السُّلَّمُ الحِجَاجِيُّ فِي قَصِيدَةِ (لَمْ تَكُنْ أَبَدًا مَوَدَّة) لِعِصَام خَلِيفَة | بقلم الكاتبة/ دعاء خميس جابر - ماجستير الأدب والنقد كلية الآداب ـ جامعة دمنهور
 |
| السُّلَّمُ الحِجَاجِيُّ فِي قَصِيدَةِ (لَمْ تَكُنْ أَبَدًا مَوَدَّة) لِعِصَام خَلِيفَة | بقلم الكاتبة/ دعاء خميس جابر - ماجستير الأدب والنقد كلية الآداب ـ جامعة دمنهور |
يعتمدُ السُّلَّمُ الحِجاجيُّ على التدرُّجِ المنطقيِّ الإقناعيِّ بشكلٍ تصاعُدِيٍّ ، أي : ترتيب الحُجَجِ من الأضعف إلى الأقوى وصولاً إلى الهدفِ النهائيِّ ، و« يرتكز مفهوم السُّلَّم الحجاجيّ في الخطاب على مبدأ التدرُّج في استعمال وتوجيه الحُجج والأدلة ؛ لأن الحِجاج بوصفه استراتيجيَّة لغويَّة لا يرتبط بالمضمون وما يُحيل إليه من مرجع ، وإنما يرتبطُ أيضًا بقوَّةِ وضعفِ الحُججِ ومدى خُضوعِها لمنطق الصدق والكذب ؛ فالمُرسِل يُنظِّم حُجته في أثناء التواصل على وَفْق ترتيبٍ تتحكَّم فيه مُعطياتٌ مُتعدِّدةٌ ، منها : مرتبة المرسِل ، وطبيعة المرسَل إليه ، والسياق المحيط بالخطاب الحِجاجيّ ؛ لهذا يُمكن القول إِنّ السُّلَّمَ الحِجاجيَّ هو علاقةٌ ترتيبيَّةٌ للحُجَجِ » ( ) ؛ ولأنَّ الجدل حول معاهدة السلام ما زال مُستمرًّا حتى الآن ؛ لذا لجأ الشاعر المُخلِص إلى تلك الآليَّة لإثباتِ حُجَّتِهِ المؤيِّدة للاتفاقيَّة .
الحُجَّة الأولى : نلمحها في عُنْوَان القصيدة ؛ فالعنوان يُوحي بالموقف الدفاعي للنص ؛ حيثُ صَاغَهُ الشاعرُ بنفي الجملة الفعلية ، وكأنّه جوابٌ عن كلامٍ سابقٍ ، يَنُصُّ على أن زيارة السادات لإسرائيل كانت مودةً لهم ؛ فكان الردّ بالنفي ؛ فكان العُنْوَان بمنزلة الدرجة الأولى (ذهنيًّا) في السُّلَّمِ الحجاجيِّ الذي اعتمده الشاعر.
الحُجَّة الثانية : كيف تكون مودة ، وقد كانت بمنزلة مُخاطرةٍ مجهولةِ المصيرِ، قام بها السادات وَحْدَهُ ، وتحمَّل المسؤوليَّة مُنفردًا ، وتمَّ ذلك وسط ذهول مُعاونيه ، لكنه تحرك بدافع إخلاصه لبلاده ؛ الذي لا يقف عند مواجهة المجهول ؛ بل (يُعانقه) إنْ لزم الأمر ، يقول :
قد يُدْرِكُ الأبْنَاءُ بَعْدَهْ
كَمْ حَقَّ ذَاكَ الحُرُّ وَعْدَهْ
فَجْرٌ يَخُطُّ هُمُومَهُ ...
وَحَفِيدُهُ لَمْ يَأْتِ مَهْدَهْ
وَسْطَ انْدِهَاشِ رِجَالِهِ ..
سَيُعَانِقُ المَجْهُولَ وَحْدَهْ . ( )
الحُجَّة الثالثة : لم يكُن السادات مُضطرًّا إلى أنْ يَزُجَّ بنفسه في مثل هذه المخاطر ، ويُعَرِّضَ نفسه للهجوم الشرس والاتهام بالخيانة ؛ فهو القائد المُنتصِر في أكتوبر المجيد ، وكان باستطاعته أنْ يظلَّ بقيَّة حياته ينال الثناء والتمجيد ، ولا يُبالي إنْ قامتْ حروبٌ أخرى يَزُجُّ فيها بجنوده ، وسيعذره الجميع ، بل سيبقى في نظرهم القائد الشجاع المُحارِب ، يقول :
قَدْ كَانَ يَقْدِرُ .. أَنْ يَظَلَّ مِنَ " العُبُورِ " يَخِيطُ مَجْدَهْ
وَيَبِيتُ يَتَّخِذُ الحُرُوبَ عَبَاءَةً ..
وَيَزُجُّ فِي الأَهْوَالِ جُندَهْ
قَدْ كَانَ يَقْدِرُ أنْ يُشَكِّلَ مِنْ مَشَقَّاتِ القِتَالِ المُرِّ .. رَغْدَهْ
لَكِنَّهُ الإِخْلاصُ .. أَقْبَلَ كَي يُصَاغَ اليَومَ عِنْدَهْ . ( )
الحُجَّة الرابعة : كان بوسع السادات أنْ يتجنَّب هجوم الأصوات الرافضة ، وأن يخضع لها ، ولكنَّه لم يستمعْ إلا لصوت الحقِّ ، ولم يلتفتْ لِمَا سواه ، وقد تعهَّد بإعادة سيناء مهما تكلَّف الأمر من تضحيات ، يقول :
وَرِفَاقُهُ ...
