Articles by "نقد"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل
الكاتب والناقد المصري دكتور / جمال فودة عضو الاتحاد العالمي للغة العربية يكتب: الصورة وإنتاج الدلالة (قراءة أسلوبية في قصيدة الأرملة المرضع) لمعروف الرصافي


تُعدّ الصورة الشعريّة سمة أسلوبيّة يتميّز بها شاعر عن آخر؛ لأنّها انعكاس حتميّ لانفعالاته النفسيّة التي يعيشها، وهي الوسيط الذي نستكشف من خلاله تجربته الفنّيّة ونرصد دلالتها، فهي التّركيبة الفنّيّة التي تحقّق التّوازن بين المستوى المطلوب والمُنجز، أو المتاح تفاوتًا بين التقريريّة والإيحاء الفنّيّ، وهي الفاصل بين الظاهر والباطن.

والتعبير بوساطة الصورة يحمل الشعر إلى تجاوز الظواهر من المعاني ويعبر إلى الحقيقة الباطنيّة، وذلك من خلال تشبيك اللغة الشعريّة المؤثّرة بعلاقات تنشئها بين المفردات من خلال وسائل بيانيّة متنوّعة.

فقصائد الشعر الحديث اتّسمت باعتماد واسع على الصّورة الشعريّة وفضاءاتها، فانبثق منها مجال رحب من الصور التي تحاكي مجالات متعدّدة متّصلة بمواقف من الحياة، كما أنّها أبرزت الخبرات الشاعريّة، ودلّت على مفهوم دقيق للأمور، وبذلك تكون قد نقلت مشهدًا حيًّا وتجربة إنسانيّة وافرة.

وإذا كان الشعر تفكيراً بالصور ـ ومن خلال الصور ـ فإن إدراك دور الصورة في بنية النص الشعري لن يتحقق إلا بتجاوز التشكيل اللغوي إلى أفق الإطار الإيحائي الذي يحيط به، حيث تتعانق مجموعة من الأبعاد النفسية والفكرية والشعورية التي يتألف من امتزاجها وتلاحمها نسيج الصورة الشعرية 0

والصّورة الشعريّة عند (معروف الرصافي) ليست لغة سطحيّة عاديّة، بل مشاهد لأوجه تعبيريّة متعدّدة ومفتوحة على مؤشّرات سيمولوجيّة قد يعنيها الشاعر في مقاصده، أو يحلِّق بها القارئ في فضاءات معنويّة بعيدة؛ ليعيد تشكيل أبعادها من جديد، باعتبارها العنصر الإبداعيّ الأهم الذي يوظفه الشعراء في إحداث الإثارة، وبعث الدّهشة والتّصادم.

وفي هذه المقالة نقف عند أبعاد الصورة الشعرية ودورها في إنتاج الدلالة في قصيدته (الأرملة المرضع) التي يقول فيها:

لَقِــــيتُـــها لَيْـــــــتَنِـي مَــــــا كُنـــْتُ أَلْقَــــــــــــــــــاهَـا تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا

أَثْـــــــــــــــــــــــــــوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْـــــــــــــــــلُ حَــــــــــــــافِيَـةٌ وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَــــــــــــــــــــــــــدِّ عَيْنَاهَـا

بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُـــــوعٍ مُحَيَّاهَـا

مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْـــــــــــقَاهَـا

المَـــــــــــــــوْتُ أَفْجَـــــــعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا وَالهَمُّ أَنْحَلـــــــَهَا وَالغَمُّ أَضْـــــــــــــــــــــــــــــــنَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْــــــــــــــــــــمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا كَأَنَّهُ عَقــــــــــــــــــــــْرَبٌ شَـــــــــــــــــــــــــــــالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَــــــــــــدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُســرَى وَلِيدَتَهَا حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

قَــدْ قَمَّــطَتْهَا بِأَهْـــــــــــــــــــــــــدَامٍ مُمــَـــــــزَّقَـــــةٍ في العَيْنِ مَنْشَرُهَا سَـــــــــــــــــمْجٌ وَمَطْوَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا تَشْــــــــــــــــــــــــكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَــــــــابَ دُنْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِــــيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْــــمَاهَـا

تَبْكِي لِتَشْـــــــــــــــــــــــــــــــكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا وَلَسْــــــــــــــــــتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَــــــــــــــكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا وَلَسْـــــــــــــــــــــــــــتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّـــــــــــــقْمِ آذَاهَـا

وَيْــــــــــــــــحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَهـا بِالفَقْـــــــــــرِ وَاليُتْــــــــــــمِ، آهَــــــــــــــــــــاً مِنْهُمَا آهَـا

كَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْــــرِ وَاحَـــــــــــــــــــــــــدَةً وَمَـــــــــــــــــــــــــــــــوْتُ وَالِدِهَـا بِاليُتْــــــــــــــــــــــــــمِ ثَنَّاهَـا

هَذَا الذي في طَرِيقِي كُنْتُ أَسْمَعُـهُ مِنْهَا فَأَثَّرَ في نَفْســـــــــــــِي وَأَشْــــــــــــــــــــجَاهَـا

