّتي ألمّت بالواقع العراقيّ ))( ص74 ) ، علمًا أنّ هذا التوقّف هو التّوقّف الثّالث من قبل المؤلّف عند منجز الكاتبة السّهيل لأسباب لم يُفصح عنها ؟!. والّذي لمسته أنّ لمفردة ( تحريض ) حضور في أكثر من مقالة من مقالات الكتاب ، فهناك التّحريض ( ص71 ) ، والتحريض الإيجابيّ ( ص88 ) ، وعنصر التّحريض ( ص90 ) والتّحريض المضمر ( ص108 ) .    

( 6 ) 

   وللشعر والمجموعات الشّعريّة مكان ومكانة في (( تجلّيات حرف )) ، فكانت مجموعة ( غرقى ويقتلنا الظّمأ ) بأسلوبها السهل الممتنع ، وثيمة الشّجن والألم والأمنيات والتّسالات ، واستخدام طريقة بريخت الدّراميّة في التعامل مع المتلقّي ، وكم كنت اتمنّى لو زيّن الأستاذ الكاتب مقالته ببعض الشواهد الشعريّة الدّاعمة لرأيه فيما يتعلّق باستخدام الشاعر عبدالسّادة البصريّ لطريقة بريخت الدّراميّة في التّعامل مع المتلقّي ( ص111 ) . 

    وبعد الغرقى تأتي مجموعة الشّاعرة أسماء الرّوميّ ( معبد الذاكرة ) الّتي توحّدت ثيمتها بوحدة موضوعيّة وهي الذكرى والحنين والإخلاص لأحاسيس نتمنّاها ، وكانت رسالة تنويريّة لقلوب العاشقين كي يحبّوا بعضهم بعمق وصدق . و  ( بقايا إنسان ) الّتي عدّها الناقد ثورة شنّتها الشّاعرة المغربيّة كريمة دلياس ضد الطّغاة والحروب والجوع والحرمان والعوز . أمّا مسك الختام فكان الحُبّ والشّاعر حبيب السّامر ومجموعته ( على قيد الحُبّ ) ، ذلك العنوان الّذي يُدلّل على حالة حُبّ وقصائد حُبّ واستمراريّة في الحبّ ، كما عبّر عنه الكاتب ( ص121 ) .   


( 7 ) 

   وبعد قراءتي لكتاب ( تجلّيات حرف ) أقول : أن الناقد أحمد طه حاجو ، تعامل في تجربته النّقديّة في هذا الكتاب ، الّتي جمعت بين أكثر من جنس ونوع أدبيّ ، مع مفهوم النّقد ووظيفته باحترافيّة وجرأة بعيدًا عن المجاملة والتّزلّف والتّكسّب ، والدّليل على ذلك تعليقه بوضوح على بعض الضعف الّذي رافق بعض الأعمال ، كإشارته إلى أسلوب  أحد الروائيين في توظيف الصّدفة إذ قال : (( ففي الصدفة الثالثة أجد بأنّها مفتعلة ، فكثرة الصدف قد تحتسب من باب الاستسهال ))( ص25 )، وقوله أيضًا مشيرًا إلى واحدة من المجاميع القصصيّة الّتي ضمّها كتابه : (( إنّ هذه المجموعة احتوت على 125 قصّة قصيرة جدًّا قد روعيت بها عناصر القصّة القصيرة جدًّا من خلال البلاغة والفلسفة والاختزال واحتواء خاتمتها على الصّدمة لكنّ هناك ما يقارب 13 قصّة من المجموعة قد افتقرت إلى هذه المقوّمات حيث أنّها اتّسمت بالمباشرة وضعف الخاتمة ))( ص96 ) . 

    أخيرًا ، أبارك للكاتب تجلّياته ، وأشدّ على يديه ، وانتظر المزيد من عطاءاتِهِ وإبداعاتِهِ ، وأذكّر القارئ بما كتبه الأستاذ الناقد جميل الشبيبيّ عن الكتاب والكاتب : (( إنّ هذا الكتاب ثمرة جهد وتعب دون مقابل ، لكنه تواصل مع كتّاب لا تربط العديد منهم أيّة رابطة مع الكاتب سوى رابطة حُبّ الأدب ، والإخلاص لصوتِهِ المهموس ، ولذا ينبغي الإنصات له ، وعدّه ثمرة من ثمرات الرابطة الإنسانيّة )).  

  × تجلّيات حرف قراءات تحليليّة في روايات ومجاميع قصصيّة وشعريّة ، أحمد طه حاجو ، ط1 ، دار أمل الجديدة ، دمشق ، 2022 .




 

ذة. أمنة برواضي في حوار "مع الناقد" (أسئلة الباحث العربي) الجزء الثاني الحلقة 19 مع الدكتور محمد أحمد أنقار.


ذة. أمنة برواضي في حوار "مع الناقد" (أسئلة الباحث العربي) الجزء الثاني الحلقة 19 مع الدكتور محمد أحمد أنقار.
ذة. أمنة برواضي في حوار "مع الناقد" (أسئلة الباحث العربي) الجزء الثاني الحلقة 19 مع الدكتور محمد أحمد أنقار.


أولا أرحب بكم دكتور ، وأشكركم على التفضل بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي.


 ليكن أول سؤال:

1 - من هو محمد أحمد أنقار؟


جواب:

- مرحبا بالأستاذة المبدعة أمينة برواضي، وأشكرك جزيل الشكر على هذا الحوار، وأرجو لك مزيدا من التوفيق والسداد في مسيرك الإبداعي والثقافي.

حقيقة من طبعي أني لا أحبذ الحديث عن نفسي؛ لكن لكل مقام مقال، كما يقال.

محمد أحمد أنقار، أستاذ باحث، من مواليد مدينة تطوان، في حارة "باريو مالقة" الشهيرة في الضاحية الغربية للمدينة. نشأت في أسرة تهوى القراءة والأدب والثقافة إلى درجة الهوس؛ فوالدي، بارك الله في عمره، كان أستاذا للغة العربية، شغوفا بالقراءة ومحبا للعلم، زرع في نفوسنا ذلك الشغف وتلك المحبة، فتفتحت عيناي على مكتبته التي كانت ولا تزال تضم أصنافا من الكتب والمجلات، فأغتنم الفرص وأتحيّنها لقراءة كتاب أو الاطلاع على مجلة؛ فمن الكتب: روايات المنفلوطي وطه حسين ونجيب محفوظ وجبران خليل جبران، وقصص مصطفى يعلى.

 ومن المجلات: مجلة "العربي" الكويتية.

 أما والدتي، حفظها الله، كانت لي خير معين في مراحل دراستي الابتدائية والإعدادية بفضل تكوينها الأدبي، فكثيرا ما كنت أستعين بمعارفها وببلاغة أسلوبها من أجل كتابة موضوع إنشائي الذي يكلفنا به أستاذ اللغة العربية.

 أما عمي الأديب محمد أنقار، رحمه الله، فمنه اكتسبت أدبا، وعلى يديه تعلمت أصول قراءة النصوص واكتناه أسرارها وأصول الكتابة النقدية الرصينة.

تابعت دراستي بمراحلها؛ الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية بتطوان. حصلت على دبلوم الدراسات العليا المعمقة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، وحدة التكوين والبحث: الأدب المغربي على عهد الدولة العلوية؛ دراسة في المكونات والأصناف، وأنجزت بحثا عن القصة القصيرة سنة 2005م بإشراف من أستاذي الدكتور محمد مفتاح رحمه الله. ثم نلت الدكتوراه من الكلية نفسها، وحدة الخطاب الصوفي في الأدب العربي الحديث والمعاصر سنة 2011م، ببحث جامعي عن المنامات الصوفية بإشراف من أستاذي الدكتور عبد الله المرابط الترغي رحمه الله. أصدرت كتابين: "بلاغة التصوير في قصص مصطفى يعلى" سنة 2016م، وكتاب: "المنامات الصوفية. التجنيس والتصوير" سنة 2020م. بالإضافة إلى كتب جماعية مشاركة وتنسيقا؛ منها: "مرائي الشيخ محمد المعطي الشرقاوي. التجنيس والبلاغة". ضمن الكتاب الجماعي: في تحقيق النص التراثي، منشورات المركز المغربي للبحث العلمي وتحقيق التراث ومكتبة سلمى الثقافية، تطوان، 2017م. "نحو بلاغة القيم في قصة "حلم أرجوحة". ضمن الكتاب الجماعي: إشكالات تنزيل القيم في المدرسة المغربية، المركز الدولي للأبحاث والدراسات العربية، الدار البيضاء، 2018م. "منامات الوهراني بين التجنيس والتلقي". ضمن الكتاب الجماعي: النص وحدود التأويل. أعمال الندوة الدولية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/مكناس. عالم الكتب الحديث، الأردن، الطبعة الأولى 2019م. "الأحلام في الثقافة العربية: من التعبير إلى تحليل الخطاب". ضمن الكتاب الجماعي: اللسانيات ومناهج النقد الأدبي، عالم الكتب الحديث، الأردن، الطبعة الأولى 2020م. "يا مسافر وحدك" لمحمد أنقار أو في تأويل التيه. ضمن الكتاب الجماعي: محمد أنقار، مؤوِّلا ومؤوَّلا. مختبر التأويليات، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي، ومنشورات باب الحكمة، تطوان، الطبعة الأولى 2020م. "بلاغة المحكي الذاتي". ضمن الكتاب الجماعي: الآفاق التحليلية لقراءة الخطاب. دراسات تطبيقية. المركز المتوسطي للدراسات والأبحاث، الناظور، الطبعة الأولى، 2020م. "السرد والبلاغة في المنامات الصوفية". ضمن الكتاب الجماعي: بلاغة الخطاب الصوفي، مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، مراكش، الطبعة الأولى 2021م. "دراسات في تحليل الخطاب". إعداد وتنسيق وتقديم، منشورات أبعاد، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2021م.

 "مصطفى يعلى أديب ليس أيقونة"، تقديم وتنسيق، منشورات سليكي أخوين، طنجة، 2023م.