لَمْ يَفْهَمُوا فِي لُجَّةِ الأحْدَاثِ قَصْدَهْ
رَسَمُوا عَلَى صَدْرِ الجَرَائِدِ رَفْضَهَمْ ..
وَتَذَمَّــرُوا سُخْطًا وَحِــدَّة
قَالُوا "هُنَاكَ خِيَانَةٌ لِلْعَهْدِ".. قَالَ البَعْضُ .. "رِدَّة"
لَمْ يَمْتَثِلْ إِلاَّ لِصَوتِ الحَقِّ جَاءَ يُقِـرُّ عَهْدَهْ
سَيُعِيدُهَا
بِجِبَالِهَا وَسُهُولِهَا ..
بِجَدَائِلِ الفَيرُوزِ تَحْضِنُ جِيدَهَا
بِدِمَاءِ جُنْدِ اللهِ وَسْطَ عُرُوقِهَا
سَيُعِيدُهَا ...
حَتَّى وَإِنْ ثَارَتْ جُمُوعُ الخَلْقِ ضِدَّهْ ( )
مرَّ الشاعرُ حتى الآن بمرحلتينِ مُتتاليتينِ هُمَا : (الدفاع ثم التبرير) ، ومن ثَمَّ انطلق إلى المرحلة الثالثة التي تُمثِّل نهاية السُّلَّمِ الحِجَاجيِّ ، وهي مرحلة التفصيل بعد الإجمال .
الحُجَّة الخامسة : وضَّح الشاعرُ حِكْمَةَ السادات ورؤيته بشكلٍ تفصيليٍّ ، مع تثبيت الهدف الرئيس للقصيدة ، وهو قوله : (هي لم تكن أبدًا مودَّة) ، مُكرِّرًا هذه الجملة قبل كل مقطعٍ من المقاطع التفصيليَّةِ ، كما يظهر في قوله :
هِي لَمْ تَكُنْ أبَدًا مَوَدَّةْ
لَكِنَّهَا .. جَيشُ التَّفَاوُضِ إِذْ يَعُدُّ اليَومَ حَشْدَهْ ( )
إنّ تعبير الشاعر عن فريق التفاوض بالجيش ؛ يُؤكِّد أنّ التفاوُض لم يكن سهلاً مع اليهود .
يقول :
هِي لَمْ تَكُنْ أَبَدًا مَوَدَّةْ
هِيَ جَولَةٌ لِمُقَاتِلٍ ..
رَدَّ الكَرَامَةَ لِلرِّجَالِ .. أَقَرَّ غَضْبَتَهُ وَعِنْدَهْ
بَثََّ الرِّسَالَةَ لِلعَدُوِّ .. مُحَطِّمًا بِالمَاءِ .. سَدَّهْ
ثُمَّ اسْتَدَارَ بِحِنْكَةٍ وَبِدُونِ حِدَّةْ
لِيُعِيدُهَا بِوُرَيقَةٍ ( )
(هي جولة لمقاتل) ، هذا المقاتل الجسور الذي انتصر ورَدَّ كَرَامَةَ أبنائه ، وأثبت قُوَّتَهُ ، كيف استطاع بعد جُمُوحِ القُوَّةِ أن يستدير في لينٍ ، مُستكملاً انتصاراته ، ومُكبِّلاً عَدُوَّهُ بقيود الحق ، مستخدمًا وريقة صغيرة ، يقول :
هِيَ قُبْلَةٌ .. لَيسَتْ بِقُبْلَةْ
هِيَ وَرْدَةٌ .. لَيسَتْ بِوَرْدَةْ
هِي لَمْ تَكُنْ أَبَدًا مَوَدَّةْ .. ( )
(هي قُبلةٌ ليست بقُبلة/ هي وردة ليست بوردة) ؛ حيثُ استطاعَ الساداتُ أن يحصل على ما يريد بتقديم قُبلة زائفة ، ووردة وهميّة ، تلك هي المُداهنة المطلوبة في التفاوض مع اللئام .
وقوله :
هِيَ حِكْمَةُ الوَقْتِ المُعَلِّمِ وَالدُّرُوسِ المُسْتَمَدَّةْ
وَهِدَايَةٌ ..
أَرْسَتْ بِأَرْوِقَةِ السَّمَاءِ إِجَابَةَ الرَّحْمَنِ عَبْدَهْ ( )
(هي حكمة الوقت المعلم والدروس المُستَمَدَّة) : هي الحكمة ، وخلاصة التجارب السابقة ؛ لأنه الإيمان بالله ، وتوفيقه و استجابته لدعاء عبده .
وقوله :
هِي لَمْ تَكُنْ أَبَدًا مَوَدَّةْ ..
لكنَّها ..
غَيمُ السَّمَاءِ يَصُبُّ وَسْطَ المَاءِ رَعْدَهْ . ( )
لقد وصل الشاعر إلى هدفه ، وأثبت ما يُريد بالمنطق والعقل ، وبشكلٍ تدريجيٍّ ، وأعتقد أنَّه استشعر نجاحه في الحِجاج والإقناع العقليِّ ؛ مِمَّا جَعَلَهُ في النهاية يتيقَّن من أنَّ الأجيال القادمة ستُدرِك قيمة ما فعله السادات ، وقد كان يشُكُّ في ذلك في بداية النص وقبل هذا العرض الحِجاجيِّ ، حين قال في البداية : (قد يُدرك الأبناء بعده/ كم حقَّ هذا الحُرُّ وعده) ، ولكنه قال في النهاية : (حتمًا سيأتي بعده/ جيل سيُقْسِم أنّه/ كم كان يعدو فكره/ وعقولكم ليست مُعَدّة) ؛ مِمَّا يُؤَكِّدُ نجاحَ الشاعرِ فِي توظيف السُّلَّمِ الحِجَاجِيّ دفاعًا عن السادات .