حَتَّى دَنَــــــــــــوْتُ إلَيْــــــــــهَـا وَهْيَ مَاشِيــَـةٌ وَأَدْمُعِي أَوْسَــــــــــــعَتْ في الخَدِّ مَجْرَاهَـا

وَقُلْتُ: يَا أُخْـــــــتُ مَهْلاً إِنَّنِي رَجُلٌ أُشَـــــــــــــــــــــــــارِكُ النَّاسَ طُـــــــــــــــــــــــــــــــرَّاً في بَلاَيَاهَـا

سَمِعْتُ يَا أُخْتُ شَكْوَى تَهْمِسِينَ بِهَا في قَالَةٍ أَوْجَعـــَتْ قَلْبِي بِفَحْــــــــــــــــــوَاهَـا

هَلْ تَسْمَحُ الأُخْتُ لِي أَنِّي أُشَاطِرُهَا مَا في يَدِي الآنَ أَسْــــــــــــــــــــتَرْضِي بِـهِ اللهَ

وَقُلْتُ يَا أُخْتُ أَرْجُــــو مِنْكِ تَكْرِمَتِي بِأَخْـــــــــــــــــــــــــذِهَـا دُونَ مَا مَنٍّ تَغَشَّــــــــــــــــــــاهَـا

فَأَرْسَـــــــــــــلَتْ نَظْرَةً رَعْشَــــــــاءَ رَاجِـــــــــــفَـةً تَرْمِي السِّــــــــــــــــهَامَ وَقَلْبِي مِنْ رَمَـــــــــايَاهَـا

وَأَجْهَشــَتْ ثُمَّ قَــــــــــــالَتْ وَهْيَ بَاكِيَـةٌ وَاهَـــــــــــــــــــــــــــــــــــاً لِمِثْلِكَ مِنْ ذِي رِقَّةٍ وَاهَـا

أَوْ كَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ لَمْ تَشْـــــــــــــــــــــــــــــــــكُ أَرْمَلــَةٌ ضَنْكَاً بِدُنْيَاهَـا



تبدأ القصيدة بهذه الصورة المحورية تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا؛ إذ تتمحور القصيدة كلها حول هذه الصورة التي تتحول إلى بناء رمزي متكامل لموقف شعوري، وفي داخل هذا البناء تتوالى صور جزئية تقوم على علاقات مألوفة أو غير مألوفة، وإزاء هذا التشكيل الفني يتسع مجال الدلالة ويتكشف في كل مقطع جانب من جوانبها.

ومن ثم يستقطب البناء المركزي حوله مجموعة من الصور والإيحاءات التي تدور في فلك الصورة المركزية فتعمق إيحاءها وتضاعف عطاءها، لتكشف رؤية الشاعر وتجسد ـ بإيجاز ـ أبعاد تجربته، وتتوالى الصور الجزئية في سياق القصيدة لتفصيل إجمال الصورة المركزية بالوقوف على خطوطها وألوانها التي تلقى بظلالها على بنية النص وصوره.

يسعى الشاعر في المقطع الثاني لتعميق الإحساس بهذه الدلالة التي تحملها الصورة " الأم " من خلال باقي الصور التي تتمركز حول محورها، يقول:

بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا

وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا

مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا

فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا

المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَـــــــــعَهَا

وَالهَمُّ أَنْحَــــــــــــــــــــــــــــلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا

أول صورة في المشهد السابق هي صورة " الأرملة المرضع" التي تميل إلى تقريب المسافة بين الدال والمدلول، فالبكاء بلغ من العين منتهاه فاحمرّت، والضنى خط آثاره على الوجه فاصفرّ، والبكاء والمعاناة نتيجة فقدان السند، هذه القابلية للتأويل في إطار الصورة تعززها اللقطات التالية حتى تفضى بها إلى تجسيد دلالتها من خلال الاستعارات: الدهر أشقاها ، والموت أفجعها ، والهم أنحلها ،جاءت كلها منبثقة من جزئيات الواقع الذى عايشه بعد أن أضفي عليها من ذاته المرهفة بالحذف و الإضافة ، لتصبح مزيجاً من الرؤية و الرؤيا معاً . ومن ثم تتشابك أحزان الشاعر وهمومه في نسيج واحد.

كَرُّ الجَدِيدَيْنِ قَدْ أَبْلَى عَبَاءَتَهَـا

فَانْشَقَّ أَسْفَلُهَا وَانْشَقَّ أَعْلاَهَـا

وَمَزَّقَ الدَّهْرُ، وَيْلَ الدَّهْرِ، مِئْزَرَهَا

حَتَّى بَدَا مِنْ شُقُوقِ الثَّوْبِ جَنْبَاهَـا

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا

كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً

كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا



وهنا جاء الرصافي بتشابيه عكست حال الضياع التي حلّت بالأرملة بعد فقد عائلها، فنراه في تعبيره يعكس حال الضياع التي تعيشها، متأرجحًا من ضياع إلى ضياع، ضياع وجودي، وضياع نفسيّ، وضياع شعوريّ، وضياع فكريّ…، ويسكب ذلك كلّه في تشابيه متنوّعة تبعًا لمنسوب انفعاله وتأثّره،

تَمْشِي بِأَطْمَارِهَا وَالبَرْدُ يَلْسَعُهَـا

كَأَنَّهُ عَقْرَبٌ شَالَـتْ زُبَانَاهَـا

حَتَّى غَدَا جِسْمُهَا بِالبَرْدِ مُرْتَجِفَاً

كَالغُصْنِ في الرِّيحِ وَاصْطَكَّتْ ثَنَايَاهَا

فتارة يسوق التشبيه التامّ، وأخرى يحذف أحد أركانه، مما يعكس حال التّشتت والضياع التي تعيشها تلك الأرملة.