كما نشرت دراسات نقدية في مجلات محكمة: مجلة "فصول" ومجلة الفنون الشعبية" المصريتان، ومجلة "مدارات في اللغة والأدب" ومجلة "فصل الخطاب" الجزائريتان. ومجلة أفكار وفكر العربية المغربيتان. وشاركت في ندوات داخل المغرب وخارجه: في كلية الآداب ابن مسيك بالدار البيضاء، وفي كلية الآداب بتطوان، وفي المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمكناس، وفي كلية الآداب والفنون والإنسانيات بتونس، وفي كلية الآداب جامعة المنصورة بمصر، وغيرها من الملتقيات في مدن مغربية أخرى. كما أني عضو في المركز المغربي للبحث العلمي وتحقيق التراث، وكاتب عام للمركز الدولي للأبحاث والدراسات العربية بالدار البيضاء، وعضو هيئة تحرير مجلة فكر العربية، وعضو الهيئة الاستشارية لمجلة الصقيلة في النقد والإبداع، وعضو مؤسس لرابطة أديبات وأدباء شمال المغرب بتطوان.


سؤال:

2 - في ظل تزايد عدد الإصدارات الأدبية، كيف ترى مستقبل النقد في الوطن العربي؟


جواب:

- حقيقة لا يمكن إنكارها هي أن عدد الدراسات النقدية تضاعف عشرات المرات، وأن النشر أضحى أكثر يسرا مما كان عليه سابقا، بالإضافة إلى أن الكتاب يصل إلى مختلف ربوع الوطن العربي مشرقه ومغربه عبر معارض دولية تحتفي بالكتاب والنشر والثقافة بشكل عام طوال السنة. كل هذه الأمور حسنة ومحمودة. بيد أنه لا بد، بداية، أن نفصل بين نوعين من الدراسات النقدية: أولهما تلك الدراسات التي تراهن على الجدة وتحاول أن تجيب عن مختلف الأسئلة التي تشغل بال الإنسان المعاصر في ظل تزايد الأزمات واستفحالها. بمعنى أن النقد ينبغي ألا يكون مفصولا أو معزولا عن حياة الإنسان، بل هو جزء لا يتجزأ من الوجود الإنساني وكينونته ومصيره. نحن اليوم نعيش حقبة زمنية تشهد انهيار عالم قديم بقيمه وحضارته وتمثلاته وأفكاره، في مقابل ذلك نشهد أيضا نشوء عالم جديد، ربما تشكلت بعض معالمه بعد الأزمة الصحية العالمية منذ 2020م، وما تلاها من حروب وصراعات وأزمات. فقضايا كثيرة تشغل الإنسان من قبيل: الحرب والسلم والكراهية والحب والعنف والتسامح ورفض الآخر أو القبول به وغيرها من الظواهر الاجتماعية والسياسية والفكرية، على الناقد أن يكشف عنها بطريقة أو بأخرى، لكن برؤية نقدية فاحصة للأعمال الأدبية، وبمنهجية دقيقة علمية وأكاديمية، يتم فيها مراعاة أصول الكتابة النقدية. صحيح أن هذا النوع من النقد هو موجه بالأساس إلى نخبة القراء من المتخصصين والأكاديميين، إلا أن النقاد مطالبون بتطوير آليات انفتاحهم على القارئ، وهذا أمر ليس هينا. أما النوع الثاني من الدراسات النقدية والتي تغزو الساحة الثقافية، يمكن وصفه بدراسات كتبت على عجل، تنساق وراء أغراض غير علمية. وللأسف، نجد بعض دور النشر تفتح أبوابها فتنشر الكتب دون فحص أو تحكيم أو مراجعة، ودون مراعاة الشروط العلمية للكتابة، وهي دور نشر تسعى إلى تحقيق الأرباح المادية، لا تكترث إلى ما هو علمي. وقد وصفتُ هذا النوع من النقد بالتسرع لأن أصحابه من الشباب يرغبون في حرق المراحل وتحقيق الشهرة والانتشار والرهان على البريق الإعلامي دون روية أو تريث، ودون الاستناد إلى ثوابت النقد العلمي الدقيق. ومن المؤكد أن النوع الثاني لا مستقبل له، هو شبيه بالفقاعات أو زبد البحر سرعان ما ينسى ويطويه الزمن، أما ما يبقى هو الذي ينفع الناس. هنا، أستحضر شهادة قالها المرحوم د. محمد أنقار في حق صديق عمره د. مصطفى يعلى إبان تكريمه سنة 2010 بالقنيطرة بأنه ليس أيقونة. يقول: "يعلى ليس من صنف أولئك المثقفين الذين تكاثروا في زمننا كالفقاعات، وغدا الناس يمتدحونهم كما لو كانوا أيقونات تعبد. أولئك الذين يلهثون وراء الشهرة والمصالح المادية والبريق الكاذب". ويضيف الراحل د. أنقار: "عرفتُ يعلى كاتبا للقصة القصيرة بامتياز مثلما عرفته رجلا يرفض الشهرة والظهور المجاني بمناسبة أو من دون مناسبة. ولعل هذه واحدة من أبرز سماته في ممارساته الثقافية والإبداعية. هو رجل يعشق الجلسة الفريدة من أجل القراءة والتأمل. يزورُّ عن التجمعات والتظاهرات الكثيفة، ولا يجد ذاته في المديح الزائف والإطراء الكاذب. كأنه وطد نفسه منذ البدء على أداء الرسالة في صمت بعيدا عن الأضواء. وكم ناجيت نفسي قائلا إن مصطفى يعلى ليس أيقونة تعبد في حقل الثقافة المغربية المعاصرة. بل رجل الصراحة والمثابرة والعمل في الظل". فأن يجمع الناقد أو الأديب بين سمو الأخلاق وسعة العلم في زمننا، هذا لعمري هو الذي يضمن الاستمرارية والبقاء.


سؤال:

3 - ما المواصفات التي يجب أن تتوفر في العمل الإبداعي ليجد صداه عند النقاد؟ وكيف يكون الناقد حياديا في تعامله مع العمل الإبداعي؟


جواب:

- نعلم أن النص الجيد الخاضع لشروط الكتابة الأصيلة هو الذي يؤثر في المتلقي أو يحدث أثرا في القارئ، وأن الكاتب حينما يكتب إنما يوجه خطابه إلى قارئ ما من المفترض أن يتواصل مع ما يقرأ. ولتحقيق تواصل فعال يبحث القارئ في الكتاب عن ذاته وكينونته وانشغالاته، أي القواسم الإنسانية الكونية المشتركة. وهنا، لا بد أن يتوفر في النص المنشود، إلى جانب حبكته في المبنى والمعنى، شرط الصدق، ليس بمعناه الأخلاقي المحض بل بمعنى قدرة الأديب على نقل تجربته الإنسانية وتصويرها إبداعيا. لهذا، فالناقد يبحث باستمرار، بل وينقب، عن النصوص الإبداعية الحقيقية والأصيلة والخالدة عبر التاريخ، ومثل هاته النصوص أسئلتها دائمة ومتجددة، كل قارئ قد يجد ذاته فيها. وخير مثال عن ذلك حكايات ألف ليلة وليلة، فهذا الإبداع التراثي والكوني والساحر لا يزال يلهم المبدعين والأدباء والفنانين والموسيقيين؛ فنجد صدى الليالي في الرواية والمسرح والسينما وغيرها من أنماط الإبداع الإنساني العالمي الحديث. إذن، فالنص الخالد هو المبتدأ والمنتهى، لكن ليس بالمنظور البنيوي الضيق أو بمقولاته التي حصرت النصوص في بنيتها الداخلية، وبالتالي قيدت النص وجردته مما هو إنساني، بل المقصود تلك النصوص الإبداعية التي من خلالها ينسج الناقد معها علاقة حوار وتفاهم لكن بوعي جمالي وثقافي يستمد من الحياة نفسها. بتعبير آخر، إن الناقد الذي يجعل النصوص في خدمة المناهج إنما يقوم بعملية وأد مسبق لها، إذ يخضعها لقوالب سالفة وجاهزة، فنجد تكرارا لمقولات نقدية بعينها رغم اختلاف النصوص، كما أن النتائج المستخلصة تكاد تكون محسوما في أمرها. لهذا، فالناقد الموضوعي هو الذي يتعامل مع النص كأنه ذات إنسانية ينبض بالحياة وله بالغ الأثر في النفس، وأن القارئ، لا محالة، سيتأثر ويتفاعل. هنا، يمكن الحديث عن دينامية النصوص الإبداعية التي لا تموت، بل تقرأ في كل وقت وحين. فالكاتب المبدع هو القادر على تضليل القارئ بل والاستحواذ عليه والتحليق به في سموات التخييل التي لا حدود لها. أبدع فيودور دوستويفسكي رواياته في القرن التاسع عشر؛ الجريمة والعقاب والإخوة كرامازوف والشياطين والأبله وغيرها، فأضحت من روائع الإبداع الإنساني الخالد. فما السر في ذلك يا ترى؟ مما لا شك فيه، أن الأمر يتعلق بقدرة هذا المبدع الروسي في استكناه النفس البشرية والكشف عن أمراضها وعللها دون مواربة سوى مواربة التخييل الفني. والأمر نفسه نلفيه عند ليو تولستوي وأنطوان تشيخوف وفرانز كافكا وإرنيست هيمنغواي وغارسيا ماركيز وباولو كويلهو ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف والطيب صالح وغيرهم. 


سؤال:

4 - دكتور أدرج كتابكم "المنامات الصوفية. التجنيس والتصوير. دراسة وتحقيق كتاب "المرائي" للشيخ محمد المعطي الشرقاوي" ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب الدورة الثامنة عشرة (2023/2024) فرع تحقيق المخطوطات. في البداية، نهنئكم، ونرجو لكم التوفيق. فلأول مرة منذ إحداث جائزة الشيخ زايد للكتاب أضيف فرع جديد خاص بتحقيق المخطوطات. فما أهمية تحقيق المخطوطات في عصر الذكاء الصناعي؟


جواب:

- شكرا لك على التهنئة. حقيقة، أنا سعيد جدا كون كتابي "دراسة وتحقيق مرائي الشيخ محمد المعطي الشرقاوي" وصل إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وسعيد أيضا أن حقلا معرفيا حظي أخيرا بالاهتمام وخُصصت له جائزة قيمة هو حقل تحقيق المخطوطات. يعرف علم تحقيق المخطوطات بالكوديكولوجيا، من خلاله يتم دراسة الكتب المخطوطة يدويا والمكتوبة على الرق والجلد أو الورق. ودراسة المخطوطات ينظر إليها من شقين شق مادي يهتم بصناعة الكتاب المخطوط من حيث حجمه ونوع حبره وطريقة تجليده وطبيعة الورق أو الجلد وغيرها من المعطيات المرتبطة بالشكل الخارجي للمخطوط. أما الشق الثاني فينصب أساسا على المحتوى والمضمون مع ما يقتضي من تخريج المتن وضبطه بالشكل التام ومقارنته بالنسخ الأخرى، وما يتطلب من جهود علمية تتمثل في البحث والاستقصاء برد النقول إلى أصولها وتدقيق معطياتها وإيعاز الآيات والأحاديث إلى مصادرها وتخريج الأبيات الشعرية والتحقق من نسبة قائلها وترجمة الأعلام البشرية والجغرافيا، ثم وضع فهارس دقيقة لما سبق تسعف الباحث في الكتاب وتعينه. طبعا، مجال دراسة المخطوط وتحقيقه، من وجهة نظري، لا يقف عند حدود ما سبق ذكره؛ بل لا بد من توظيف مختلف المناهج النقدية الحديثة قصد تحليل النصوص ودراستها نقديا. وهذا ما حاولت استثماره والعمل به إبان إعدادي لأطروحة الدكتوراه، وقد أرشدني إلى ذلك أستاذي الدكتور محمد أنقار، رحمه الله، بأن النصوص، حتى ولو كانت مخطوطة وتراثية، بإمكاننا دراستها دراسة علمية حديثة، بتحليل مكوناتها وكشف جمالياتها الفنية والبلاغية واكتناه طاقاتها التخييلية، من خلال الانفتاح على مختلف المناهج النقدية الحديثة. فموضوع أطروحتي لم يقتصر على تحقيق كتاب المرائي للشيخ محمد المعطي الشرقاوي تحقيقا علميا فحسب؛ بل امتد للإجابة عن إشكالين نقديين هما التجنيس والتصوير. فقد أردت الإجابة عن سؤال نقدي هو: ما الذي يجعل نصوص المرائي والمنامات تندرج ضمن عوالم السرد؟ يحيل هذا السؤال إلى إشكال نقدي عويص ليس من السهل الإجابة الحاسمة عنه، هو إشكال تجنيس نصوص المنامات وتصنيفها ضمن نوع أدبي ما، وما يقتضي من البحث عن المكونات والسمات سواء في الشكل أو المضمون. والسؤال الآخر لا يقل صعوبة يتمثل في البحث عن الإمكانات الجمالية والفنية والبلاغية التي تختزنها نصوص المرائي والمنامات. وبالعودة إلى سؤالك عن أهمية تحقيق المخطوطات، فمن البدهي القول بأن التحقيق له أهميته البالغة، فقد شبهه أستاذنا الدكتور مصطفى يعلى بعلم البيبلوغرافيا، أي البنية التحتية للبحث العلمي والدراسة النقدية؛ لأنه لا بحث ولا نقد ولا دراسة للتراث دون توفر المتون الموثوق بتحقيقها تحقيقا علميا وأكاديميا. والمحقق أثناء الاشتغال على نص ما يحتاج إلى عُدّة معرفية ومنهجية؛ من قبيل سعة الاطلاع، والقدرة على البحث الدقيق والاستقصاء في مختلف الكتب والمصادر والمراجع والموسوعات والمعاجم. لهذا، فالتحقيق شديد الصلة بعلوم أخرى مثل: الأدب واللغة والبلاغة والتاريخ والجغرافيا والفقه والحديث والطب والفلسفة والفكر وغيرها. فضلا عن ذلك كله، لابد من الباحث المحقق امتلاك معرفة بأصول البحث العلمي وكفايات منهجية من مقارنة ووصف وتحليل وتفسير وتركيب وتفكيك وغيرها من قدرات أخرى لغوية وبلاغية. ومن ثمَّ، فإن كل من يستهين بالتحقيق ويقلل من شأنه، أظن عليه أن يعيد النظر في أفكاره ومسلماته. ويكفي دليلا على أهمية التحقيق أن عددا من المستشرقين في مطلع القرن العشرين وما تلاها من سنوات كان لهم الفضل في إحياء تراثنا العربي والإسلامي، بعد أن طواه النسيان والإهمال، فعملوا على تحقيق أمهات الكتب؛ من ذلك إسهامات المستشرق الفرنسي الشهير لويس ماسينيون Louis Massignon فقد حقق كتاب "الطواسين" للحسين بن منصور الحلاج. كما أسدى المستشرق الألماني كارل بروكلمان Carl Brockelman للتراث العربي الكثير، من ترجمة وتحقيق وجمع وتعليق وفهرسة لعدد من المصنفات العربية؛ منها تحقيقه لرسالة في لحن العامة للكسائي مذيلة بتعليقات وفوائد جمة. كما نجد المستشرق الإنجليزي آرثر جون آربري Arthur John Arberry حقق كتاب "المواقف والمخاطبات" للنفري، وكتاب "الرياضة" للحكيم الترمذي، وقصائد الحافظ الشيرازي ورباعيات الخيام. واعتنى المستشرق الفرنسي غاستون فييت Gaston Wiet بتحقيق عدد من النصوص العربية خاصة التي تتعلق بتاريخ مصر منها: كتاب "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار" لتقي الدين المقريزي. وقد علق المفكر عبد الرحمن بدوي على هذا التحقيق بقوله: "وقد حقق النص تحقيقا نقديا ممتازا، وترجمه إلى الفرنسية، وعلق عليه تعليقات مستفيضة في غاية الدقة والفائدة. فجاء عمله هذا من أعظم الأعمال في التحقيق والترجمة للكتب العربية". 

والحق أنه لولا علم التحقيق لما تعرفنا على دواوين الشعر العربي القديم ومصنفات الجاحظ والتوحيدي وابن طفيل وابن رشد وابن سينا وابن خلدون والغزالي وابن عربي وغيرهم من العلماء والأدباء في شتى صنوف العلم وأنواعه. ومخطوطات تراثنا العربي والإسلامي منتشرة في عدد من المكتبات والمعاهد والمراكز بعواصم العالم، ولا يزال البحث قائما من أجل الكشف عن ذخائر هذه المخطوطات ونفائسها. 


سؤال:

5 - ما تصوركم من أجل نشر التراث المغربي، خاصة المخطوط منه؟ وما السبل التي من خلالها يمكن أن يحظى هذا التراث بالدراسة والنقد العلميين؟ 


جواب:

- تصوري من أجل تحقيق المخطوطات تحقيقا علميا دقيقا أنه لا بد من إعادة إحياء وحدات البحث والتكوين الخاصة بتحقيق مخطوطات التراث المغربي داخل الجامعات المغربية، ومدها بكل الإمكانات اللازمة، ومن ضمنها توفير أساتذة أكفاء ومؤهلين معرفيا وعلميا ليقوموا بمهامهم خير قيام؛ لكن برؤية حديثة واستراتيجية علمية دقيقة.. بمعنى، من الضروري وقبل كل شيء الإجابة عن الأسئلة الآتية: عن أي مخطوط نتحدث؟ ما أهميته وإضافاته؟ ما العُدّة العلمية التي بها نحقق المخطوط؟ هل نقتصر على ما هو معتاد ومتعارف عليه، من التعريف بنسخ المخطوط وصاحبه ومقابلة النسخ فيما بينها؟ هل بإمكاننا استثمار مختلف المناهج النقدية الحديثة لدراسة متون المخطوط ونصوصه؟ ما الإضافة التي يمكن أن يضيفها مخطوط تراثي عتيق إلى حياتنا وواقعنا، ونحن نعيش في زمن الذكاء الاصطناعي والعوالم الافتراضية؟ طبعا، هي أسئلة كثيرة وشائكة تفرض نفسها على كل باحث في مجال التحقيق ودراسة التراث. بيد أن الأمر يجب ألا يبقى محصورا داخل الجامعات، بل ينبغي الانفتاح على مختلف المكونات الثقافية التي تهتم بالتراث بشكل عام والمخطوط بشكل خاص. فثمة جهود لأفراد وجماعات تعمل على التعريف بالمخطوطات وتحقيقها والسعي إلى نشرها؛ لكنها تبقى للأسف جهودا فردية ومعزولة في الزمان والمكان، في حاجة إلى الدعم والمتابعة. لأن عددا من المخطوطات المملوكة من قبل الأسر والأفراد أو الموجودة في مكتبات خاصة قد تتعرض للضياع بفعل الإهمال. وفي هذا المقام، تبرز مسؤولية وزارة الثقافة ومؤسساتها وكذا مختبرات البحث العلمي التابعة للجامعات من أجل صيانة تراثنا المخطوط وحمايته والعمل على تصنيفه وفهرسته وتوثيقه ورقمنته ودراسته وتحقيقه ثم نشره. بالإضافة إلى تنظيم ندوات ولقاءات ومؤتمرات عن التراث المخطوط، ودورات تكوينية في أصول التحقيق، والعمل على إصدار مجلات مختصة في تحقيق التراث ودراسته، ونشر الرسائل العلمية والأطاريح الجامعية التي لها ارتباط بتحقيق تراثنا المغربي. وفي هذا الصدد، يجب التنويه بأهمية إحداث جائزة الحسن الثاني للمخطوطات والوثائق سنة 1969م من قبل المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، بهدف التعريف بمخطوطات ووثائق ومستندات وكناشات خطية مغربية أو أندلسية يحتفظ بها أفراد أو أسر، وكذا الكشف عن محتوياتها والعمل على توثيقها ورقمنتها وحفظ نسخ منها في المكتبة الوطنية بالرباط وبخزانة مؤسسة أرشيف المغرب. وقد كشفت الجائزة عن ذخائر نفيسة، من دواوين شعرية مغربية ورحلات ومصنفات أندلسية غميسة ونسخ كاملة وتامة لكتب مثل كتاب "مناهل الصفا". هذا بالإضافة إلى مخزون ضخم من وثائق ومستندات ومراسلات وأوراق خطية تصنف من النوادر كشفت عنها معارض الجائزة منذ إحداثها إلى الآن، وقد وصلت الجائزة إلى دورتها الثالثة والأربعين خلال هذه السنة (2023)، وتهم الكتب المخطوطة والوثائق المكتوبة باللغة العربية أو الأمازيغية أو بالتعبير الحساني. وتتضمن الجائزة، كما هو معلوم، صنفين: الصنف الأول هو الكتب المخطوطة تشمل المؤلفات والتقاييد والمذكرات الشخصية والكناشات العلمية ومجموعات الفتاوى أو الرسائل ودواوين الأشعار والمجموعات الموسيقية وكنانيش الملحون وسائر ما هو مخطوط، سواء أكان مجرد كتابات في أوراق منفصلة أو مجمعا في دفاتر. والصنف الثاني هي وثائق مخطوطة وتشمل الظهائر السلطانية والرسائل الرسمية أو الشخصية أو الرسوم العدلية والمحاسبات والإجازات العلمية وشهادة الأنساب وغيرها.