والواضح أنّ التشبيه في هذه القصيدة – بأنواعه كلّها – ترجم حالة الألم التي عاشها الشاعر، والحزن الذي كابده جرّاء ما رآه، فكانت تشابيهه وليدة الحزن المخيم على نفسه، والعامل المساعد في إخراج الصورة بحدود معانيها وتشعّباتها، والمترجم العفويّ لدلالاتها البيانيّة والمعنويّة، والشريك الفعليّ في تظهير المعاني بأبعادها التصويريّة المكثّفة “وتشترك الصورة في توليد بنية المعنى بما تتوفّر عليه من دلالات مكثَّفة، وبما تثيره من أفكار وعواطف في وعي المتلقّي لكي يعثر على الدلالة الشعريّة في النص.

يقول الرصافي:

تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا

حَمْلاً عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومَاً بِيُمْنَاهَـا

مَا أَنْسَ لا أنْسَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُهَا

تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

يَا رَبِّ مَا حِيلَتِي فِيهَا وَقَدْ ذَبُلَتْ

كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

تَبْكِي لِتَشْكُوَ مِنْ دَاءٍ أَلَمَّ بِهَـا

وَلَسْتُ أَفْهَمُ مِنْهَا كُنْهَ شَكْوَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا

وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيَّ السُّقْمِ آذَاهَـا

وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَهـا

بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ، آهَـاً مِنْهُمَا آهَـا

كَانَتْ مُصِيبَتُهَا بِالفَقْرِ وَاحَـدَةً

وَمَـوْتُ وَالِدِهَـا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَـا



في هذا المقطع يتمّ الانتقال بالفكرة من المفهوم الحسّيّ إلى المفهوم التجريديّ، أو من المجرّد إلى مجرّد آخر وتُعدّ المؤثّرات الكامنة في النصّ منبّهات تستفزّ ذات المتلقّي عند تفاعله مع أحداث النصّ، وتكون عامل توتّرٍ دائم يشغل ذاته، فتتكوّن في محصّلة قراءته أحكام تتحد فيما بينها لتُنتج دلالة نصية كاملة.

فالتوتّر في القصيدة انطلق مع ظهور علامات الألم وانعدام أفق الأمل بفعل الفجيعة التي حلّت بالأرملة على إثر فقدان زوجها. وفي ظلّ حزنها وفقرها فقدت القدرة على التحكّم بمشاعرها؛ فراحت تَشْكُو إِلَى رَبِّهَا أوْصَابَ دُنْيَاهَـا

وجاءت الصور بعد ذلك مقرونة بالتشخيص والتجسيد معًا،

كَزَهْرَةِ الرَّوْضِ فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا

قَدْ فَاتَهَا النُّطْقُ كَالعَجْمَاءِ، أَرْحَمُهَـا

وَيْحَ ابْنَتِي إِنَّ رَيْبَ الدَّهْرِ رَوَّعَهـا

بِالفَقْرِ وَاليُتْمِ، آهَـاً مِنْهُمَا آهَـا



وتمثل الصورة القدرة الدالّة على التجسيد المتحقّق، وسرعان ما يحمل الفعل المضارع ما يؤشّر إلى الحقيقة المرّة التي تسم واقعها ، فينهمر على نفسها الحزن عن طريق تماس الدلالة بإسقاط حرف العطف بين الجمل إذ يجتمع " الفقر " مع " اليتم" على مستوى تصويري واحد يربط العلة بمعلولها ، خاصة مع تقدم الفاعل " وَمَـوْتُ وَالِدِهَـا بِاليُتْمِ ثَنَّاهَـا " على الفعل في حركة أفقية تجعل منه مركز ثقل دلالي يستقطب الحدث الناتج عن الفعل، ويؤدى دوراً إضافياً بحلوله في وسط جديد ، كما يظهر ـ أيضاً ـ مع " فَقْدُ الغَيْثِ أَظْمَاهَـا "

ثم يأتي " الحوار " وَقُلْتُ: يَا أُخْتُ مَهْلاً ... ليوازي بين حالة الفقد الداخلي والخارجي، فتقوم الصور الشعرية برصد أبعاد الدلالة من خلال مجموعة الأفعال (أُشَارِكُ، تَهْمِسِينَ، تَسْمَحُ، أَسْتَرْضِي، أَسْتَبْقِي، أَرْجُو، تَرْمِي، تَصْعَدُ، تَشْكُ، أَذْكُرُهَا، و يَخْفَى) تتحرك الصياغة حركة مزدوجة، إذ تتعلق بالماضي وتشده إلى الحاضر، كما تتعلق بالحاضر وتشده إلى الماضي، فتخلق بهذه الازدواجية معادلاً يوازى تجربتها خارج إطار الزمن، وهى تجربة تجمع بين الذات وموضوعها في لحظة مطلقة تختل فيها العلائق التي تربط بينهما ، أما المعادل فهو الارتداد إلى واقع زمني لاستعادة علاقة من نوع آخر بين الإنسان وأخيه الإنسان ، علاقة قائمة على التواد والتراحم والتعاطف.