سؤال:

6 - أستاذي الفاضل تعكفون، حاليا، على الاشتغال على تحقيق مخطوطات.. ألا يمكن أن تقدم للقارئ نبذة عن هذه الأعمال؟


جواب:

- فيما يتعلق بالكتب المخطوطة التي أعمل على تحقيقها حاليا، ثمة مشروع علمي طموح أود إنجازه، بإذنه تعالى، بمعية باحثين ينتمون إلى المركز المغربي للبحث العلمي وتحقيق التراث بمدينة تطوان، وبدعم من المركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية التابع للرابطة المحمدية للعلماء، هذا المشروع هو تحقيق كتاب "إضاءة الراموس وإضافة الناموس على إضاءة القاموس" لأبي عبد الله محمد بن الطيب الفاسي، وكان بإشراف أستاذنا الدكتور محمد مفتاح، لكن وافته المنية، رحمه الله، قبل إتمام العمل، فبادر أستاذنا فضيلة الدكتور محمد الحافظ الروسي على متابعة هذا المشروع العلمي والإشراف على إنجازه. وكتاب "إضاءة الراموس" موسوعة علمية ولغوية ومعجمية قل نظيرها في تراثنا المغربي، تم تحقيق قسم من مادة الهمزة من المجلد الأول من قبل عبد السلام الفاسي والتهامي الراجي الهاشمي، وصدر ضمن منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 1983م، وبقيت الأقسام الأخرى من المجلد الأول والمجلدات الثلاثة الأخرى كلها لا تزال مخطوطة، فقرر أستاذنا د. محمد مفتاح، رحمه الله، تحقيق هذا التراث المهم وإخراجه إلى العلن. والعمل، الآن، في طور التدقيق والمراجعة بعد الحصول على نسخ خطية أخرى من إستانبول والمدينة المنورة. 

موازاة مع ذلك، أشتغل على تحقيق مخطوط تراثي آخر حصلت عليه من المكتبة الوطنية بباريس، وموضوعه طريف يتعلق بحكايات شعبية تراثية. وحسب بحثي وعلمي، أنها لم تنشر بعد، ولم ترد في نصوص الحكايات المنشورة والمعهودة من قبيل: "ألف ليلة وليلة" أو "مائة ليلة وليلة" أو "الحكايات العجيبة والأخبار الغريبة". هي حكايات دون عنوان جامع لها، ومؤلفها مجهول، ويضم الكتاب عشرات من الحكايات، كل حكاية لها عنوان يلخص مضمونها، أحداثها متباينة تتعلق بالملوك والسلاطين والأمراء والتجار والأغنياء والجواري وعامة الناس وفقرائهم. تميل بعض الحكايات إلى الوعظ وأخذ الحكمة، وبعضها الآخر إلى تمجيد القيم الأخلاقية مثل: التسامح والوفاء والصدق والمحبة، أو التنديد بقيم أخرى نقيض لها: الكراهية والغدر والكذب وغيرها. كما نجد بعض الحكايات هي إعادة سرد لوقائع تاريخية لكن من منظور تخييلي. أما شخصيات الحكي فهي واقعية وشعبية؛ إنسانية وحيوانية في بعض الأحيان، قلما نصادف شخصيات ذات طابع خارق من قبيل الجن أو العفاريت.


سؤال:

7 - دكتور، تهتمون نقديا بنصوص سردية تراثية من قبيل المنامات الصوفية وحكايات الأولياء... ألا تصنف هذه النصوص ضمن الأدب الشعبي؛ أي أنها أقل شأنا وأدنى مرتبة مما يعرف بالأدب الرسمي؟


جواب:

- من جملة ما عانى منه السرد عبر مسيرته التاريخية في الثقافة العربية تفضيل الإبداع الشعري عنه، والاعتراف فحسب بتلك الأنواع السردية القريبة من الشعر والتي ترتوي من مكوناته اللغوية والتخييلية؛ مثل المقامات، ومن ثم صنف الأدب إلى ما هو رفيع؛ خاصة الشعر، يحظى بالقراءة والمتابعة النقدية، وصنف ثان هو أدنى؛ أي النثر. وبنظرة فاحصة عن طبيعة النقد وموضوعاته، وما انشغل به البلاغيون والنقاد القدماء نجد أنه ينصب جله على الشعر وفنونه وقضاياه؛ اللفظ والمعنى والصدق والكذب والطبع والصنعة والسرقات الشعرية والقديم والمحدث وعمود الشعر والمفاضلة والموازنة والبديع. فالشعر بالنسبة إليهم منظوم لأنه ينتظم ويخضع لقواعد الإيقاع واللغة والمعنى، بينما النثر، فمعناه الشتات والفرقة. لذلك، فالذوق العربي لم يستسغه ولم يعترف به إلا في حدود ضيقة؛ بل نجد المفاضلة امتدت إلى الأنواع السردية نفسها، إذ نلفي بعضها حظي بالاهتمام النقدي على حساب أنواع أخرى لا يكاد يلتفت إليها. وتعد المنامات من النصوص التي لم يُعترَفْ بها ولم تدرج ضمن أصناف الإبداع الإنساني، بالرغم من حضورها اللافت في عدد كبير من المصنفات على اختلاف مرجعياتها. وهذا الحضور يمكن تصنيفه إلى نوعين: الأول منامات بوصفها نصوصا سردية مستقلة وقائمة الذات ومفصولة عن غيرها، منها على سبيل المثال: منامات ابن أبي دنيا ومنامات الوهراني ومبشرات ابن عربي ومرائي الحسان لابن أبي جمرة الأندلسي ومرائي الشيخ محمد المعطي الشرقاوي وغيرها. والثاني منامات تتضمنها أخبار وتراجم ومناقب وحكايات وسير؛ بمعنى أن هذا الصنف ليس مستقلا بحيث يرد ضمن نصوص أخرى.


سؤال:

8 - دكتور، هل يمكن أن ترقى تلك النصوص لتشكل في مجموعها نوعا أدبيا قابلا للتحليل والدراسة النقديين؟


جواب:

- سبق أن أشرت إلى أن من الإشكالات النقدية التي حاولت الإجابة عنها في أطروحتي للدكتوراه تتعلق بمحاولة تجنيس المنامات، من خلال إثارة جملة من الأسئلة لها صلة بالإمكانات البلاغية والأسلوبية والسياقات التداولية لهذا الصنف من الإبداع الإنساني. فقمت باستقصاء الجذور اللغوية والاصطلاحية للفظة المنام وباقي الألفاظ الأخرى التي لها صلة بها من قبيل: الحلم والرؤيا والبشارة. بالإضافة إلى البحث في أدبية المنامات، أي كل الإمكانات الفنية والجمالية التي بها يمكننا أن نصنف نص المنام ضمن الأدب؛ لأن مثل هاته النصوص تتقاطع فيها خطابات شتى تاريخية ودينية وصوفية وفلسفية ونفسية واجتماعية. فتوصلت إلى أن بنية نص المنام تخضع لما يعرف بشروط السرد؛ الراوي والمروي له والمتن الذي يروى. كما أن المنام له وجود ذهني يتمثل في سياق رؤيته أثناء استغراق الإنسان في النوم، ووجود آخر سردي؛ أي يصبح نصا يروى حافلا بطاقات تخييلية وبلغة تميل إلى الإخبار والسرد وبمقاصد متعددة. إلا أن المنام أو الحلم له طبيعة خاصة لابد من استحضارها ومراعاتها، فالحلم تحكمه سياقات أخرى نوعية قد لا تتوفر في أنماط من الخطابات. ولعل أبرز هذه السياقات النوم الذي يعد حالة إنسانية شديدة التعقيد؛ بل إن النوم عادة ما يتم ربطه بالموت نفسه. ومن ثمّ، فإن الحلم يقترن بعوالم المجهول والغيب والغموض. وثمة سياق آخر لا يقل أهمية، إنه الواقع، فما يشاهد في المنام له صلة، بشكل أو بآخر، بما نعيشه في واقعنا من أحداث ووقائع. وللحلم أيضا سياق آخر، هو الزمان؛ إذ يقترن بزمن النوم سواء ليلا أو نهارا، كما تم تحديد أوقات بعينها يعبر فيها المنام ويفسر دون غيرها. بالإضافة إلى ما سبق ذكره، ثمة سياق آخر يميز الحلم عن باقي الخطابات، سياق الشيوع وعدم الاختصاص؛ بمعنى أن كل إنسان يحلم ومن ثم يصبح مرسلا، خلافا للخطابات الأخرى التي يتقيد فيها المرسل بالاختصاص؛ فالأديب والإعلامي والسياسي كلهم ينتسبون إلى خطاب بعينه كل حسب اختصاصه. لهذا، نكون مع نوع من الخطاب متفردا في بنيته وفي مقاصده.


سؤال:

9 - أستاذي الفاضل نشرتم دراسات نقدية عن جنس القصة القصيرة جدا، على سبيل المثال: "المفارقة في القصة القصيرة جدا"، و"مصطفى يعلى مبدعا للقصة القصيرة جدا"، و"بلاغة الإيجاز في أقصيصات مصطفى يعلى"...ما الإشكالات النقدية للقصة القصيرة جدا؟ وكيف ترون مستقبل هذا اللون الأدبي؟


جواب

- تثير الأقصيصات أو ما يُصطلح عليه بالقصة القصيرة جداً إشكالات عديدة، ترتبط بتاريخ ظهورها وبنيتها وتجنيسها ومكوناتها وسماتها، بل وبمقاصدها أيضا. كل هذه الإشكالات لم يتم الحسم فيها بعد، بالرغم من الدراسات النقدية والملتقيات والندوات التي واكبت هذا النمط من الإبداع الفتيِّ. وقد انقسم النقاد تجاه القصة القصيرة جدا إلى موقفين؛ أولهما رافض لها ومتوجس منها، وثانيهما متحمس لها ومدافع عنها، كل منهما يعرض حججه ومسوغاته. وربما موقف ثالث أيضاً، يقف بين المنزلتين.