لو كَانَ في النَّاسِ إِنْصَافٌ وَمَرْحَمَةٌ

لَمْ تَشْكُ أَرْمَلَةٌ ضَنْكَاً بِدُنْيَاهَـا



وبعد هدأة الحزن الذي ألم بالشاعر؛ يسلّم بالحقيقة المرة (ما جاع فقير إلا بتخمة غني) لكنه لم ينسحب من غمرة الحزن والأسى، بل ظلّ غارقًا في أفكاره، يقلّب نفسه على مواجعها، لتستقرّ معه صوره الشعريّة على هذه الحال، فجاءت مُستهَلَّة بأداة الشرط (لو) الذي يلخص حقيقة الأمر، في البحث عن إيجاد المفقود لا فقدان الموجود!



إن الشعر لا يصبح فناً بمحتواه وإنما بطريقة صياغته لهذا المحتوى، فمن رحم المعاناة ومن الحزن والفقر والانكسارات المتعاقبة تخرج إلى الواقع روح تشع نور الرحمة والمحبة التي تمد طوق النجاة لتلك البائسة 0

وهكذا جاءت الصورة الشعرية " تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا " صورة مركزية جوهرية تجسد تجربة الشاعر مع (الأرملة المرضع)، وجاءت كل الصور الشعرية بعد ذلك متفرعة منها مؤكدة لها ومفصلة لإجمالها، إذ تصور القصيدة مجموعة من المشاهد، يكاد كل مشهد فيها أن يقوم بذاته، لكننا ما نلبث أن ندرك إدراكاً مهماً أن شيئاً ما يصادفنا في كل مشهد، كأنه يتخذ في كل مرة قناعاً جديداً حتى إذا ما انتهت القصيدة أدركنا أن هذه المشاهد لم تكن أقنعة بل مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة.

· هذا المقال مُهدى ـ لصاحب فكرته ـ الأستاذ الدكتور / إبراهيم خفاجة.










الأديب شاكر فريد حسن يكتب: حسن عبد اللـه وكتابه "دمعة ووردة على خَد رام اللـه"


هذا هو الكتاب الأخير الذي صدر للباحث في الشأن الثقافي، الكاتب والإعلامي الفلسطيني حسن عبد اللـه، الذي عرفناه منذ الثمانينات من القرن الماضي من خلال كتاباته الأدبية والسياسية، التي كان ينشرها في الصحافة الأدبية والثقافية في المناطق الفلسطينية المحتلة، وفي صحيفة "الصنارة" الأسبوعية. 
يُعد حسن عبد اللـه قامة ثقافية، وشخصية يشار لها بالبنان، لما له من بصمات واضحة في المشهد الأدبي والثقافي والإعلامي الفلسطيني، بانغماسه في الهم الإبداعي والثقافي والمجال الإعلامي وتقديمه للبرنامج الحواري "عاشق من فلسطين" الذي استضاف من خلاله العديد من الشخصيات الأدبية والفكرية والثقافية الفلسطينية اللامعة على الساحة الأدبية. 
كتاب "دمعة ووردة على خَد رام اللـه" صادر عن الكلية العصرية الجامعة، ويقع في 150صفحة من الحجم المتوسط، صمم غلافه الخارجي الفنان غازي نعيم، وأهداه إلى “إياس” حيث كتب له: "كُنتَ في أيام الحَجر صديقًا ومعينًا وونيسًا، تابعتَ مساقاتك في الهندسة عبر نظام التعلم عن بعد، وعيناك تنغرسان في شاشة الحاسوب، بينما كان قلبك يمشي في أرجاء البيت، يبلسم وجع أيام أبيك تارة، ويمد العون لأمك بيَدَي نَبضِهِ تارة أخرى، لتنتهي ساعات يوم الحَجر محروسة برموشِ عينيكَ ونبضِ قلبك"، ويشتمل على 12 نصًا ادبيًا مختلفًا. وهذا هو الكتاب العشريني الذي يصدر له، وله كتاب آخر بعنوان "رام اللـه تصطاد الغيم" الصادر العام 2010.
الكتاب عبارة عن قصص كتبت في بدايات الكورونا، وهي نصوص مكانية بامتياز، وإن كان عنوانه يحمل رام اللـه، إلا أن حسن يأخذنا إلى أماكن عديدة، ويجري مقاربات بين مدن فلسطينية وأخرى عربية من خلال تجربته المباشرة مع هذه المدن، فيقارب بين عمان ورام اللـه، ونابلس ودمشق، وأسواق وجدة المغربية العتيقة وأسواق القدس العريقة. وفي مقارنته بين عمان ورام اللـه يشبههما بامرأتين جميلتين لكل منهما خصوصيتهما التي فيها الكثير من المقومات المتشكلة من خصوصية أخرى. 
وهو يكرس نصه الأول لرام اللـه، المكان الأول من خلال جولاته المسائية في رحابها وشوارعها وحاراتها وساحاتها برفقة صديقه الكاتب جهاد صالح، الذي يتناول جزءًا من سيرته الذاتية، لا سيما أن جهاد صديقه جاء إلى الدنيا في عام النكبة وعاش حياته متنقلًا بين عواصم مختلفة، قبل أن يستقر في رام اللـه، لتتبلور تجربته الأدبية والثقافية والفكرية وتنضج بين محطات هذه المدن.
حسن عبد اللـه مسكون بالمكان، وعلاقته به تشكل هاجسه الدائم، وهذا نابع من ايمانه أن جدلية العلاقة بين الكاتب والمكان هي التي تبلور وتشكل التجربة بسمائها ونسائمها. والمكان في نصوصه ليس حجارة جامدة أو شوارع وطرقات وأزقة، بل إنه يحس ويرى ويتفاعل ويبعث طاقة في الناس. وهو يتحدث عن رام اللـه المكان في طفولته ومراهقته وشبابه وجيله المتأخر، وينظر إلى رام اللـه القديمة بكل الشوق والحنين والحزن. وفي كل قصة من قصص الكتاب نجد جولة حقيقية في المكان، يضاف إليها جولة خيالية من خلف طاولة مكتبه في بيته، حيث يتجول في شوارع وأسواق وازقة رام اللـه، ويجري حوارات متخيلة، ويمزج بين الحقيقي والمتخيل.
تتميز نصوص الكتاب في سلاستها وانسيابية أحداثها، وجاءت بأسلوب مشوق سلس وماتع، ويلمس القارئ فيها الفكاهة النابعة من العفوية الجميلة بطعم الذكريات العذبة، واللغة المباشرة الرشيقة القريبة إلى لغة الشعر، فضلًا عن الصور الإبداعية الدقيقة والتوصيف البديع للمكان، وتوظيف الأسطورة، والتنوع في الأماكن والجماليات، والجمع بين التاريخ والأسطورة والواقع والخيال الفنتازي.
إنها باختصار لوحات باذخة الدهشة، بليغة التعبير، متماسكة الصياغة، تجعلنا نعانق المكان الفلسطيني بكل مكوناته، تجلى فيها حسن عبد اللـه بعبق الجمال والتاريخ والحضارة والشعر والنثر والأدب والفكر. 
فألف تحية للصديق الكاتب حسن عبد اللـه ونرجو له المزيد من العطاء والتألق والتوهج والحضور الأدبي.