تعرف القصة القصيرة جدا، في شقها النظري، حالات من الفوضى العارمة، بدءاً من تعدد مسمياتها؛ إذ لم تستقر على اسم جامع لمكامن فنيتها وجمالياتها ومقاصدها. فمن مسمياتها المتداولة في النقد: القصة القصيرة جداً، وحكاية قصيرة جداً، ونص قصير جداً، وومضات حكائية، والسرد الوامض، والسرد الخاطف، والسرد الصاعق، والكتابة الشذرية، والشذريات، وتخييل مجهري، ونصيص، وأقصيصات وقصيصات وغيرها. وتمتد تلك الفوضى إلى المكونات البنائية، أو ما يسميها بعض النقاد بالأركان أو العناصر الرئيسة أو المقومات أو المعايير أو السمات أو الخصائص؛ بمعنى كل ما يميز هذا النوع من الإبداع عن الأنواع السردية الأخرى المعهودة. فيلفي القارئ نفسه أمام عدد كبير منها، فيصاب بالحيرة، وتلتبس عليه الأمور؛ إذ يعجز عن التمييز بين ما هو ثابت في القصة القصيرة جداً وبين ما هو متغير فيها. ومما هو متداول في الكتابات التنظيرية للقصة القصيرة جداً، نجد ما يأتي: القصصية والحكائية والسرد والتكثيف والقصر والإيجاز والاختزال والإيماض والإضمار والاقتضاب والتلميح والوحدة والجرأة والمفارقة والتضاد والإدهاش والإيحاء والمجاز والرمز والتلغيز والتناص والشاعرية والشعرية والسخرية والتهكم، وغيرها من المفاهيم والاصطلاحات التي تبين، دون مواربة، التضارب النقدي المصاحب للكتابة الإبداعية للقصة القصيرة جداً. بيد أن القضية الأكثر إثارة هي درجة الاستسهال عند بعض الكتّاب في إبداع هذا النوع الأدبي إلى حدود الخلط بين القصة القصيرة جدا وبين الشذرات الشعرية؛ إذ يعجز القارئ الفصل بينهما، للالتباس الحاصل عند المبدع نفسه. إذ ليس كل نص قصير توفرت فيه بعض مقومات الحكي الموجز والقصير والساخر والمفارق، يمكن وسمه أنه قصة قصيرة جدا. فمما لا شك فيه أن الحجم لا يسعف بالقدر الكافي والمطمئن في تجنيس النصوص.

كلنا نعرف نص "الديناصور" الشهير لأوغوستو مونتيروسو. يقول السارد: "عندما استيقظ، كان الديناصور لا يزال هناك". صحيح أن هذا النص قصير جدا، وأن عدد كلماته محددة في سبع كلمات لا أكثر، بيد أن جماليات النص وفنيتَه لا تكمن فحسب في شدة قصره بل تكمن أيضا في عمق دلالاته ومقاصده؛ إذ يجد القارئ نفسه حائرا في بحر من المعاني والرموز والإشارات. لذلك، يمكن القول إن القصة القصيرة جدا نوع سردي مراوغ وعصي في إبداعه، كما في نقده وتحليله.

فيما يخص مستقبل هذا النوع الأدبي الفتي، لا يسعنا إلا أن نستبشر خيرا ونتفاءل. فعلى الرغم من الإشكالات التي أشرت إليها، والفوضى العارمة من حيث مسميات القصة القصيرة جدا وتباين مصطلحاتها ومفاهيمها، والاستسهال الحاصل في إبداعها وكتابتها، فإننا نرى أن القصة القصيرة جدا تعرف تطورا في بنيتها وحكائيتها، يقبل عليها ثلة من المبدعين بوعي جمالي وفني. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نحن نعيش في عصر يتسم بالسرعة الشديدة، وأن إيقاع الحياة اليومية أضحى شبيها ببرق خاطف. لهذا، فالإبداع نفسه يتجه نحو الإيجاز ويميل إلى الاختزال والاختصار.


سؤال:

10 - دكتور بوصفكم تزاولون مهنة التدريس، كيف ترون مستقبل المدرسة العمومية؟


جواب:

- لا أحد ينكر أن المدرسة العمومية لها أهمية كبيرة ليس في تكوين الأجيال فحسب بل في مستقبل الأمم والشعوب. فكل الدول التي حققت تنميتها وازدهرت وتطورت أول ما بدأت به هو التعليم، لأنه القاطرة الحقيقية التي من خلاله يمكن أن نحقق التنمية والقوة والنجاح في كل المجالات دون استثناء. والدليل على ذلك يمكن تأمل تجارب في بلدان عديدة من أوروبا وأسيا وإفريقيا؛ فنلندا وسنغافورة وماليزيا، وآخرها رواندا. إن هذا البلد الإفريقي الذي، إلى عهد قريب جدا، كان يعاني من حرب أهلية وتطهير عرقي؛ بيد أنه تمكن، بفضل تضافر جهود أبنائه وصدق نواياهم وإخلاصهم وإرادتهم، من تحقيق نمو اقتصادي يعد الأسرع والأكثر نموا في السنوات القليلة الماضية بفعل الاهتمام بالتعليم. لهذا، فواهمٌ من يتصور أن التعليم قطاع غير منتج، يستهلك فحسب الموارد المالية دون نتيجة تذكر، فهذا قصور في النظر، بل غباء في التفكير. وواقع المدرسة العمومية اليوم بالمغرب يعرف اختلالات وصعوبات عديدة كشفت عنها تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وتقارير منظمات دولية تهتم بالتنمية. وللأسف، تحتل المدرسة المغربية رتبا متدنية من حيث الجودة وامتلاك المتعلمين والمتعلمات للكفايات الأساس ومهارات الحياة. فأين نحن من مجتمع المعرفة والتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي؟ بينما المدرسة العمومية لا تزال تعاني من مشاكل عويصة. وقد وضعت برامج وتصورات متعددة قصد الخروج بالتعليم من النفق المظلم الذي طال أمده، آخر هذه البرامج ما سمي بالرؤية الاستراتيجية للإصلاح التي تمتد إلى 2030م، بشعار "من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء"، ويضم البرنامج أربعة فصول وثلاثا وعشرين رافعة. وبنظرة سريعة لمضامين هذه الرؤية، نجد أنها تشمل عددا من الغايات يراد تحقيقها؛ منها: المساواة، وإلزامية التعليم الأولي وتعميمه، وتأمين حق التعليم للأشخاص في وضعية إعاقة، واستدامة التعليم وتأمينه مدى الحياة، وبناء المشروع الشخصي، والتمكن من اللغات وتنويعها والنهوض بالبحث العلمي والتقني والابتكار وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية وغيرها من الشعارات. لكن السؤال الأساس ما السبل الناجعة من أجل تنزيل كل تلك الرافعات الثلاث والعشرين؟ فإذا لم يتم تشخيص واقع الحال بشكل دقيق وملموس وواقعي، وتوفير الموارد المالية والبشرية والاهتمام بها، وقبل كل ذلك التوفر على إرادة حقيقية في الإصلاح؛ فإن هذه الرؤية الاستراتيجية لن تؤتي أكلها، وسيكون مصيرها مثل غيرها من برامج الإصلاح.




 

ذة. أمنة برواضي في حوار " مع الناقد " ( أسئلة الباحث العربي ) الجزء الثاني الحلقة 18 مع الناقد والأديب والفنان التشكيلي عبد المجيد بطالي.


ذة. أمنة برواضي في حوار " مع الناقد " ( أسئلة الباحث العربي ) الجزء الثاني الحلقة 18 مع الناقد والأديب والفنان التشكيلي عبد المجيد بطالي.
ذة. أمنة برواضي في حوار " مع الناقد " ( أسئلة الباحث العربي ) الجزء الثاني الحلقة 18 مع الناقد والأديب والفنان التشكيلي عبد المجيد بطالي.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أولا أرحب بكم وأشكركم على تفضلكم بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي.


ليكن أول سؤال:

 1 - من هو عبد المجيد بطالي؟


جواب:

- سعيد جدا باستضافتكم لي في هذا اللقاء الأدبي والثقافي الشيق، ممتن لكم جدا بهذه الالتفاتة الطيبة لمحاورتي حول بعض القضايا الإبداعية، التي أثارت اهتمام الكتّاب والنقاد على السواء في مجالات الفكر والثقافة والأدب عموما.

عبد المجيد بطالي، ناسك في محراب الكتابة، مقيم في مملكة القراءة، أمتطي صهوتيْهِما لأعرج نحو معالم الجمال، أتطلع إلى آفاق الإبداع اللامتناهية، طالبا المزيد من قَطْر العلم، باحثا بين دروب المعرفة والبيان. 

عبد المجيد بطالي مواطن مغربي من مواليد مدينة الدار البيضاء، أستاذ اللغة العربية (متقاعد)، أديب وناقد وفنان تشكيلي... عشقت الإبداع منذ طفولتي الأولى وأنا لازلت في مرحلتيْ الابتدائية والإعدادية من التمدرس.. ثم ما لبث هذا الفعل الإبداعي يتطور مع الزمن، خصوصا وقد شجعني عليه أساتذتي المحترمين الذين درسوني في هذه المراحل المتقدمة.. وتفاصيل أخرى تتعلق بمساري الإبداعي يضيق المجال هنا للحديث عنها.

صدرَ لي في الشعر، ثلاثة دواوين شعرية هي، (رواء الروح - في ظلال سدرة الوجد - معارج الإشراق) ومجموعة في القصة القصيرة جدا بعنوان، (جداريات بألوان البوح)، وأربعة كتب في النقد وهي، (النص المشتعل وتوهج المعنى في جزأين، وخطاب الومضة القصصية.. والبنية والدلالة في الخطاب السردي..)


سؤال:

2 - أستاذي الكريم لكم عدة إصدارات في النقد منها: - (النص المشتعل وتوهج المعنى.. قراءة نقدية تأويلية في شعر د. أحمد مفدي) الجزء الأول. - (خطاب الومضة القصصية) التصور والإنجاز دراسة تشريحية، الجزء الأول - (البنية والدلالة في الخطاب السردي - قراءات في القصة القصيرة جدا) - (النص المشتعل وتوهج المعنى - موسوعية المنهل وكونية الرؤيا في شعر د. أحمد مفدي) كما لكم أعمال أخرى مشتركة.