سلسلة " شاعر وقصيدة " إعداد وتقديم: ذة أمنة برواضي | الحلقة 48 مع الشاعرة الزجالة " زينب مرزوق "


 الهدف من السلسلة التعريف بشعراء مغاربة، وتسليط الضوء على مسيرتهم الإبداعية، وتقديم نموذج من شعرهم للقارئ.


الزجالة زينب مرزوق المعروفة بمجذوبة الريف مسقط رأسي أحفير شرق المغرب من أب ريفي وأم فاسية رحمهما الله.
عشقت الحرف منذ الصغر أول كتاباتي كانت في عمر الرابعة عشر،  كتبت الفصيح  في البداية، ووجدت نفسي في الزجل.
 لي 3 دواوين مشتركة، وأول ديوان خرج للوجود هذه السنة ديوان زجلي بعنوان " حكمة لحروف" 
ربة بيت أم لطفلي الوحيد وائل وهبني الله الزوج الذي أيدني وساندني كل التقدير له. 
أعيش وأسرتي الصغيرة بمدينة الدريوش
حضرت عدة ملتقيات بالناظور وفاس، تاركيست، مراكش، والسعيدية، كما حصلت على عدة شواهد تقديرية، وحصلت على رتب ممتازة في عدة مسابقات خاصة بالفصيح والزجل
قصيدة زجلية بعنوان:

* تفرقات لفكار *

الله يا راسي
دنيا مشكلة
كلها يلغي بلغاه
ولعقول مفرقة

حارت لفكار
لكلام مالو لساس
أيام وسنين يا ناس
تجمعات لفكار
وبخور تبخرات

حارت لفكار
ناس طاغية
وناس عايشة ملهية
هذا منزه ولاخر مألم
ولمفنك عايش فالطكية
تجمعات لبلدان
وتفرقات لفكار

تشبكين خيوط وتخبلات
..... لشعور
والراس مقرع بلا طاكية

حارت لفكار
الاهل بلا رحيم
والعشرة فالنكرية
زمان يا لمغير وقتو
لبدن تشوك لحمو 
ولعقل تغير موجو
ولكبال تخبلات خيوطو 
وأفكار تشبكات فالسرية

حارت لفكار
وتسمعات خبار
ماليها معيار
غير بلمعيار
تسربات بلا خيار
مشكلة بلا حقية

وووحارت لفكار






تقنيات القص وجماليات السرد الروائي عند الروائي التونسي الأمين السعيدي


بقلم:سلوى بهلول

ننطلق من رواية"ضجيج العميان"أول اصدار للروائي الأمين السعيدي سنة2018
فمنذ بداية المتن تشعر بأنك امام منجز مختلف،مشوق يدفعك الى مواصلة القراءة بشغف كبير منتظرا النهاية كيف ستكون لتعدد القضايا ووجود شخصيات تتصف بالظلم واخرى ضحية الطبيعة والمجتمع والسلطة...الى جانب تنوع مصادر القص(شعر،ايات قرانية،احاديث نبوية،اسطورة)
الى جانب حضور اليات القص المختلفة السرد الحوار الوصف
بمنهج مختلف يغلب عليه النفس الفلسفي العميق...
تتنوع القضايا وتتداخل فيها ماهو سياسي   وماهو اجتماعي،في الشوارع وفي السجون،مع طرح مشاريع سياسية
فيصعب بذلك تصنيف الرواية،اذ يمكن وصفها بأنها رواية في الأدب السياسي كما يمكن اعتبارها من ادب السجون،او الأدب الوطني...
كما ان الحب هو محور من محاور الرواية ممايمكن عصنيفها رواية رومانسية ولكن القضايا المطروحة والاماكن الواقعية تدفعك كذلك الى تصنيفها ضمن الأدب الواقعي أو الرواية الواقعية.
أما روايته"المنفى الأخير"الصادرة مطلع سنة2020 فهي رواية ذهنية ذهنية شخصياتها متعددة،يتراوح المكان فيها بين الصحراء والمدينة حيث تقود شخصية"وردة"النور ليصلح ما افسده المجتمع والساسة فيحكم المثقف من اجل تحقيق العدل والمساواة
المنفى الأخير بأسلوب مختلف ولغة سلسة واحداث متشعبة...
أما روايته"ظل الشوك"فهي الرواية الثالثة في رصيد الأديب الأمين السعيدي صدرت كذلك عن دار القلم للنشر والتوزيع في160صفحة شهر اكتوبر2020
وهي رواية واقعية تطرح المسكوت عنه والمنسي من القضايا في تونس والعالم العربي كما تتعرض للوباء المنتشر عالميا كوفيد19 فيطرح بعمق فلسفي يدفع القارئ الى الحيرة والشك والتفكير
الرواية بأسلوب مختلف وحبكة قصصية متينة تقوم على التشويق والاثارة
دور المرأة في الرواية فاعل طرح من جوانب فكرية
في حين تمثل رواية"مدينة النساء"المنجز الرابع في رصيد الروائي التونسي الأمين السعيدي،رواية اثارت جدلا كبيرا فاختلف حولها النقاد لثرائها وتنوع اساليب القص فيها وطرحها لقضايا الساعة
صدرت عن دار عليسة للنشر والتوزيع بتونس في11نوفمبر2021 وقد حققت أعلى نسبة مبيعات في معرض تونس الدولي للكتاب سنة2021
جميع روايات الروائي التونسي الأمين السعيدي ستكون موجودة بالمعارض العربية الدولية للكتاب:الدوحة،القاهرة،الشارقة،الجزائر،
المغرب الامارات العراق فلسطين...






سلسلة " شاعر وقصيدة " إعداد وتقديم: ذة أمنة برواضي | الحلقة 47 مع الشاعرة: " أمينة سعيد إزداغن" 


 الهدف من السلسلة التعريف بشعراء مغاربة، وتسليط الضوء على مسيرتهم الإبداعية، وتقديم نموذج من شعرهم للقارئ.

الشاعرة أمينة سعيد إزداغن من مواليد 1980م بالدار البيضاء، تنحدر من عائلة أمازيغية سوسية عريقة بمدينة تارودانت التي تعتبر من أقدم صروح العلوم الفقهية ومدرسة حصيفة لتلقين القرآن الكريم وموقع استراتيجي للقوافل التجارية
المهنة / مديرة شركة سياحة
حاصلة على دبلوم تقني متخصص في الاعلاميات وتسيير المقاولات
باحثة في علوم الثغراث و الموروث الأمازيغي القديم
حاصلة على عدة شواهد تقديرية داخل وخارج أرض الوطن
عضوة بالاتحاد العام للمبدعين بالمغرب
لها مشاركات أدبية وإذاعية داخل وخارج المملكة المغربية
من بين المشاركات
المؤتمر الدولي للسلام بمدينة سلا سنة 2019م
المهرجان الدولي الأول للأدب والفنون بسيدي بنور سنة 2019م
مهرجان ملتقى آسفي الدولي للسلام في نسخته الرابعة سنة   2020م
مهرجان ملتقى اسفي الدولي للسلام في نسخته الخامسة سنة 2021م
لها عدة منشورات ورقية و إلكترونية في عدة منابر اعلامية خارج وداخل المملكة المغربية
: الإصدارات
"ديوان الشعر الفصيح  "رحلة في محراب الغياب 
سنة 2021 م
الموسوعة الحديثة للشعراء و الأدباء العرب الجزء الثامن و العشرين كديوان مشترك تم طبعه بالقاهرة سنة 2021م
"ديوان زجلي "گروح الواد
.قيد الطبع
"ديوان أمازيغي باللهجة السوسية  "اصميض انگار اوسان
.برد الأيام العجاف قيد الطبع
من بين قصائدها 
فرمان الوله
اليوم أعلنت عشق التعبير 
لمحبة حروف
ضمن مؤلف الأستاذة مالكة عسال الصورة الشعرية للشعر العربي والمغربي نموذج سنة 2021م
القصيدة:
فرمان الوله
خبر صادر
صمت هائم
يعم مضجعي
يكابد عشقا
عبر حروفه
الأسيرة برسالة
... الوله
الآسر بغتة
لصبابة عاشق
يتغنى لعيون غجرية
حسناء السواد
تغزو بنظراتها
قلوب العاشقين
تزرع الأمل
تكسر الضجر
تلملم الألم
تأخذنا في حضرة
انبلاج صباح مشرق
يقودنا للوعة الوله
عبر سفن الصبر
المليئة بشهوة الظمأ
لا ارتواء لروحها
بين أمواج الزنابق
الذابلة في خريف
التمني
مصيرها التريت
لﻹرضاء حاضر
يتمعن بجنبات الهاوية
ومستقبل تائه
بين ضفة وأخرى
أينبع الوادي شوقا
ليشرب الحبيب
رحيق زهره المعتق
الزاهد عقدا
الرافض لجبروت
التوسل
القابع بضلع المهج
رغبة في هيام
التمرد والولع
المتقد بخلجان
ذاك الوله
. الضائع مني