 من موقعكم كناقد كيف ترون مستقبل النقد مع كثرة الإصدارات الأدبية؟


 جواب 

 - صحيح أن هناك إصدارات أو إنتاجا أدبيا أكثر، مقارنة مع إنتاج الخطاب النقدي، ومن هنا يمكن إعادة طرح السؤال على هذا المنوال، هل النقد يساير الحركة الإبداعية ومن ثم تأطيرها؟ 

  لا غرو إذا قلنا: إن كثيرا من الدراسات النقدية لا ترقى إلى الفعل النقدي، ولا تسمو إلى القراءة الفاحصة المرتكزة على ضوابط النقد الممسّكة بعرى الرؤية والمنهج وآليات التأويل، والمسلحة برؤيا أعمق في البعد التفسيري للظواهر الأدبية المعتمدة على تشرب الناقد لشمولية المعرفة بالمناهج المتعددة، (فلسفية ومعرفية وبنيوية وتفكيكية وتأويلية وسيميائية... وغيرها) ومن هنا يمكن القول إنه على الناقد أن يسعى إلى الوقوف على أرضية صلبة سليمة في التعاطي مع النص الأدبي، وسبر أغواره وكشف أسراره دون المساس بخِلقته الإبداعية والأدبية، أو إضاعة متعته الجمالية، حتى يتحقق في الساحة الأدبية إنتاج أدبي جيّد يرقى بلغتنا العربية إلى العالمية.. فليس كل ناقد قادرًا على تفسير وتأويل النصوص الأدبية، ما لم يكن خبيرًا بأدوات اشتغاله.


سؤال:

 3 - أستاذي الكريم ما هي المواصفات التي يجب توفرها في العمل الإبداعي ليجد صداه عند النقاد؟ 


جواب 

- الإبداع سابق على النقد وشرط في وجوده وجدّته. فكلما شقّ الإبداع طريقا ونهجا معينا يجد استحسانا من المتلقين، كلما اتبعه جمهور النقد بالملاحظة والتدقيق بناء على مقارنة نقدية من نوع معين. فالإبداع أحيانا يسبق نبض الواقع والمتلقين، ويأتيك من المستقبل بقبس من أنوار الفرادة والتميز، قد تفهم في حينها أو قد تحتاج إلى وقت وزمن معين حتى تستبين وتتضح معالمها بين جمهور المتلقين والنقاد معا. ومن ثم وجب على العملية النقدية المؤطرة منهجيا أن تصاحب العملية الإبداعية التي تكتمل معالمها بإنتاج النص الأدبي، لتقوم برصد جوانبه المتعددة من أجل التحليل والتفسير والتأويل والنقد والتقويم.. غير أن الإبداع الحق لا يلتفت إلى الخلف بل يصوب بوصلته نحو الأفق والمستقبل البعيد.


سؤال:

 - كيف يرى الأديب والناقد عبد المجيد بطالي تأثير العولمة على الأدب العربي المعاصر؟ وما هي الرهانات التي يراهن عليها النقد العربي في ظل الحداثة؟


جواب:

 - لا شك أن للعولمة تأثير على مجالات الحياة الإنسانية عموما وعلى الأدب خصوصا، وأمام هذه الحال كان لابد للأدب العربي المعاصر أن يتأقلم مع حركية أمواج العولمة، وتحولات الحياة الثقافية، وألا يتأثر بها سلبيا.  وأن يكون الأديب فطنا في اتخاذ المواقف السليمة تجاه إكراهات تقلبات الواقع وسيرورة الحياة، وما تمليه عليه حتميات العالم الجديد من قضايا وقيم مجتمعية حديثة. فالأديب المعاصر الحاذق هو من يساير الحداثة فيما هو إيجابي نافع للإنسانية دون إغفال لقيمه الاجتماعية وتراثه وهويته ووطنيته وتقاليده..، فهو الكفيل لإيصال رسالته الهادفة، ناصعة نقية للعالم على ضوء ما ينتجه من نصوص أدبية وغيرها.   

أما ما يراهن عليه النقد العربي في ظل الحداثة، فإنه لا يسعني إلا أن أقول: إن أخوف ما يخاف عليه اليوم هو ظاهرة تكنولوجيا الإعلاميات التي قد تئدُ النقد أو تصيب الناقد العربي بجلطة قلم لا قبل له بها، أو قد يجهز عليه الذكاء الاصطناعي بخيله ورجله، ولا يصبح حينها (للنقد البشري) جدوى أو معنى خصوصا وأن الذكاء الآلي استحوذ على كل الميادين. 

لكم إصدارات في الشعر والقصة نذكر على سبيل المثال لا الحصر: (رواء الروح) - (في ظلال سدرة الوجد) - (معارج الإشراق) دواوين شعر. (جداريات بألوان البوح) مجموعة قصص قصير جدا.


سؤال:

 - كيف للناقد أن يزاوج بين النقد والإبداع، وهل يكون النقد حاضرا أثناء الإبداع؟


جواب:

 - أعتقد أن العلاقة جدلية بين (الناقد المبدع، والمبدع الناقد).. لكن المبدع حينما يكون في محراب الإبداع، تكلمه الأحاسيس؛ وتنطقه الهواجس، تغمره بردة العواطف فتنطق ذاتيته بما تحس وتشعر؛ فيعبر من خلال ذلك عن آلامه وآماله، ويترجم أفراحه وأتراحه، فيكتب كل ما يجول بخاطره نصوصا إبداعية قد تكون شعرا أو سردا أو غير ذلك، خالعا جبة الناقد.. فلا يكون المبدع حالة الإبداع ناقدا، أو مستحضرا للنقد، وإلا سيشوش على العملية الإبداعية، فيخرجها عن ولادتها الطبيعية، أو يحولها عن مسارها الفني والأدبي والجمالي.. وقد يسبب موتا لزهرة الإبداع في مهدها.. ومن هنا يختلف تماما عن وجوده أمام مشرحة النقد، فيكون الناقد مبدعا وليس العكس، لأن الناقد حينما يشتغل بالنقد فهو يبدع، والنقد إبداع على إبداع، والنقد يتغذى على الإبداع باعتباره مادته التي بها يثبت وجوده في علاقة جدلية متنامية.. ومن هنا يتبين أن للإبداع حدودا ومواصفات وسمات التي بها تتحقق الأدبية وتتوطد الإبداعية، كما أن للنقد علامات ومعايير ومناهج وآليات يشتغل بها على الإبداع ليتحقق للنص الأدبي وجوده ويستقيم عوده ويسمو بها كيانه.. وعليه فإن الأديب في مجاله أديب يبدع نصوصه وينشّئها كيف يشاء على سجيته، إذْ هي مرآة لأحاسيسه وعواطفه؛ وترجمة لواقعه وحياته من خلال ما يسطره.. والناقد في مجاله ناقد رصين في تعامله مع المادة الإبداعية التي بين يديه بعيدا عن صاحبها/ مبدعها، وإلا سقط الناقد في الالتباس والشك، والهيمنة الذاتية التي تزيغه عن دوره الفاعل في الحقل الأدبي الذي من أجله وجد ليبني ويؤطر ويؤسس.. أدبا إنسانيا يسعى نحو الإجادة والأفضلية، ويسمو إلى الآداب الإنسانية والكونية.

حصلتم على العديد من الجوائز سواء داخل الوطن او خارجه تقديرا لدوركم في إثراء الحركة الثقافية في الوطن العربي.


سؤال:

6 - ماذا تمثل الجوائز للأديب والناقد عبد المجيد بطالي؟ وهل الجوائز في رأيكم كافية لتتويج المسيرة الإبداعية والنقدية؟


جواب: 

 - أجل، ولمَ لا يكون الإنسان طموحا في نيل الجوائز، أو المراتب المشرفة لإبداعه، فهي محفز معنوي يدفع بالمبدع إلى التقدم خطوات، لتجويد عمله وتحسينه، فإذا وجد المبدع تشجيعا من الناشر، إلى القارئ مرورا بالتوزيع والنقاد والجمعيات الداعمة للإبداع، وكل من يحتضن العمل الإبداعي بالاهتمام، والنقد والدراسة، والتشجيع على طباعته وتقريبه من القارئ، فلا يسعه إلا أن يبذل كل ما في وسعه، لنيل الحظوة الأدبية، وشرف الإبداع. ومن ثم تتويج مسيرته الإبداعية والفنية والنقدية وغيرها.


سؤال:

7 - لكم لوحات تشكيلية بالصباغة المائية / (كواش) وأخرى بالحبر الأسود الجاف حظيت بالنشر على أغلفة أعمال أديبات وأدباء.

إلى ماذا يعزو عبد المجيد بطالي هذا التنوع في الإبداع؟


جواب :

- يُنسبُ هذا التنوع في الإبداع أو يؤول إلى ما تضافر من عوامل في تشكيل أو تكوين شخصيتي الإبداعية، وأخص منها بالذكر شخص أبي - رحمه الله - الذي كان يحضّني على القراءة والمثابرة عليها منذ نعومة أظافري، وقد كانت بداياتي الأولى لقرظ الشعر في مرحلة دراستي الإعدادية حيث كان يشجعني أستاذ اللغة العربية على خوض تجربة الكتابة الشعرية، لكن سرعان ما خبت هذه الموهبة، لتنبعث مكانها من جديد موهبة (فن الرسم) التي كان قد غرسها في أعماقي منذ المرحلة الابتدائية أستاذي الرائع (محمد مرزاق)، الذي كان يكلفني بإنجاز لوحات فنية على ورق أبيض مقوى بألوان الشمع الزاهية أو بأقلام اللبد. وكان يوظف هذه اللوحات في دروس (المحادثة) في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أو ما يعرف اليوم بـ (الدرس اللغوي الشفوي)،  واستمرت علاقتي بالكتابة عموما وعودة التعاطي مع الشعر على وجه الخصوص، في مرحلتي الجامعية حيث بدأت تجربتي الشعرية تخرج من شرنقتها، لترسم طريقها نحو النور بخطى متئدة وثابتة متأثرا في ذلك بما تلقيناه عن المدارس الشعرية، سواء التقليدية منها أو الحداثية، فقرأت لشعراء العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي والأموي والعباسي والأندلسي كما قرأت لشعراء التجديد (نازك الملائكة...) وشعراء الحداثة أمثال (بدر شاكر السياب، وأمل دنقل..) والقائمة طويلة.. أما ما يتعلق بمجال النقد والتعاطي معه فقد كان وراءها بالدرجة الأولى، البحث الذي تقدمت به لنيل الإجازة في الأدب العربي سنة 1986 من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وأيضا متابعتي للدراسة في السلك الأول من الدراسات المعمقة بجامعة محمد الخامس بالرباط، تخصص أدب أندلسي، لكن لا نغفل عوامل أخرى في تطوير شخصيتي الإبداعية ووضعها على محك الواقع، وتتجلى في التجارب الحياتية المختلفة بشكل مستمر، الشيء الذي ساهم بشكل أو بآخر في غزارة كتاباتي الإبداعية والنقدية على حد سواء.