سلسلة " شاعر وقصيدة " إعداد وتقديم: ذة أمنة برواضي | الحلقة 46 مع الشاعر: " عبد الجليل الفولادي"


 الهدف من السلسلة التعريف بشعراء مغاربة، وتسليط الضوء على مسيرتهم الإبداعية، وتقديم نموذج من شعرهم للقارئ.

الشاعر والزجال عبد الجليل الفولادي
من مواليد 22/10/1971
مسقط الراس والنشـأة  بحاضرة المحيط آسفي 
تدرجت دراسيا كباقي الأطفال الابتدائي والاعدادي ثم الثانوي 
1991 التحقت بالمكتب الشريف للفوسفاط
كنت لاعبا بفريق أولمبيك آسفي للروݣبي
أتقن الصيد بالقصبة وفن الطبخ
للإشارة كل ما أنا فيه اليوم يرجع للوالدة رحمها الله حيث تشربت منها  تلك الثروة اللغوية الأصيلة وكنت أسمعها وهي في ندهاتها وشذراتنا الجميلة تنشدها من وراء المنسج أو هي تنقي القمح أو تغربله أو وهي تصبن
ليس لدي دواوين شعرية لأنني لا أحبذ الفكرة، وربما أكون على غير صواب
ربما السبب يعود بالأساس لأنني في يوم من الأيام وجدت كتاب الخبز الحافي للأديب والكاتب محمد شكري في القمامة فتأثرت كثيرا حينها
القصيدة:
الشوفة حاضرة
ولعقل غايب
لكانون خامد 
نارو تݣدات
طاح الشديد
عياه الصهد
سلم لعنيد
ظن راسو خالد
هزمو  دوام
حيرتو حيرة
سلك ليام
واسݣيطة عليلا
عايش في جلالو
فرادي 
لا من يواسي بحرف
للخاطر اجبيرة
أجي يا وا أجي
نحلوا لباب
نحيوا لخاوة
تعمر الدار
أجي يا وا أجي 
نرجعوا لغاب 
ونديروا لموت 
حساب
أجي







الشاعر نصر خطيب في ديوانه "شوق ترويه حبات المطر" يكتب عن الحب والحياة | بقلم: شاكر فريد حسن 


كان الصديق الشاعر والكاتب نصر خطيب من بلدة بيت جن الجليلية، أرسل لي مشكورًا، ديوان الشعري الأوّل الموسوم "شوق ترويه حبات المطر" الصادر قبل فترة وجيزة عن منشورات دار الحديث للإعلام، والنشر، لصاحبها الشاعر والكاتب الإعلامي فهيم أبو ركن.
يقع الديوان في 115 صفحة من الحجم المتوسط، وجاء بتصميم وطباعة أنيقة وغلاف قشيب، ويتضمن باقة من أشعاره وقصائده الوجدانية والعاطفية والإنسانية والوطنية والاجتماعية، ويهديه إلى "القلة القلية ممّن يقرؤون، هم ليسوا لوحدهم. والقراءة تُشعرهم بحياة ثانية، وبأهمية الاختلاف بين البشر، وتقبّل الآخر. ويعرفون كيف يتمتعون بما قرأوه، وإن خالف ذوقهم ورأبهم. وإنّ الإنسان قد يتغيّر بعد قراءة كتاب. وإلى عائلتي عسى أن تكون كتاباتي توثيقًا لذكرى طيبة".
وجاءت مضامين الديوان على تنوعها ضمن خيط فنّي بقالب شعري مألوف من حيث الشكل، ومميز ومبهر وأخاذ من حيث الأسلوب في التعبير، واعتماد الصور الشعرية الحسيّة والحيّة، واللغة الأنيقة الآسرة، والعناصر الفنية التي تغلغلت في باطنها أساليب البوح الشفيف والرهيف.
وفي قصائد الديوان يحاكي نصر خطيب الحُبّ والمرأة والحبيبة والوطن والطبيعة الخضراء الخلابّة، ويغازل العيون منبع الوفاء، وكلّه شوق للعشيقة، ويصور الألم والوجع الإنساني والواقع الاجتماعي، ويتساءل عن غياب وموت الضمير، ويرسم صورة جميلة ورائعة لقريته المتربعة على صدر الجليل الأعلى، التي يكحل عينيه من عينيها، وتدغدغ صدره رائحة الزعتر والقهوة المهيلة، ويرشف نسيم العطر من حنينها، ويبشر بميلاد جديد قادم.
وتطغى النزعة الرومانسية على نصوصه وتسيطر على روحه، ونراه متعلقًا بكل المظاهر الطبيعية في الكون، يتأملها ويستوحي منها صوره الشعرية المبتكرة الجديدة المميزة، ويخلع عليها مشاعره.
ومن خلال قراءتنا لقصائد الديوان يتجلى بكل جلاء ووضوح أن نصر شاعر عذب رقيق وناعم يمتلك حسًا إنسانيًا، ونفسًا شعريًا، وصاحب موهبة حقيقة مرهفة، يسكب مشاعره وأحاسيسه الدافئة من خلال ما يخطه شعريًا، وتبدو نفحاته بكل العذوبة والرقة والجمال والشفافية في قصائد الحُبّ والعشق والغزل. 
ومن جميل قصائده في هذا الجانب العشقي العاطفي، راقت لي قصيدته "شوق" التي يستهل بها ديوانه، ويذيل بها غلافه الأخير، وهي قصيدة رومانسية في غاية الرقة والروعة، تمزج بين الهوى ومعاناة البعد والشوق العاصف الذي ترويه حبات المطر، ونلمس في سطورها مشاعر نابضة دفّاقة ومعانٍ إنسانية راقية، حيث يقول:
يَنْتابُنِي شّوقٌ لحبِّكِ حَيثُما 
لاحَ الجمالُ، ومّن بهِ مترنِّما
ها أنتِ تَختالينَ في قلبٍ سّمَا 
بِمحبّةٍ، ما عانقتْ إلّا السَّما
وأنا بِعشقِكِ، عائمٌ بحرَ السّنا 
وشواطِئي، تمتصُّ حبًّا ناعمِا
يا بلسَمَ الجرحِ الّذي في بُعدِها 
الشّرخُ عادَ مُعانِدا قلبي، دَمَا 
وكأنِّي أدمنتُ خمرةِ حبِّكِ 
حُلْوٌ مَشارِبُهَا، وريقُكِ بَلسَما
ما غادرَ الأحبابُ، عن متقاعدٍ 
ولكُمْ حنينُ فؤادِنا يتجوّلٌ 
والشّوقُ يخفقُ في فؤادي، من هوًى
والقلبُ عنّي، في هواكُمْ يرحلُ 
ما غابَ مَنْ يهواهُمُ نهرُ النّوى 
معظم قصائد الديوان تبنى حول مشهد معين، أو فكرة واحدة، وتنأى بنفسها عن الإنشاد الحماسي والأناقة الرخوة، وإن كان الشاعر لا يغادر غنائيته المسلحة بالوزن والقافية في الكثير من الأماكن والمواقع، وقصائده تميل بمجملها إلى القصر والاختزال والتكثيف من ناحية، وطويلة في أحيان أخرى، وتأتي اللغة نفسها مطواعة، بما فيها مزيج من المهارة والتلقائية والعفوية الصادقة. فنصر يعتني أشد العناية بقاموسه اللغوي والتعبيري، ويبذل جهدًا واضحًا باختيار ألفاظه وانتقاء مفرداته، وفي التزويج بينها والهندسة الخالصة فيها. 
وما يميز قصائده ذلك الصدق التعبيري التلقائي والوضوح الممزوج بالإيحاءات والتعابير السلسة، وجمالية الإيقاع والموسيقى المتجلية في القوافي، فضلًا عن الاناقة المفرطة في اللفظ والتعبير، والإسراف الجمالي في اللغة. فهو يلبس ألفاظه حُلّة جديدة مجازية، ويوظف الاستعارة التي تحلّق بنا في عالم الخيال، وتعرض لنا أشكالًا من الصور البيانية الرائعة. 
إننا أمام شاعر جميل أنيق في نمط القصيدة النثرية وقصيدة التفعيلة والعمودية، ملتزم بالقضايا الإنسانية والوطنية، يعيش قصيدته بعاطفة صادقة قوية، وداخل لحظة الإبداع، جاءنا بنصوص شعرية خفيفة الظل، سهلة، واضحة المعاني، وبعيدة عن تعقيدات الصورة واغتراب اللغة، وقدم لنا شعرًا وجدانيًا جميلًا، مبعثه خلجات النفس الحرّى، والروح العذبة، والوجدان الرقراق، يفوح منه شذّى وعطرًا يشتمه القارئ والمتلقي فتتفتح أساريره.
نصر خطيب في ديوانه شاعر يجترح ولا يكرر، يهتم بالعلاقة بين السطور كوحدة جمالية، وأتحفنا بقصائد رومانسية وعاطفية ووجدانية بلا زخارف لغوية، حاكتها ونسجتها ثورة النفس المشرقة بالحُبّ والروح الإنسانية المفعمة بجماليات الأشياء.