سؤال:

 8 - باعتباركم زاولتم مهنة التدريس كيف ترون مستقبل التعليم العمومي بالمغرب؟


جواب 

 - مقارنة بمراحل التعليم في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبالنظر إلى النتائج المبهرة التي حققها على أرضية الواقع وعلى المستوى الطلائعي للتعلم آنذاك، يتبين أن هناك خللا ما في  المنظومة التعليمية ككل، أحدث تراجعا على مستوى نتائج التعلمات وعلى مستوى العطاء التعلّمي للمتعلم، وتمثل ذلك خصوصا في الكم الهائل من البرامج المقررة في التدريس، هذا الكم الذي أثقل كاهل التلاميذ فأفقدهم خاصية الاستيعاب المعرفي الذي أدى إلى تشتت ذهنية المتعلم، أمام تعدد المناهج وتبدل الطرق التعليمية التي أربك تنزيلها عملية التواصل بين الأستاذ والتلميذ، مما ساهم في ضعف النتائج المرجوة.

في السابق قبل تسعينيات القرن الماضي كان التعليم العمومي في الصدارة، وكان يضرب المثل بالمدرسة العمومية في برامجها وطرق تدريسها وأطرها التربوية التي كان همّها الأول التربية ثم التعليم، التربية على قيم المواطنة وغيرها.. كانت مواد المقررات الدراسية لا تعتمد على الكم، لكنها أولت أهمية للكيف الذي يلامس امتداده الواقع الاجتماعي والتربوي والوطني والقيمي.. فتخرج بذلك جيل قادر على تحمل المسؤولية المنوطة به، يعرف ما له وما عليه، قادر على مواجهة إكراهات الواقع والحياة.. وعليه أرى أن مستقبل التعليم بالمغرب رهين بإعادة النظر في المنظومة التعليمة من زوايا متعددة وشاملة، وبتكاثف الجهود المخلصة لهذا الوطن على تطوير البرامج وتيسيرها للمتعلمين قصد الاستفادة منها بالطرق المثلى للتحصيل الدراسي، والتركيز على الرسالة التربوية والتعليمية الهادفة دون الإيغال في كثرة المقررات. فالعبرة بالقليل المفيد خير من الكثير الذي يرهق عقل المتعلم، خصوصا في مراحله الابتدائية والإعدادية. 

 

سؤال:

 9 - من موقعكم كأديب وناقد ما هي في تصوركم الشروط التي تساعد على إرساء نهضة أدبية وثقافية شاملة؟


جواب:

- لإرساء نهضة أدبية وثقافية شاملة لابد أولا من تجديد نظرتنا للأدب في علاقته بالمعارف الأخرى المتعددة، في شمولية وتكاملية وليس من زاوية واحدة.. منعزلا في ركن ركين، فما تمليه اليوم تحولات الحياة العامة سوسيوثقافيا، وسوسيولوجيا، وأنثربولوجيا يفرض علينا بقوة مسايرة متطلبات العصر والحداثة، فيحدث بذلك تجديد وإضافات وتأثيرات على مستويات الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية وغيرها.. والأدب والثقافة والإبداع عموما يتأثر بهذه الإحداثيات المختلفة كباقي جوانب الحياة العامة.. لذلك لا محيد لنا عن التفكير في النهوض بمجالات الثقافة المتعددة والفكر ومدارسه برؤيا نهضوية استشرافية لمتطلبات الحاضر ومستقبله الحداثي المختلف.. ولا يتحقق ذلك إلا ضمن شروط موضوعية وأخرى ذاتية نذكر منها، التشجيع على خلق منتديات أدبية وثقافية داخل المؤسسات التعليمية وأخرى بالجامعات على صعيد التخصصات المختلفة، وفي المكتبات الجامعية لترسيخ قيم القراءة ثم القراءة، كفعل يومي باعتبارها الهدف الأسمى للحصول على المعارف والتي هي أساس كل تقدم حضاري واجتماعي وإنساني وكوني شامل.


سؤال:

10 - بماذا تفسر علاقة الثقافة بالفكر وأيهما أكثر تأثيرا في الآخر؟


جواب

 - يمكن إعادة طرح السؤال إشكاليا كالتالي: ما الذي يحدّد الآخر؟ هل الثقافة هي التي تؤثر في الفكر أم أن الفكر هو الذي ينتج الثقافة؟ إشكال فلسفي وفكري يحتاج منا إلى شرح مطول وهو طبعا موضوع تضاربت فيه الآراء لاختلافات في التصورات.

لكن أقول: أن الفكر من التفكر، وإعمال النظر والتدبر فيما يبدع العقل الإنساني، وينتجه من مواضيع في مجالات العلم والمعرفة والتأمل الفلسفي والتنظيري. وما إلى ذلك.

أما الثقافة فهي تقوم أو تتولى القيام بتوزيع ما أنتجه الفكر من علوم ومعارف وفنون وتاريخ وتقنيات إلكترونية حديثة وغيرها، وكلاهما (الثقافة والفكر) يسيران جدليا في خط متواز، لبناء الإنسان والسلوك والحضارة والتاريخ والمجتمع وكل ما له علاقة بهذا الكائن البشري، الذي وهبه الله العقل للتفكر والتدبر والتأمل.

نعم وإذا تأملنا في قولة الفيلسوف ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) يتضح لك أهمية الفكر على الثقافة، إذ أن أمة لا تفكر ولا تعمل على استخدام عقلها وبلورة نشاطاته الذهنية، أمة غير موجودة على حدّ تعبير ديكارت، وبالتالي فهي لا تنتج ثقافة تؤهلها إلى مصاف الأمم الراقية.

ويمكن القول بأن الثقافة تؤثر في الفكر؛ إذا كان الكائن البشري غريبا عن بيئته التي ولد فيها، وهنا تستثمر العادات والتقاليد محفزاتها لإقحام الفكر الغريب عنها ضمن بوتقتها، وبهذا يقع الفكر في حالة ما يصطلح عليه بــ (الاستلاب) وهي عملية اجترار وتكرار وتقليد لمنتوج ثقافة مستهلكة.


سؤال:

 11 - هناك التباس حاصل بين القصة القصيرة جدا والومضة القصصية عند بعض الكتاب، كيف تفسرون ذلك؟


جواب:

 - لا أعتقد أن هناك التباس بينهما عند من يبدعون في القصة القصيرة جدا أو في الومضة القصصية من المغاربة، وقد قرأت لبعض منهم قصصهم القصيرة جدا. فالمسار الأجناسي لهذا الصنف الأدبي واضح جدا، غير أن أسلوب الكتابة والتعامل مع تكوين النص إبداعيا، وبنائه بناء قصصيا يختلف من واحد لآخر، وهذا أمر بديهي جدا، وذلك لاختلاف الثقافة والفكر والمشارب والتوجهات للكاتب، لكنك تجدهم يسيرون على خط الالتزام بقواعد الكتابة في هذا الصنف الأدبي (القصة القصيرة جدا) وخاصة منها: (الحكائية والتكثيف والإضمار والمفارقة والإدهاش أو ما يسمى بتكسير أفق المتلقي).

كما أن للومضة القصصية أركانها المعروفة التي يتوجب على المبدع للومضة الالتزام بها، إذ تقوم القصة الومضة هي الأخرى طبعا على مجموعة مرتكزات أساسية، والتي بها يتم البناء المتكامل لهذا الخطاب السردي الحكائي الوامض، ومنها العنوان/ العتبة، والاختزال/ التكثيف، والمفارقة، والإدهاش، والإيحاء، والمباغتة. ويبقى الالتباس حاصلا عند بعض إخواننا في المشرق بين هذين الجنسين فيعتبر البعض منهم القصة القصيرة جدا، ومضة قصصية، بل منهم من لا يعترف بالومضة إطلاقا مع أننا أشرنا إلى أن هذا الجنس الأدبي يمتح جذوره من التاريخ والثقافة العربية في عهود زمنية قديمة.

غير أنّ الأمر لا يزال لم يحسم نهائيا وهو اختلاف قائم كنتيجة لاختلاف بين الكُتّاب في الأفكار والآراء والتصورات.


- قد يكون هناك سؤال أو أكثر تودون الخوض فيه والإجابة عنه، ولكنني لم أتطرق له، أرجو أن تضعوا السؤال وتتفضلوا بالإجابة عنه؟ 

شكرا لكم أستاذي الفاضل، وفقكم الله في مسيرتكم


في الأخير أشكركم أديبتنا الأستاذة الفاضلة: "أمينة برواضي" على الاستضافة الكريمة، وعلى هذه المحاورة الشيقة، والتي أتمنى أن أكون قد قدمت من خلالها صورة واضحة عن شخصي وعن مجموع التساؤلات المطروحة حول قضايا إبداعية وثقافية متنوعة.





النصراوي شاعر تسلح بالكثير من الأدوات التي أوصلته لإنتاج قصيدة مركزة | بقلم الناقد العراقي / عماد الدعمي


النصراوي شاعر تسلح بالكثير من الأدوات التي أوصلته لإنتاج قصيدة مركزة | بقلم الناقد العراقي / عماد الدعمي

 

المقدمة 

عماد الدعمي 

     اللغة هي الطريق الوحيد للتعبير عن اشتغالات الشاعر ولا سبيل آخر للتأثير على المتلقي إلا من خلال اللغة ، وعلوم اللغة متعددة ولابدَّ للشاعر من الإلمام بها جميعا حتى يُخرج لنا قصيدةً مركزة مكثفة مؤثرة على وجدان وأحاسيس المتلقي، ومن هذا المنطلق نستطيع التفريق بين الشعراء بل ويمكننا تصنيفهم مع اعتبارات أخرى لا يمكن تجاهلها كتأثير البيئة على الشاعر وسعة الخيال وما يدور حول الشاعر من مؤثرات أخرى .

ووجوبا على الشاعر أن يتسلح بعلوم اللغة كالنحو والتصريف والبلاغة والعروض والقافية والبيان والبديع والإلمام بتاريخ الأمم وبعلوم اللغة ومعانيها ومعرفة مفرداتها وتنسيقها حسب التوظيف المراد منه الجمال .

النصراوي شاعر تسلح بالكثير من الأدوات التي أوصلته لإنتاج قصيدة مركزة ... فبعد اطلاعي على قصائده وجدتُ التراكم المعرفي لديه في نواحي مهمة كالنحو والبلاغة وقد ساعده ذلك على رسم صور شعرية جميلة مؤثرة وإنتاج قصيدة مؤثرة...

لم ترهقه القافية ودلالة ذلك تمسكه بعامود القصيدة العربية الأصيلة مع ملاحظة بعض الألفاظ القديمة وزجه بها في قصائده . كما أنه تمتع بقابلية الوصول للإبداع من خلال نفس شعري طويل وامتلك التعابير اللغوية التي ساعدته من خلال توهج العاطفة لديه .

إن القارىء لشعر النصراوي لا يحتاج إلى تفكير وتعب في إدراك صوره ومعانيه لسهولة أسلوبه ففي قصائده نضج فني ومعانيه واضحة في كافة أغراض الشعر التي كتبها فهو يسير في اتجاه واحد وهو التبسيط اللغوي مع التجديد والابتكار في المعاني قدر المستطاع وبذات الوقت تمسكه وحرصه على التقاليد الشعرية قلبا وقالبا ...

إن أهم ما يميز شعر النصراوي العاطفة المتوهجة في جميع أغراضه الشعرية ففي الاتجاه الوطني تجده لا ينفصل عن شعبه وعصره فيعيش مشكلات الوطن ويحمل همومه، وفي الغزل ستجد حرارة العاطفة مع الزج بصور حسية تعبر عما يدور بخلجاته .. وإذا ما وقفتَ على شعره القومي ستجد تلك الروح العربية القومية الصادقة وهذا دليل على ثقافته العربية ..

فها هو يتساءل في قصيدة (طوفان الأقصى ) ويقول :

أين منْ أفتى وحابى داعشا 

وسقى الأهل من الكأس الأمرْ

أين من يملك مفتاح الهدى

أين من صلى وزكى واعتمرْ

أين من قصّر ثوبا وادعى

أن ثوب العبد أهدى إن قصرْ ....

وله وقفة مع الشام ودمشق في قصيدة رائعة بعنوان( مجد العروبة ) يقول فيها :

وإن وهنتْ دمشق وأن تعافت

فإن سحابَها للعرب رفدُ

فلا مجدٌ بغير الشام يسمو

ولا عربٌ بلا شامٍ تعدُ

فهم سورٌ إذا أرخت عقالا

وان زحفت فاهل الشام سدُّ ...

من المهم أن يكون الشاعر معبرا عن حاجة الإنسان العربي وعن طبيعة المرحلة الراهنة التي تمر بها الشعوب من ارهاصات ومعاناة وويلات وقد نجح النصراوي في تجسيد ذلك شعرا.

اختلفت قصائده التي كتبها في الثمانينيّات في فترة معاناة الغربة والأسر عن القصائد التي كتبها حديثا 

فقد وصف مرتع طفولته بقصيدة يقول فيها :

كم ايقظ الروض صدى آهةٍ

من عاشقٍ ناجاه أو شاعرِ

له يقص العاشقون الهوى

كقصة السامر للسامرِ

والنهر كالصب جرى ناعسا

كما سرت ليلا خطى الحائرِ

كان للرثاء نصيبٌ في قصائده أظهر من خلاله الوجع والألم ومعاني صدق الإحساس والشعور قال: في قصيدة (طيفها يكفيني) وهي رثاء لوالدته الراحلة

فَسموتِ دوحا بالمكارم مورقا 

شَخصت لبعدِ مدارِها الأبصارُ 

إذ كنتِ مِربدَ احرفي وقصائدي

واليوم لا وترٌ ولا أشعارُ

إن غاب عن عيني المزارُ لبعده 

فمقامها بين الضلوع مزارُ

وكان للرسول الأعظم ولآل بيته ص نصيبٌ وافر في أشعاره فقد كتب في الحسين ع والإمام علي ع 

قال : في قصيدة (عذرا أبا الزهراء ) وهي قصيدة للرسول الأعظم ص

فعذرا أبا الزهراء إن شط جامحٌ

وخالط أطيافَ الشريعة باطلُ

وعاثت بها رقطاءُ من غير آلةٍ

وافتى بلا علم سفيهٌ وجاهلُ

وعادوا بها للجاهلية جذعةً 

وجدت على هدم البناء معاولُ ...

وقال:  في ( قصيدة فديتك )من سيف وهي للإمام الحسين ع

بواكٍ ديار الربع فهي مواجدُ

عشية همت بالرحيل الفراقدُ

عشية حفوا بالحسين كأنهم

نجوم السما في قلبهن عطاردُ

فساروا وسار الموت يحدو ركابهم 

كأن المنايا للفحول قلائدُ

استلهم النصراوي قصائده من بعض الأسماء الشعرية المهمة في الساحة الشعرية العربية كما ورد في قصيدته ( من ايحاء الجواهري الكبير )

إذ يقول:

وكيف يلوح في الآفاق فجرٌ

اذا ما حلّ في الانحاء جهلُ

فلا تفزع إذا اختلطت نصالٌ

وغاص بلجة الأعماق نصلُ

وخذ من سيرة الأحرار نبلا

اذا ما شح بين الناس نبلُ

وخذ من سفرهم للشمس دربا

فان سراتها قولٌ وفعلُ

فيعجم عودها جيلٌ ولودٌ

ويسبر غورها ليجدَّ فصلُ

فينسج من بقايا الحلم حلما

ويعلو كالكواكب حيث تعلو

هذه الأبيات محاكاة لقول الجواهري رحمه الله

سينهض من صميم اليأس جيلٌ

مريـدُ البـأسِ جبـارٌ عنيد

يقـايضُ ما يكون بما يُرَجَّى

ويَعطفُ مـا يُراد لما يُريد

........

إن عدة العمل عند النصراوي كانت تشتغل على الوعي فهو متمسك ومتأثر بالشعر العربي القديم ولكن بصبغة الحداثة التي تفرض عليه الإيقاع المواكب للعصر وظهر ذلك من خلال التركيز والتكثيف الصوري والدرامي.. وبهذا نستطيع القول أن النصراوي أخرج لنا قصيدة متكاملة المعنى من حيث بنيتها وهو ما أراد الوصول إليه 

كما كان للمكان الشعري الأثر الواضح في بنية قصائده فقصائده في الغربة اختلفت عن قصائده في الحاضر ويحسب له تعامله مع الطبيعة بشكل زيّنَ صورته الشعرية ..

حشّد وزج النصراوي بالكثير من المفردات التي جسدت المعاني والصور وخاصة أفعال الطلب فالافعال لها الدور الكبير في تزين القصيدة وبهذا فهو يحاول أن يكتب قصيدة شاملة من حيث الدلالة والمعنى منطلقا من فضاء واسع لا يقبل الضيق والتقوقع وهذا الفضاء الشعري واجب على كل شاعر أن يدخله ليأتينا بالابداع والابتكار .

القصائد الوطنية التي كتبها توشحت بنظرة التفاؤل وشحذ الهمم كما ورد في قصيدة دارت رحاها وكذلك قصيدة (أنا العراق ) يقول فيها:

أضحى العراق بنوره كمحجةٍ

بيضاء يُعلي صرحها الأحرارُ

ما خانه عزمٌ فزل خيارُه

لكنما فتكت به الأقدارُ 

حسدا تكالب من يظنُّ لغايةٍ

ان العراق قلادةٌ وسوارُ

فتآزر

 ان العراق قلادةٌ وسوارُ

فتآزرت بغيا عليه عصابةٌ

دارت بدين الله حيث يُدارُ

ورد في قصائده الغزلية العفة والعذرية بعيدا عن المجون ( عبير الذكريات )

قد سقتني الحب عذبا 

سلسبيلا وفراتْ 

هام من شوقٍ فؤادي

بالعيون الناعساتْ

فسهام اللحظ أمضى

في القلوب الهائماتْ 

رهنت قلبي شراكٌ

من رموش آسراتْ ....

لأيام الغربة والسجن الأثر الكبير في حياة الشاعر وقد رافقه في أيام غربته الشاعر (يونس عيسى منصور) الذي كتب مادحا النصراوي

بوركت يا شاعر الدنيا وما كتبتْ

أعني ( عليا)  بقايا من عكاظ أبي

أما العماليق من قيسٍ ومن مضرٍ

فقد تلاشوا وما فيهم سواكَ نبي..

والشاعر النصراوي رد عليه بقصيدة بنفس القافية والوزن قال فيها

مثلي يتوق إلى نبعٍ اجاورُه 

دعني اساقي الهوى من نبعكِ العذبِ

ما زلت غضا طري العود مقتصدا

ولم أجارِ فحولَ الشعر أو أهبِ

ولا بلغتُ سماءَ المجد منفردا

إلا وكنتَ قريني في سما الأدبِ 

النصراوي كان رائعا في الرد متواضعا وللغاية محافظا على دقة المعنى ومبتعدا عن الغلو ... فلا يمكن مقارنة الشعراء بالانبياء....

النصراوي كان محافظا على الاتزان مبتعدا عن الضبابية والرمزية متسلحا بالعاطفة الجياشة والتي لا تفارق العقل 

مشتغلا على الأمكنة والأزمنة التي كُتبتْ فيها القصيدة ومرتكزا على عدة مرتكزات أساسية في بناء القصيدة كالصورة الشعرية والحفاظ على وحدة الموضوع ومبتعدا عن التكلف والتصنع فهو يأتينا بما تجود به قريحته ...

وقد كان حاضرا وبقوة مع مايمر به الناس من مجريات وأحداث لذلك تجسدت في اشعاره الروح القومية والوطنية وحتى التأثير الديني كان واضحا عليه وفقا للمكان الذي يعيش فيه ... ولم يتحرر من الزخرفة البيانية البديعة التي سلكها شعراء مدرسة الشعر القديم لذلك تجده قوي التركيب سليم اللغة ، وأهم ميزه تميز بها هو الحفاظ على المزاج الشعري الممزوج بالعقلانية وذلك يحسب له منطقا وقد يُعاب عليه إبداعا فسماء الإبداع لا تظهر إلا من خلال التمرد وهذا لا يعني انه لا يملك هذه الطاقة ولكنه يحجبها لعدة اعتبارات مجتمعية ودينية ...

امتلك النصراوي الجاذبية التي تشد القارئ إليه وهذا أمر عظيم أن ينتظر المتلقي ما يجود به الشاعر .

أبارك للنصراوي منجزه الإبداعي وإلى مزيد من التفوق والتألق .

وحمدا كثيرا لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد الأمين وعلى آله وصحبه الأخيار المنتجبين.